علينا دوماً أن نبحث في الإنسان قبل أن نبحث في الأحداث، فكما يكون الإنسان تكون الأحداث، وليس كما تكون الأحداث يكون الإنسان. إن الوطن أعز من أن يهدموا وحدته بدعاوى التعصب. وإن المستقبل يصنعه القلم لا السواك، والعمل لا الإعتزال، والعقل لا الدروشة، والمنطق لا الرصاص. والأهم من ذلك كله أن يدركوا حقيقة غائبة عنهم، وهي أنهم ليسوا وحدهم جماعة المسلمين. وليس هناك خطوط حمراء غير خطوط الدم الإنساني

حافظ الجمالي وفرج فودة

هل هناك حد يسمى بـ “حد الردة” في الشريعة الإسلامية على الحقيقة؟

Filed under عــام by فرناس on 16-05-2012

Tags : , ,

 

 

 

 

 

يعتبر ما يسمى بـ “حد الردة” أحد الركائز الأساسية التي يستند عليها الإسلام السياسي اليوم في محاولاته المستمرة لتكييف القوانين المدنية المعاصرة على الحدود الإسلامية ونظامها العقابي. وقد لاقت بعض هذه المحاولات نجاحاً لافتاً كما هو الحال في البرلمان الكويتي الذي أقر قانوناً يجيز إعدام المسيء للذات الإلهية وإنْ كان دافعه الأساس والحقيقي هو الصراع المذهبي السني – الشيعي وليس حماية “الذات الإلهية” التي لم يتعرض لها أحد أصلاً. ولكن، وعلى أي الأحوال، فإن حد الردة بالذات قد تعرض لنقد متعدد المحاور بحيث يضعاليقينالمفترض في حد يزهق بواسطته حياة إنسان موضع شك. أدناه هو محاولتين جادتين جديرتين بالتأمل، الأولى مقالة للدكتور محمد عابد الجابري رحمه الله والثانية محاضرة صوتية للمبدع الرائع الدكتور عدنان إبراهيم. كل ما أتمناه أن يتأمل القارئ الكريم في محتواهما، فهي دعوة للتفكر لا غير.

 

 

فرناس

 

 

 

 

 

 

 

حــكــم الــمــرتــد فـــي الإســــلام

 

د. محمد عابد الجابري

 

 14 أغسطس 2007

 

 

 

 

أثارت تصريحات مفتي مصر، التي أدلى بها مؤخراً لوسائل إعلام أميركية حول حكم المرتد في الإسلام، جدلاً بين علماء الأزهر وغيرهم من المهتمين بالشأن الديني في العالم العربي خصوصاً والعالم الإسلامي عموماً. وكنا قد أبدينا رأينا في الموضوع منذ عقد ونصف من السنين، وكلما أثيرت القضية ورجعنا إلى ذلك الموقف وجدناه يمثل الرأي الصحيح كما عبَّرنا عنه أول مرة.

 

لقد عالجنا المسألة على مستويين، مستوى العام ومستوى الخاص. والتمييز بين هذين المستويين ضروري لتجنب الخلط واللَّبس والجدل العقيم.

 

