فــــرنــــاس | لا خير في فكرة لم يتجرد لها صاحبها، ولم يجعلها ردائه وكفنه، بها يعيش وبها يموت
علينا دوماً أن نبحث في الإنسان قبل أن نبحث في الأحداث، فكما يكون الإنسان تكون الأحداث، وليس كما تكون الأحداث يكون الإنسان. إن الوطن أعز من أن يهدموا وحدته بدعاوى التعصب. وإن المستقبل يصنعه القلم لا السواك، والعمل لا الإعتزال، والعقل لا الدروشة، والمنطق لا الرصاص. والأهم من ذلك كله أن يدركوا حقيقة غائبة عنهم، وهي أنهم ليسوا وحدهم جماعة المسلمين. وليس هناك خطوط حمراء غير خطوط الدم الإنساني
خلال مسيرة هذه المدونة تعرضتُ في مواقع كثيرة لحوادث تاريخية يتم تغييبها عمداً عن الوعي العام العربي أو الإسلامي. فما يتم التسويق له دائماً، دائماً، في السياق الدعوي على الخصوص هو حوادث انتقائية ذات محتوى وعظي محدد حتى يعطوا الأنطباع بأن “الماضي“، أياً كان هذا الماضي، هو أفضل من حاضرنا وأكثر التزاماً بقيم متعددة، سواء كانت أخلاقية أو دينية أو إنسانية. ولكن هذه “الانتقائية” هي وبكل بساطة محاولة للخديعة من جهة، ومحاولة لتكريس مبادئ “سلفية” ما أنزل الله بها من سلطان من جهة أخرى. فلسبب وجيه يقول الرب تعالى في القرآن الكريم ﴿فألهمها فجورها وتقواها﴾. ولكن السياق العام لهؤلاء دائماً يصر على “التقوى” ويحاول أن يلغي “الفجور” من صفحات التاريخ. هُم يخجلون من تاريخهم، ولذلك هم ضعفاء ويهتزون في أعماقهم عند الإشارة لتلك الصفحات السوداء فيها. فعندما يتم نشر مثل هذه الحوادث التي تلقي الضوء على “فجور” تاريخنا في هذه المدونة، يمكن للقارئ الكريم أن يلحظ مباشرة تلك الحساسية المفرطة التي يبديها البعض في محاولة يائسة لأن يتشبثوا بآخر ستائر هذه الأوهام التي يسوقون لها. ولكنني أقول: هذا تاريخنا كمجتمع إنساني، بفجوره وتقواه، بشرفه وعاره، بطهارته ودنسه، وبإنسانيته وهمجيته الفظة الغليظة. ولا يجب تحت أي ظرف أن نتنكر له. التنكر للتاريخ هو خطيئة تجعلنا أكثر هشاشة وضعفاً، ولا تجعلنا بالتأكيد أكثر “أخلاقـاً” أو أكثر “تُقـاً”. وأقول: يجب علينا أن نحتضن الإثنين، الصفحات البيضاء ومعها السوداء، حتى نخرج بحكم واقعي عن تلك الحقب التاريخية الماضية. ورحم الله ابن خلدون إذ يقول:
“الناس كالناس، وقس الغائب على الحاضر“
ويبدو أن منهجية “تزوير” التاريخ قد امتدت لتشمل حتى التوجهات التي تعتبر نفسها متحررة نوعاً ما من الموروث الإنتقائي القديم. فأصبحنا نلاحظ أن خونة الأمس يتم التسويق لهم اليوم على أنهم “شهداء”، وحوادث الكوارث الوطنية يتم النظر إليها بعين عوراء، وسارقي أموال الأوطان في أيام محنته ومعهم طاقمهم بكافة اختصاصاته يتم تحويلهم إلى “وطنيين أبرار”. ولا عجب هنا، فكلنا “سلفيون” بصورة أو بأخرى حتى وإن اجتهد بعضنا بإنكار ذلك.
أدناه هو حادثة تاريخية لحرب قامت بسبب الشذوذ الجنسي للسلطان. وقبل أن يعترض معترض، فإن المصدر (الكتاب) لهذه الحادثة قد اشتريته من تجمع المكتبات الإسلامية في منطقة حولي، وهو لا يزال يُباع هناك لكل “الطوائف” الإسلامية الكويتية.
فرناس
“وفيها [ذي الحجة سنة 836 هـ] حاصر إسكندر بن قرا يوسف قلعة ساهي [إسكندر بن قرا، أحد سلاطين التركمان الذين امتدت دولتهم من هراة شرقاً ومروراً بإيران وبغداد وديار بكر غرباً]. وكان صاحبها [أي صاحب قلعة ساهي] من نوابه. فلما رجع إسكندر من محاربته مع شاه رخ [يقصد المؤرخ أن إسكندر هذا كان يحارب شاه رخ، فلما رجع من حربه] أرسل إليه النائب ولده ليهنئه بالسلامة، وكان شاباً جميلاً، فحبسه عنده يرتكب منه الفاحشة فيما قيل. ثم أرسله لأبيه. فلما أخبر أباه بما جرى له عصى على إسكندر. فتوجه إليه [إسكندر] وحاصره فلم يظفر منه بشيء.