أما المستوى العام فيتعلق بموقف الدعوة المحمدية من حرية الاعتقاد، وهو موقف واضح تبينه الآيات التالية: قال تعالى مخاطباً رسوله الكريم: “وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ لآَمَنَ مَنْ فِي الأَرْضِ كُلُّهُمْ جَمِيعاً، أَفَأَنْتَ تُكْرِهُ النَّاسَ حَتَّى يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ”؟ (يونس 99) وقال: “فَإِنْ أَعْرَضُوا فَمَا أَرْسَلْنَاكَ عَلَيْهِمْ حَفِيظاً، إِنْ عَلَيْكَ إِلا الْبَلاغُ” (الشورى 48) وقال: “فَذَكِّرْ إِنَّمَا أَنْتَ مُذَكِّرٌ، لَسْتَ عَلَيْهِمْ بِمُسَيْطِرٍ، إِلا مَنْ تَوَلَّى وَكَفَرَ فَيُعَذِّبُهُ اللَّهُ الْعَذَابَ الأَكْبَرَ، إِنَّ إِلَيْنَا إِيَابَهُمْ، ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنَا حِسَابَهُمْ” (الغاشية 21- 26). وقال: “وَقُلِ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكُمْ فَمَنْ شَاءَ فَلْيُؤْمِنْ وَمَنْ شَاءَ فَلْيَكْفُرْ” (الكهف 29) . وقال: “إِنَّا هَدَيْنَاهُ السَّبِيلَ إِمَّا شَاكِراً وَإِمَّا كَفُوراً” (الإنسان 3). وقال: لا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ قَدْ تَبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الْغَيِّ” (البقرة 256).

 

وواضح أن هذه الآيات تقرر حرية الإنسان في الاعتقاد، فهو حُر في أن يعتنق الإسلام، لكنه إذا أعرض فليس من حق الرسول أن يجبره على ذلك.

 

سيقول كثير من الفقهاء إن هذه الآيات “نُسخت بآية السيف”. وفي نظرنا أن مفهوم “النَّسخ” ومفهوم “آية السيف” مفهومان لا وجود لهما في القرآن. أما “النسخ” فقد ورد لفظه، وقد بينَّا في سلسلة مقالات، على صفحات هذه الجريدة [فرناس: المقصود هو جريدة الاتحاد الإماراتية]، أن المقصود بـ”المنسوخ” فيما وُصف في القرآن بهذا الوصف، أو بما في معناه، هو إما الشرائع الماضية، وقد نُسخت بمجيء خاتم الأنبياء والمرسلين محمد عليه الصلاة والسلام، وإما “الآيات” المعجزات التي خص الله بها بعض أنبيائه ورسله، والتي تختلف من نبي إلى نبي (عصا موسى، آيات عيسى)… الخ. أما ما يسمى بـ”آية السيف” فقد سبق أن بيَّنا، منذ مدة وفي هذا المكان، أنه ليست هناك “آية سيف”، بل آيات تبيح – أو تدعو – إلى قتال مشركي مكة الذين كان المسلمون قد دخلوا معهم في حرب، مضطرين تحت تهديد التصفية بالقتل بعد أن طُردوا من ديارهم، ومن بينهم الرسول نفسه عليه الصلاة والسلام. فالحرب التي خاضها المسلمون بقيادة النبي عليه الصلاة والسلام كانت دفاعاً عن النفس، لا غير. والجدير بالذكر أنها كانت خالية من روح الانتقام تماماً. فالمعروف أن النبي عليه الصلاة والسلام قَـبِـل “صُلح الحديبية” حينما اعترضته قريش ومنعته من الدخول إلى مكة لأداء العمرة. ومن المعروف كذلك أن فتح مكة لم يكن بقتال بل بمفاوضات مهَّد لها قرار النبي عليه الصلاة والسلام الزواج بأم حبيبة بنت أبي سفيان زعيم مشركي قريش آنذاك، ثم قادها فيما بعد عمُّه العباس، فكانت النهاية الدخول إلى مكة بدون قتال، فقد أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم أن ينادي المنادي: “من دخل دار أبي سفيان فهو آمنٌ، ومن أغلق بابَه فهو آمن، ومن دخل المسجد فهو آمن”.