وكان للإسكندر في تلك القلعة عدة من النساء، فخشي عليهن من أيدي أعاديه لحصانتها [يقصد المؤرخ أن شاه رخ قد وضع عدة من نساءه في تلك القلعة بسبب حصانتها وحروبه مع شاه رخ] فنفذ الأمير [أي صاحب قلعة ساهي] إلى النسوة المذكورات فقسمهن بينه بين ولده الذي أفحش فيه الإسكندر وبين ابن عمه، وجعلوهن بمنزلة السراري لهم”.
إنباء الغمر بأبناء العُمر، الحافظ ابن حجر العسقلاني، دار الكتب العلمية، الطبعة الثانية، بيروت 1986، المجلد 8 – 9، ص 282
بدءاً من مساء أمس، ولسبب مجهول حتى الآن، اصبح من غير الممكن لقراء المدونة الإطلاع على صفحة التعليقات أو اضافة تعليق على كل مقالات المدونة، كما أنه أصبح متعذراً الإطلاع على المقالات بصورة فردية، ولم ينجو من هذا الخلل إلا الصفحة الرئيسية للمدونة. لقد أرسلت رسالة للدعم الفني لبيان الأسباب واصلاح هذا الخلل. فللقراء الكرام أسفي واعتذاري.
أصدرت الحركة الدستورية الإسلامية (حدس)، الواجهة السياسية لجماعة الإخوان المسلمين في الكويت، بياناً في الثامن من هذا الشهر تطالب فيه رئيس مجلس الوزراء “بالكشف عن طبيعة وأهداف مدفوعاته المالية للنوّاب والسياسيين إن وجدت، والتحلي بشجاعة الاستقالة حفظاً لكرامة وشرف المسؤولية العامة عند وجود أي ممارسة خاطئة”، وأن عدم التصدي للأمر “يثير المزيد من اللغط والشبهات حول حقيقة الأمر“، رجاءً اضغط هنا.
فمن الواضح هنا أن جماعة الإخوان المسلمين الكويتيين يريدون أن يعرفوا “طبيعة وأهداف” مدوفوعات رئيس الوزراء ومنها الشيك الأخير المتهم فيها أحد النواب السابقين في مجلسالأمة، ولا أرى أنا أي بأس في هذه المطالبة. من حقهم، كما هو من حقنا أيضاً، أن يعرف الجميع أين ذهبت هذه الأموال.
الآن، الســـــــــــــــــــؤال غـــــــيـــــــر الـــــبــــــريــــــــئ لـ “حدس“:
تم في الآونة الخيرة تداول اسم هذا النائب الذي استلم شيك بمبلغ 200 الف دينار، صح؟
من المؤكد أنكم سمعتم بالاسم كما سمعنا نحن، ثم حل عليكم صمت القبور فيما يتعلق بالاسم، صح؟
هذا النائب المتهم الذي استلم الشيك بـ 200 الف دينار هو أخ، (بالكويتي: أخوه خليصه)، لأحد قياديي ورموز حركة الإخوان المسلمين في الكويت، صح؟
وأنتم تريدون أن تعرفوا “طبيعة وأهداف” هذا الشيك، وأن السكوت عنه سوف “يثير المزيد من اللغط والشبهات (لاحظ هنا: الشبهات) حول حقيقة الأمر” كما أتى في بيانكم، لأن المبلغ كبير، صح؟
فما الذي يمنعكم من رفع سماعة التلفون على هذا القيادي الاخواني الكبير في شركته الضخمة وتسألوه عن “طبيعة وأهداف” هذا الشيك الذي استلمه أخوه، ثم بعد ذلك تقولوا للشعب الكويتي أين ذهبت هذه الأموال، وما طبيعتها، وما أهدافها، ولماذا استلم هذا النائب الشيك من الأساس، أو على الأقل أن ينفي علاقته بهذا الشيك لأن السكوت عن هذا الأمر “يثير المزيد من اللغط والشبهات“؟!
في بلد تقوم مؤسسته التنفيذية (الحكومة) بحل مجالس ادارات بعض النوادي الرياضية بقوة القانون، لاحظ: بقوة القانون، فيقوم أعضاء إدارات هذه الإدارات المنحلة بعقد اجتماع لـ (جمعية عمومية غير عادية !!!) برئاسة أحد أفراد الأسرة الحاكمة (طلال الفهد الأحمد الجابر الصباح) في تحدي واضح لسلطة المؤسسة التنفيذية (الحكومة) ولسلطة الشرعية القانونية وهيمنة المؤسسة التنفيذية على مثل هذه الشؤون، ومن ثم اختيار اعضاء لمجلس اتحاد كرة القدم موازي للاتحاد القائم (اللجنة الانتقالية برئاسة الشيخ أحمد اليوسف)، ويكون لدى الكويتيين اتحادين اثنين، واحد حكومي انتقالي وثاني موازي غير معروف شرعيته من عدمه. وفي بلد يُسمي هذا الاتحاد الموازي غير الشرعي اعضاء مجلس ادارته بكل اريحية ورحابة صدر بـ طلال الفهد رئيساً وهايف المطيري نائباً للرئيس وطلال المعصب ومانع مبارك وعبداللطيف الدوسري اعضاء لمجلس الادارة، ومن ثم يرسلون رسائل للاتحاد الدولي ويتهمون بأن (هناك كتباً مزورة ارسلت إلى الفيفا لافشال هذه العمومية)، ويتصرفون على منهج “أخذ الحقوق باليد“، فماذا يتوقع أي إنسان عاقل محايد أن يتصرف أفراد الشعب الباقين في مختلف شؤونهم السياسية والاقتصادية والاجتماعية بغير هذه الذهنية التي يرسم لنا صورتها أعضاء من قمة الهرم المؤسسي للسلطة؟!
هذه الذهنية والتصرفات هي نفس الذهنية والتصرفات السياسية والاقتصادية التي نراها على ساحة مجلس الأمة والحكومة والشعب اليوم، وإلا ما هو الفرق؟
هل تريدون حلاً لهذه المهازل السياسية والاقتصادية والاجتماعية والرياضية والتعليمية وكل شيء بات يتعلق بحياتنا؟
هل فعلاً تريدون حلاً لهذه الفوضى وعجائب دولة اللاقانون ومزاجية الطوائف والأعراق؟
ها هو لديكم فرد من أفراد أسرة الحكم نفسها يتحدى سلطة الحكومة وشرعية القانون، اجعلوه عبرة لغيره بحيث لا تخطئه عين ولا يتجادل فيه اثنين. فإذا عرف هو جدية منهج الدولة، أقول: منهج الدولة، منهج الدولة عندكم، اطاع الباقون سلطة القانون واحترموا هيمنته. أما إذا كان منهج الدولة وأعرافها وقوانينها يتم تحديها بشكل سافر ولا يتم معاكستها فوراً وبجدية ووضوح، فلا تلوموا هذا الشعب وهؤلاء النواب فيما يفعلونه ويطالبون فيه، فالناس على دين ملوكهم، والمثل يقول:
تتفنن القوى السياسية المتعددة في مجلس الأمة الكويتي في ابراز مخاوفها من احتمالات حل مجلس الأمة الكويتي مع تعطيل العمل ببعض مواد الدستور كما حدث مرتين في تاريخنا السياسي. فالحراك السياسي في مجلس الأمة لا يعدو أن يكون حراكاً ذي محورين. محور رقابي يبدو مبالغاً فيه بحيث يتعدى في جوانب عديدة إلى اتهام النوايا ومحاكمة الضمائر وما يستدعيه ذلك من تعطيل مؤكد لمشاريع تنموية حقيقية تحتاجها البلاد، ومحور ثانٍ يدور حول التفنن في اطلاق الاتهامات والتحديات العلنية بحيث يبدو الأمر وكأنه تسابق مسرحي أمام كاميرات التلفزيون والصحافة فيمن يسبق الآخر في هذا المجال. والحقيقة المؤكدة هي أن الذهنية السياسية، بشقيها الحكومي والتشريعي، هي ذهنية أقرب إلى “الشعبوية” الساذجة وغير المحترفة سياسياً واقتصادياً، ولذلك هي أقرب إلى الفشل منها إلى أي نجاح متوقع. ولأن الطرفين يمثلان حالة “ساذجة” في هذا المحيط الديناميكي، فلابد لهما من تبرير هذا الفشل بواسطة افتعال “معارك” على خشبة المسرح “الكوميدي - التراجيدي” السياسي الكويتي. ومن هذه “المعارك” التي يسوّق لها دائماً بعض أعضاء مجلس الأمة هو تخويف العباد من “الحل غير الدستوري” في بلاد البؤس السياسي “الشعبوي”.
في شهر سبتمبر الماضي عندما تساءلت سفيرة الولايات المتحدة الأمريكية عن ما إذا كان “الآخرون” في مجلس الأمة الكويتي هم من “الكلاب” على اعتبار أن النساء هن من القطط (رجاءً، اضغط هنا، و هنا) وخرج بعض أعضاء البرلمان يبررون لها قولها، فإنها في نفس تلك المحاضرة “الساخرة” تفننت السفيرة في فن “الكوميديا” السياسي، ربما لأن “من عاشر قوماً اربعين يوماً صار مثلهم”. فالسفيرة استرسلت في سخريتها لتقول:
“منذ أن جئت الى الكويت فإنني اسمع الناس هنا يتحدثون عن الحل غير الدستوري. وكما تعلمون فإنه مهما تحدثت الى اولئك الناس في هذا الامر فإنهم يستمرون في تكرر القول ان الحل غير الدستوري هو امر حتمي. وأعود وأقول مجددا انه بما انني لا اسعى الى اعادة انتخابي هنافإنني أود القول ان هذا الكلام ينطوي على الكثير من السخف المثير للضحك“.