 

هذا عن حرية الاعتقاد على المستوى العام، أعني اعتناق الإسلام ابتداءً. أما مسألةالمرتد، وهو الذي يعتنق الإسلام ثم يرتد عنه إلى اعتقاد آخر، فهي مسألة تقع على مستوى الخاص، إذا نظر إليها من زاويةحرية اعتناق الإسلام، وهذا الخاص فيه مستويان: الخاص، وخاص الخاص. أما على المستوى الخاص فالمرجع فيه هو جملة آيات هي قوله تعالى: “مَنْ كَفَرَ بِاللَّهِ مِنْ بَعْدِ إِيمَانِهِ إِلا مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالإِيمَانِ وَلَكِنْ مَنْ شَرَحَ بِالْكُفْرِ صَدْراً فَعَلَيْهِمْ غَضَبٌ مِنَ اللَّهِ وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ (النحل 106)، وقوله: “وَمَنْ يَرْتَدِدْ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ فَيَمُتْ وَهُوَ كَافِرٌ فَأُولَئِكَ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ فِي الدُّنْيَا وَالآَخِرَةِ وَأُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ” (البقرة 217)، وقوله: “إِنَّ الَّذِينَ يَشْتَرُونَ بِعَهْدِ اللَّهِ وَأَيْمَانِهِمْ ثَمَناً قَلِيلاً أُوْلَئِكَ لا خَلَاقَ لَهُمْ فِي الآخِرَةِ وَلا يُكَلِّمُهُمْ اللَّهُ وَلا يَنْظُرُ إِلَيْهِمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَلا يُزَكِّيهِمْ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ” (آل عمران 77)، وقوله: “كَيْفَ يَهْدِي اللَّهُ قَوْماً كَفَرُوا بَعْدَ إِيمَانِهِمْ وَشَهِدُوا أَنَّ الرَّسُولَ حَقٌّ وَجَاءَهُمْ الْبَيِّنَاتُ وَاللَّهُ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ، أُوْلَئِكَ جَزَاؤُهُمْ أَنَّ عَلَيْهِمْ لَعْنَةَ اللَّهِ وَالْمَلائِكَةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ خَالِدِينَ فِيهَا لا يُخَفَّفُ عَنْهُمْ الْعَذَابُ وَلا هُمْ يُنْظَرُونَ” (آل عمران 86-87). ويقول تعالى: “وَمَنْ يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّى وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ وَسَاءَتْ مَصِيراً” (النساء 115) وقوله: “إِنَّ الَّذِينَ آَمَنُوا ثُمَّ كَفَرُوا ثُمَّ آَمَنُوا ثُمَّ كَفَرُوا ثُمَّ ازْدَادُوا كُفْراً لَمْ يَكُنِ اللَّهُ لِيَغْفِرَ لَهُمْ وَلا لِيَهْدِيَهُمْ سَبِيلاً” (النساء 137). في جميع هذه الآيات نجد أن حكم المرتد، كما يتحدد في سياقها، هو لعنة الله، غضب الله، جهنم وليس القتل، وأكثر من ذلك فباب التوبة مفتوح أمامه.

 

هذا في القرآن، أما في الفقه، فحكم المرتد هو القتل كما هو معروف. ويستند الفقهاء في ذلك إلى حديث نبوي يقول: “من بدَّل دينه فاقتُلوه“. فكيف نفسر هذا الاختلاف؟

 

لنستبعد الشك في صحة الحديث المذكور، فقتال المرتدين زمن خلافة أبي بكر واقعة تاريخية لاشك فيها. ولكن لابد من التمييز بين المرتد الذي يغير دينه كشخص ليست له أية دوافع أخرى غير اقتناعه الشخصي الديني، وحكمُه، كما ورد في الآيات السابقة، عقابٌ أخروي لا غير. أما المرتد بدافع خارجي، خارج مجال الاعتقاد المحض، فشيء آخر، وهذا ما عنيناه بـ”خاص الخاص” في هذه المسألة. ذلك أن المرتدين الذين حاربهم أبو بكر بوصفه رئيساً للدولة لم يكونوا مجرد أشخاص غيروا عقيدتهم، ولا شيء بعد ذلك، بل كانوا أناساً أعلنوا التمرد على الدولة، فامتنعوا عن دفع الزكاة بدعوى أنها كانت التزاماً منهم للرسول عليه الصلاة والسلام وحده دون غيره، بل لقد ذهبوا إلى أبعد من ذلك، إذ نظموا أنفسهم للانقضاض عليها. فـالمرتدبهذا المعنى هو من خرج على الدولة، إسلامية كانت أو غير إسلامية،محارباًأو متآمراً أو جاسوساً للعدو… الخ.