هذا “السخف المثير للضحك” عند السفيرة الأمريكية هو ما يردده “رموز” السياسية الشعبوية الكويتية كل يوم تقريباً على مسامعنا. ويجب علينا أن نقف متفكرين عن السبب الذي يجعل السفيرة الأمريكية ترى في هذه الدعاوى سخفاً يثير ضحكها كـ “سياسية” محترفة تتفوق على كل سياسيينا من الرجال ذوي الدعاوى العريضة والخطابات الرنانة. لماذا هو سخف؟
برويز مشرف، الرئيس الباكستاني السابق، كان يمثل للولايات المتحدة الأمريكية حليفاً مهماً جداً في حربها في أفغانستان. أفغانستان ذلك المستنقع الذي غرقت فيه الولايات المتحدة، ولا تزال غارقة فيه، حتى ذقنها في أوحاله ولا يبدو أن الحل والخلاص قريب. برويز مشرف كان يفوق في أهميته الإستراتيجية كحليف بأضعاف مضاعفة الحليف الكويتي في حرب الولايات المتحدة في العراق. فالحليف الكويتي من الممكن استبداله بسهولة إذا اضطرت الولايات المتحدة لذلك، ولكن من الذي يقوم مقام باكستان؟ ولكن الملاحظ أنه عندما انقلب برويز مشرف على دستور بلاده وأعلن الأحكام العرفية، تفاعلت الأوساط السياسية الأمريكية والأوروبية على حد سواء لتكون النتيجة هو تنحيه عن حكم بلاده واستبداله برئيس آخر. وكمثال ثانٍ حميد كارازاي، الرئيس الأفغاني، الذي لا يقول “لا” أبداً لكل “رغبة” غربية في داخل بلاده. ولكن عندما تم إعادة انتخابه مع بروز اتهامات بالتزوير في الاقتراع العام، برز فجأة احتمال استبداله بوزير خارجيته كأمر مرجح لا تمانعه القوى الغربية مما استدعى شكاوى سافرة وصريحة منه. وكمثال ثالث المملكة العربية السعودية والتي تمثل حالة “حرج” سياسي كبير لا فكاك منه للقوى الغربية أمام شعوبها. فالأمر يبدو في أحيان كثيرة وكأن هذه القوى الغربية تسوّق لأتفه “اصلاح” من جانب السعوديين ليبدو أمام الرأي العام الغربي وكأنه “إنجاز” ضخم يجب أن تأخذه هذه الشعوب في الإعتبار عند انتقادها لحكومات بلادها لتعاملهم “الحميم” مع المملكة. والخلاصة هي أن الرأي العام في الولايات المتحدة وأوروبا أصبح لا يستسيغ التفاعل ايجاباً مع من يطرح نفسه كـ “ديكتاتور” يريد أن تُدار شؤون بلاده، علناً على الأقل، من دون نظام ديموقراطي من نوع ما فاعل في نفس المحيط، وهذا ما يؤثر بدوره على واضعي السياسة عندهم. وضمن هذا السياق، سياق الديكتاتوريات من جهة وحالة الصراع مع مجتمعات الشرق الأوسط بعد أحداث الحادي عشر من سبتمبر من جهة أخرى، نشرت مجلة NewsWeek الأمريكية تحقيقاً اقتصادياً مهماً في عددها الصادر بتاريخ 3 نوفمبر 2009، جاء فيه:
“إن محاولة إصلاح دين شعب آخر هو لعبة الحمقى، وحين يتعلق الأمر ببناء الدول، نجد أن سجل الغرب غير ثابت. ولكن إذا كان هناك شيء تبدع الولايات المتحدة وحلفاؤها في عمله فهو إطلاق قدرات مؤسسات التجارة والأعمال التي تحوّل المجتمعات. وهكذا، ومن أجل تشجيع ثورة الطبقة الإسلامية المتوسطة، فإن على الغرب أن يساعد على تحرير الاقتصاديات الإسلامية من قوى سيطرة الدولة عليها. ينبغي على الحكومات المحلية أن يُضغط عليها للالتزام بحكم القانون، ولكي تقبل الضوابط والتوازنات الدستورية، ولكي تفتح اقتصاداتها للاستثمارات الأجنبية المباشرة والتدفق الحر للسلع والموارد، وأن تخفّض القواعد المنظمة للاقتصاد. وعلى الدول المتقدمة أن تدفع باتجاه عدد أقل من المشاريع الأصغر التي تشرف عليها الدولة، وباتجاه قطاع حكومي أصغر وعدد أقل من الناس على قوائم الحاصلين على مداخيلهم من الحكومات. وفي المقابلن ينبغي على الغرب أن يفتح أبواب اقتصادياته أمام المنتجات القادمة من العالم الإسلامي وأن يضمن أن الأموال التي يضخها في المنطقة تدعم نوع من التغيير الصحيح”.