 

وإذن فحكم الفقه الإسلامي على “المرتد” بهذا المعنى ليس حكماً ضد حرية الاعتقاد، بل ضد خيانة الأمة والوطن والدولة، وضد التواطؤ مع العدو أو التحول إلى لص أو عدو محارب. ومن هنا نفهم كيف يربط الفقهاء بين حكم “المحارب”، وهو مَن يخرج على الدولة والمجتمع ويشهر السلاح ويقطع الطريق، وبين “المرتد”. ذلك أن “المرتد” في الخطاب الفقهي الإسلامي هو صنف من “المحاربين” (قطاع الطرق) وحكمه يختلف من فقيه إلى آخر حسب ما يكون المرتد محارباً بالفعل أو لا. فالمرتد المحارب يقتل باتفاق الفقهاء، أما قبل أن يحارب، فقد اختلفوا هل يستتاب أولاً، أم يقتل من دون استتابة. كل ذلك يدل دلالة واضحة على أن فقهاء الإسلام كانوا يفكرون في “المرتد” ليس من زاوية أنه شخص يمارس حرية الاعتقاد، بل من زاوية أنه شخص خان المجتمع وخرج ضده نوعاً من الخروج.

 

وما نريد أن نخلص إليه من كل ما سبق هو أن الوضع القانوني لـ”المرتد” لا يتحدد في الإسلام بمرجعية “الحرية”، حرية الاعتقاد، بل يتحدد بمرجعية ما نسميه اليوم بـ”الخيانة للوطن”، بإشهار الحرب على المجتمع والدولة. وبالمثل فإن الذين يتحدثون اليوم عن “حقوق الإنسان” وفي مقدمتها حرية الاعتقاد لا يدخلون في هذه الحرية “حرية الخيانة للوطن والمجتمع والدين”، ولا “حرية قطع الطريق وسلب الناس ما يملكون”، و”لا حرية التواطؤ مع العدو”. وإذن: فالحرية شيء و”الردة” شيء آخر.

 

ويبقى مطلوباً من الاجتهاد الفقهي المعاصر النظر في ما إذا كان المسلم الذي يعتنق ديناً آخر اعتناقاً فردياً لا يمس من قريب أو بعيد بالمجتمع ولا بالدولة، يدخل في دائرة “المرتد” الذي يستباح دمه! أعتقد أن من يقول بذلك لا يستطيع أن يدلي بأي نص ديني يرد به على من يعارضه، إلا الآيات التي أوردناها سابقاً، والتي تتوعد المرتدِّين الوعيد الأكبر، ولكن دون التنصيص على عقابه في الدنيا أي عقاب.

 

 

 

 

 

 

حــــــــــد الـــــــــــــردة

نـظـر وتـحـقـيـق

 

الدكتور عدنان إبراهيم

 

 

  

 

 

 

 

 

 

 

 

 

إذا أردت أن تشارك الآخرين بهذه المقالة
  • Facebook
  • Twitter
  • Digg
  • MySpace
  • del.icio.us
  • Live
  • Ping.fm
  • RSS
  • Google Bookmarks

عندما يتقزز مذيع بريطاني من المتحدث الرسمي للحكومة البحرينية

Filed under عـــام by فرناس on 15-05-2012

Tags : ,

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

إذا أردت أن تشارك الآخرين بهذه المقالة
  • Facebook
  • Twitter
  • Digg
  • MySpace
  • del.icio.us
  • Live
  • Ping.fm
  • RSS
  • Google Bookmarks