المصدر: مجلة NewsWeek، عدد 3 نوفمبر 2009، ص 42
فالغرب أصبح واعياً تماماً لأهمية احترام السلطة الحاكمة للضمانات الدستورية ولحكم القانون. والمؤسسات الحاكمة الحليفة للقوى الغربية أصبحت بدورها واعية تماماً لأهمية هذا المحور لصالح استقرارها السياسي في دولها. وهذا هو السبب الذي يجعل خيار الحل غير الدستوري في الكويت خياراً غير واقعي على المدى المنظور على الأقل. وهذا هو السبب الذي دفع بالسفيرة الأمريكية لأن تصف خطابات سياسيي الكويت “الشعبويين” بـ (السخف المثير للضحك) كما تقول هي. وهذا السبب هو الذي جعل الولايات المتحدة لأن تضحي بحليف استراتيجي مثل برويز مشرف وسوف تضحي بغيره من دون أن يرف لها جفن.
إن أغلب الخطابات “النارية” لبعض أعضاء البرلمان الكويتي لا يجب أن يُنظر لها إلا على اعتبارها سيناريو مسرحي (كوميدي – تراجيدي) في تلك الملهاة الكويتية البائسة والتي سوف تنتهي في زمننا، أو في زمن ابنائنا، بكارثة لا شك فيها. وإن كنت لا استغرب من هؤلاء السياسيين الفاقدين المقدرة على انجاز أي مشروع حقيقي خارج نطاق ذهنية “الريع” المتخلفة، فإنني أقف مندهشاً من هذا الشعب الذي تَحمرَّ كفيّ يديه من التصفيق لهم ثم لينسى بعد ذلك أن يسألهم عن الدليل و “المنطق” من وراء خطاباتهم هذه.
وزير المالية السابق بدر الحميضي للنائب مسلّم البراك:
“نُشر بالأمس سؤال موجه من النائب الفاضل مسلم البراك إلى وزير المالية يسأل فيه عن اسماء الشركات التي تتعامل معها شركة المواشي، متسائلاً: هل يعتبر النائب الفاضل السؤال عن الاغنام والمواشي وعددها أهم من السؤال عن خسائر وصلت إلى ألف وثمانمائة مليون دينار في المؤسسة العامة للتأمينات الاجتماعية، أم أنه يعتبر هذا الموضوع خطاً أحمر لا يستطيع السؤال عنه؟”
هناك الكثير من القضايا تشتبه فيها معايير الصحة والخطأ أو معايير العدالة والظلم بسبب كثرة ما يُقال أو يتم التبرير له أو معاكسته. فلكل إنسان منهجية منطقية تبرر له أحياناً حتى المستحيل أو تُيسر له حتى الخرافة. فالإختلاف هي طبيعة البشر تختلط فيها العاطفة والتحيّز والتحزّب وأحياناً كثيرة الصحة والمرض لينتج معها موقفاً محدداً قد يكون حقـاً أو يكون باطلاً أو يختلط فيه الحق بالباطل. ولكن، ومن جهة أخرى، هناك الكثير من القضايا عندما يتم التفكر فيها، لا يسع المرء إلا يرى فيها وجه الصواب، وخصوصاً عندما يتعلق الموضوع بقضية مبادئ ومعايير واضحة لا لبس فيها. ففي أحيان كثيرة يكون الموضوع ليس موضوع (حلال وحرام)، فحتى هذه تكفلت ما يُعرف بـ (الحيل الشرعية) بها سواء أكان الموضوع موضوع دين أو سياسة، ولكن الموضوع هو موضوع مبدأ ما كان يجب أن يُنتهك تحت أي عذر أو حجة.
تفجرت في الأيام القليلة الماضية قضية شيك بقيمة 200,000 دينار، أعطاه سراً رئيس مجلس الوزراء الشيخ ناصر المحمد لأحد أعضاء مجلس الأمة السابق وفي فترة ولاية الإثنين في منصبهما. وخرجت تبريرات كثيرة، بعضها قانونية وبعضها الآخر تستشهد بالنية والجهة الحقيقية المستفيدة من هذه الأموال، حتى تعاكس الأثر المدمر لسمعة الشيخ ناصر المحمد السياسية والذي تسببت به هذه القضية. وبغض النظر عن محتوى كل هذه التبريرات والمواقف والتصريحات التي قرأتها بتمعن أكثر من مرة، فإن وجه الصواب فيها لا يبدو خافياً أو مختبئاً. ما فعله الشيخ ناصر ليس خطأ، بل هو خطيئة بكافة المعايير. وأنا هنا لا أتكلم عن القوانين والعُرف السياسي، فغيري قد أدلى بحجته فيها، ولكنني أتكلم بالتحديد عن مبدأ ما كان يجب أن ينتهك وبهذه الطريقة الفجة. إن هذه الأموال التي ذهبت لهذا النائب، وبغض النظر تماماً عن وجهتها النهائية كما يبرر البعض لها، تحمل شبهة حقيقية ذات انعكاسات خطيرة، ليس فقط على الحياد التشريعي المفترض للأمة، ولكن أيضاً على معيار “النزاهة” التي يجب أن تتصف بها المؤسسة التنفيذية.
نعم، أنا أقر بأن الغاية لا يجب أبداً أن تبرر للوسيلة كما حدث في كيفية الحصول على هذا الشيك. فهذا طريق إن تم التساهل فيه، سقط الكثير من القوانين والأعراف ضحية له. ولكن يجب الإعتراف أيضاً بأن مسألة كيفية الحصول على الشيك قد تمت وانتهت وسوف يُقدّم من كان المسؤول عنها في البنك للمسائلة القانونية، فالشق القانوني يُعتبر في حكم المنتهي والمتفق عليه. ولكننا هنا نتكلم عن الشق السياسي، المسؤولية السياسية التي أجازت فعل اعطاء الأموال سراً لأحد أعضاء البرلمان من جانب رئيس السلطة التنفيذية، وهذا شق آخر ومختلف تماماً عن الشق القانوني. فلا يمكننا غض النظر عن حقيقة الفعل حتى وإن كان الدليل تم الحصول عليه بطريقة غير شرعية. فنحن هنا لا نتكلم عن قاعة محكمة، ولكننا نتكلم عن مبادئ يعرفها ويتبناها الأغلبية الساحقة من الشعب الكويتي والذي يرى بالتأكيد عدم مشروعية هذا الفعل بالطريقة التي تمت بها.
ولكنني يجب أن أقول أيضاً بأن المسألة أجدها من الصعب أن تكون رشوة، ولسبب بسيط جداً إلا إذا افترضنا عدم الذكاء من الطرفين، المعطي والمتلقي. فالجميع يعرف أن حركة الشيكات من السهل جداً تتبعها ليس من طرف بنك صاحب الشيك فقط، ولكن من طرف بنك من دخلت هذه الأموال في حسابه. فالبنك، أي بنك، يعرف تماماً الجهة التي حولت هذه الأموال. ولو سألني أي إنسان عن كيفية معرفة النائب فيصل المسلم بقضية هذا الشيك أول مرة لقلت بأنني “أعتقد” أنه عن طريق بنك المتلقي وليس بنك الشيك الأصلي، وبعد ذلك سعى هذا النائب للحصول على صورة هذا الشيك من بنك برقان. وبما أن المؤسسة التنفيذية لابد وأن تعرف هذه المعلومة، فلو كان الأمر فيه سوء نية ومقصد لكانت طريقة اعطاء هذه الأموال لذلك النائب اختلفت جملة وتفصيلاً.
ولكن هل هذا يخفف من خطيئة الشيخ ناصر المحمد؟
الجواب هو “لا” بالتأكيد. فلا يزال المبدأ منتهكاً جملة وتفصيلاً وما كان له أن يُنتهك.
إنها خطيئة يا شيخ ناصر ما كان لها أن تتم بالطريقة التي تمت بها. والشعب الكويتي يستحق أن تتقدم بخطاب مباشر له تشرح فيه وجهة نظرك ومبرراتك كما يفعل كل قادة الشعوب المتحضرة مع شعوبها. لنخرج يا شيخ ناصر من أعراف القبيلة في كيفية تصريف الشؤون، ولندخل في أعراف “الدولة” ومؤسساتها في إدارة هذه الدولة التي اصبحت بلا شك على شفا هاوية.
بالأمس عندما قرأت خبر اعتذار رئيس الوزراء البريطاني لإمرأة أخطأ في كتابة اسم عائلتها (رجاءً، اضغط هنا)، وقفت متفكراً بسؤال: لماذا نحن مختلفون عن هؤلاء؟
“قبل أيام أعلن النائب أياد جمال الدين، وهو رجل دين، تأسيس تجمع سياسي ليبرالي أطلق عليه تسمية «أحرار». ويضم التجمع خليطاً من الشخصيات الليبرالية السنية والشيعية من بينها رئيس لجنة المصالحة الوطنية في البرلمان النائب وثاب شاكر. واختار التجمع شعار (العلمانية هي الحلّ) لحملته الانتخابية، الأمر الذي قوبل باستهجان من قبل بعض رجال الدين، لاسيما أن الشعار المستخدم لأول مرة في الحملات الانتخابية بعد 2003 صادر عن رجل دين معمّم ينتسب إلى بيت النبي الكريم، وأن الشعار يناقض الشعار التقليدي الذي نادت به الأحزاب الإسلامية في العراق بعد إسقاط نظام صدام حسين (الإسلام هو الحل)، وكذلك في دول عربية أخرى، وبذلك يصبح تجمعه ثاني أكبر تجمع ليبرالي في العراق بعد تجمع الكتلة الوطنية الذي يتزعمه علاوي. وحدد جمال الدين الذي لا يؤمن بولاية الفقيه ثلاث نقاط أساسية لبرنامجه الانتخابي، النقطة الأولى تبدأ بالمصالحة بين جميع مكونات الشعب العراقي من المؤيدين والمعارضين للعملية السياسية، ثم النقطة الثانية تتمثل في استتباب الأمن في البلاد بعد إنجاح المصالحة لكونها تمثل مفتاح الأمن، أما النقطة الثالثة فتتمثل في الانطلاق نحو الإعمار والبناء”. للمصدر، رجاءً اضغط هنا.
وقبل حوالي سنتين ونصف صرّح شيخ الأزهر محمد سيد طنطاوي بأن المساواة هي أيضاً في الكرامة الإنسانية بين الرجال والمرأة، ومشيراً إلى أنه يحق للمرأة الترشيح للبرلمان ويحق لها المشاركة في التنمية. منوهاً بأنه لا يجوز خلط الدين بالسياسة. للمصدر، رجاءً اضغط هنا.
أقــــــــــــــــول:
إن الإشكالية الحقيقية في مجتمعنا هو الفشل الذريع في الاتفاق على خطاب ومنهجية يجمعان التيارات المتصارعة فيه. وأنا هنا لا أقصد بالتيارات المتصارعة الأحزاب السياسية فيه، ولكن التيارات الفاعلة ضمن النسيج الإجتماعي بمجموعه العام. فالنسيج الإجتماعي الكويتي مستقطب على محاور الطائفة (السنة والشيعة) ومستقطب على محاور الأعراق (البدو، الحضر، القادمون من الشمال أو الجنوب أو الشرق أو الغرب) ومستقطب أيضاً على محاور الطبقة (التجار وتقسيمات الطبقة الوسطى والطبقة الفقيرة)، ولا يوجد أي أمل حقيقي في التقاء هذا النسيج أبداً. لم يكن في الماضي، وغير موجود الآن، ولــــن يـــــكــــــون فـــــي الـمـسـتـقـبـل. هذه حقيقة يجب أن نقبلها ونُسلّم بها.
“إن شعبنا يعيش في التخلف، والحضارة ضرورة حيوية بالنسبة إليه، وأنه يملك أدواتها، ولكنه يحيل هذه الأدوات إلى وسائل جديدة للتخلف“.
(……..)
“ولو شئنا ترجمة هذه الفجوة بلغة الأستاذ قسطنطين زريق في كتبه المختلفة، لوجدنا من سياق حديثه أن مجتمعنا متخلف لأنه لا يزال انفعالياً، ميثولوجياً، وليس بمجتمع حقيقي عقلاني. وأن الذي ينقصنا هو العقل العلمي والتخطيط وحسن التنظيم وروح المسؤولية ومناخ الحرية الضروري لتفتح الحضارة. ويتابع حديثه ليقول في أحد النصوص:
كثيراً ما تساءلت وأنا أدرس تاريخ أمتنا العربية الماضي عن أسباب انحلال سلطتها وتدهور حضارتها. وكنت فيما مضى أعزو ذلك إلى ما انتابها من حروب وما أصابها من غزوات. غير أني، لا أشك، غدوت الآن أعتقد أن السبب الأول والأهم في ذلك كله إنما كان الضعف الداخلي الناتج عن ضعف العلة الرئيسية من علل التنظيم والإبداع، أي الشخصية العربية. فلقد أقفل العقل العربي على نفسه الأبواب والنوافذ، فانقطع عن النمو، وكل ما لا ينمو ينحل، كما أن كل ما لا يتقدم يتأخر. والتهت الروح العربية بالأهداف الشخصية واللذائذ المادية، فضعف خلقها، وقل جهدها، وانحط تقديرها للمسؤولية الملقاة على عاتقها. فلا بــِدَع أن فقدت كيانها، ولم تعد ما هي، وأصبحت منفعلة بعد أن كانت فاعلة“.
كتاب: بين التخلف والحضارة، حافظ الجمالي، منشورات اتحاد الكتاب العرب، دمشق، ص 24 و 28 – 29
هواية جمع العملات القديمة هي أول هواية تفاعلت معها بنشاط وحماس منقطعين النظير. وكيف لا، وقد بدأت هذه الهواية بطريق الصدفة من غير ميعاد في بيت جدي لأمي رحمه الله وأنا في المرحلة المتوسطة. إذ كان جدي رحمه الله يتحدث على الغداء عن رجل من أحد الدول العربية اكتشف في سرداب بيته القديم مجموعة من العملات (البارات، جمع بارة) العثمانية القديمة وهو يعرضها لمن يشاء أن يشتريها. على الفور طلبت من جدي أن يحضر لي منها، ولكن والدتي أطال الله في عمرها اعترضت بشدة على هذا الطلب لأنه تبديد للمال على شيء لا يستحق ولا فائدة لي من واءه أصلاً، وانتهى الغداء على هذا. في اليوم التالي طلب مني جدي رحمه الله أن أفتح يديّ، ثم أفرغ فيهما ما ملأهما من هذه البارات العثمانية، وهكذا كانت البداية. وهذه البارات العثمانية الأولى تحتل اليوم ألبوماً خاصاً بها لا يشاركها فيها شيء لقيمتها المعنوية بالنسبة لي. ثم امتدت هذه الهواية لتشمل العملات الورقية القديمة لاحقـاً ومن ثم، ولكن على درجة أقل بكثير، جمع الطوابع. وسوف أعرض في الأيام والشهور القادمة بعض ما أملكه منها في هذه المدونة.
هذه الهواية التصقت في نفسي بالكثير من الذكريات. فالسن الصغير الذي بدأت به يجعل الإنسان أكثر التصاقـاً بالشيء عن أن يبدأه كبيراً وأكثر حميمية. عندما كنت في المرحلة الثانوية في الثمانينات من القرن الماضي، ذهبت برفقة عمتي رحمها الله إلى اليونان لنقضي بها شهراً كاملاً قبل أن التحق بوالديّ في بلد آخر للإجازة الصيفية. في أحد الأيام عندما كنت أمشي وحيداً في أحد الساحات صادفت بائعاً متجولاً يبيع العملات القديمة واقفاً على أحد الأرصفة. وبعد أن تصفحت كل صفحات البوماته التي يحملها مرتين على الأقل ومع كم هائل من الأسئلة التي توجهت بها إليه مع شرحها مرتين على الأقل بسبب أنه لا يتحدث الإنجليزية بشكل جيد والتي، وبلا شك، أوصلته إلى حد الجنون، استقررت على عملة فضية كانت قيمتها في حدود مصروفي اليومي لمدة خمس أو ستة أيام، لم أعد أذكر، وذلك بعد فصال لا بأس به معه. ولكن ما كان يوجد في جيبي هو ما قيمته أكثر بقليل من يومين أو ثلاثة أيام من مصروفي. كان الحل هو أنني أخرجت ما في جيبي كله وأعطيته إياها حتى لا يبيع العملة لآخر، ثم اتفقت معه على أن أعود له بعد يومين في نفس المكان لأكمل الباقي واستطيع أخذ العملة منه. رضي بذلك، واعطيته كل ما في جيبي ثم استدرت ذاهباً. بعد حوالي عشر خطوات، أكثر بقليل أو أقل بقليل، فإذا بهذا العجوز اليوناني يناديني بصوت عال ومؤشراً لي بأن أرجع. وعندما رجعت، أخرج العملة من غلافها البلاستيكي وأعطانيها، ثم ضرب على طرف كتفي مبتسماً ومشيراً بأنها لي، ثم أشار لي بالمغادرة. رحم الله هذا العجوز اليوناني إن كان ميتاً، وأعطاه الصحة والعافية إن كان لا يزال حياً، فوجهه لا يزال حاضراً في ذاكرتي.
في الغزو العراقي الغاشم للكويت، كنا كما كان غيرنا من العوائل الكويتية التي بقيت في الكويت نعاني من شح بعض الموارد، وأيضاً في فترات متقطعة من شح السيولة النقديةوذلك قبل دخول المساعدات النقدية مرتين لمنطقتنا، مرة من خارج الكويت كما قيل، ومرة أخرى عن طريق بعض التجار بالإتفاق مع الحكومة الكويتية خارج أرضنا المحتلة. ففي فترات شح السيولة النقدية الأولى قبل المساعدات السرية، كان هناك تجار متنقلين بالسيارات من أحد الجنسيات العربية بالتحديد يشترون كل ما يود الكويتيون أن يبيعوه في بيوتهم، ولكن بعد أن يهبطوا بالثمن إلى حدود اللاشيء. باع لهم أهلي كما باع لهم غيرنا من متاع بيوتنا وممتلكاتنا العينية. وفي أحد المرات عرضت والدتي على أحدهم سجادة عجمية كانت عندنا من أول يوم زواجها، وكالعادة هبط هذا التاجر بالسعر إلى حدود اللاشيء. فعرضت أنا عليه مجموعة العملات التي أملكها ومن بينها العملات التي اعطانيها جدي رحمه الله. وحالما تصفح الألبومات والكيس الكبير لعملاتي ثم نطق، سحب والدي رحمه الله منه عملاتي وأرجعها لي، ثم قال: لا يوجد لدينا اليوم أي شيء نبيعه، ارجع لنا بعد اسبوع.
مجموعة عملاتي المعدنية اليوم، بألبوماتها المتعددة، لا يمكن حملها مرة واحدة، ولا مرّتان، لثقلها، ومثلها ألبومات عملاتي الورقية، وأنا سعيد بهذا في الحقيقة. والفضل يرجع في الكثير الكثير منها إلى رجال ونساء غادرونا إلى رحمة الله تعالى، وأصدقاء وأقارب كانوا ولا زالوا يحرصون على اتحافي بهداياهم وتفضلهم بتذكري عند سياحتهم في الخارج.
هذه الهواية كما غيرها من الهوايات، يمر على الإنسان فترة من الخمول عنها قد تمتد أشهر، وقد تمتد سنوات، ولكن حالما ترجع إلى النفس ترجع لتطغى على كل شيء سواها.
المجموعة أدناه هي من ألبوم واحد من مجموعتي الشخصية للعملات المعدنية.