من إشكالات المجتمع الكويتي

Filed under عــام by فرناس on 14-05-2012

Tags : ,

 

 

 

 

الكويت بلد صغير، إلا أنه على حقيقة صغره الجغرافي فإنه يعج بين جنبيه ببحر متلاطم من التوجهات الدينية والعقائدية والسياسية والعرقية. فلا تكاد تسمع عن قضية ما إلا واندفعت عشرات التوجهات لتدلي بآرائها ولتشرح مواقفها، واندفع في نفس الوقت مئات الأعضاء والكوادر فيما يسمى زوراً وبهتاناً بـ (جمعيات النفع العام) لتعضيد آراء منظريها الحزبيين وتسويق مواقف رموزها أو ممثليها في مجلس الأمة بشتى الوسائل، واندفع الألوف من الكويتيين من كل حدب وجهة ليصوّب هذا أو يُخطّئ ذاك بناءً على الهوى الطائفي المذهبي أو العرقي. وتبقى الحقيقة أن السواد الأعظم من الكويتيين مُغيّبٌ تماماً عن جوهر القضية ولُبها، كما أن بعضهم يتصرف وكأن أمر الحاضر والمستقبل لهذا الوطن لا يعنيه، لا من قريب ولا من بعيد، اللهم إلا إذا تعلق الأمر بمخصصات مالية تعنيه هو مباشرة.

 

ليس غريباً في الكويت أن تتبنى جهة ما قضية محددة اليوم ثم تنقلب على نفس الفكرة غداً. وليتفاجئ المراقب أن أغلبية الشعب الكويتي نسيَ ما كان من هؤلاء في الماضي القريب، ثم ليقف هذا الشعب قصير الذاكرة بحماس منقطع النظير، مع أو ضد، هذا الموقف الحالي وكأن شيئاً ماضياً لم يكن. فليس غريباً في الكويت أن يتبنى الإسلاميون مثلاً منذ سنوات تنقيح الدستور لصالح تعديل المادة الثانية منه فقط لتكون الشريعة الإسلامية (الـ)مصدر الرئيسي للتشريع، ثم لينقلبوا فجأة ليكونوا معارضين تماماً حتى لمجرد الايحاء بفكرة تنقيحه إلى درجة التخوين والاتهام بـ “الانبطاح” (!!) للحكومة لأي شخص يتجرأ حتى بالإشارة إلى امكانية تنقيحه، ثم ينقلب الحال للمرة الثالثة ليكونوا متحمسين لتنقيح مواد الدستور وبالجملة ومن دون عدّ أو حساب. وليس غريباً أيضاً أن يكون الإخوان المسلمين في الكويت بالأمس القريب مع الانتخابات القبلية الفرعية المناهضة للروح الديموقراطية والمخالفة للقانون لأنها كانت تخدم مصالحهم الانتخابية، ثم ينقلب الحال بعد أن خسروا فيها مواقعهم ليروها “مخالفة جسيمة للدستور”(!)، ثم أخيراً تبنوا سياسة “غض النظر” لأنها أستر للمصالح الانتخابية. ولا يجب أن تتفاجأ عندما تعلم أن الشعب الكويتي نسي مواقف تلك الجماعة طالما نعمة النفط تسع الجميع وتفيض. وهكذا تتغير المواقف وتتبدل القناعات وتُمحى صور ليُلصقَ مكانها “بوسترات” جديدة وبألوان مختلفة تماماً.

 

الملاحظة الهامة هنا أن أغلبية الشعب الكويتي، في الحقيقة، لا يعرف من القضايا السياسية والمصيرية إلا صوراً مشوهة لا تعكس بالضرورة حقيقتها كما هي. بل أحياناً لا يدري ما هي القضية من الأساس. المشكلة هنا متعددة المحاور، ولن أتطرق لها كلها حتماً فليس مكانها في مقالة، ولكنني سوف أتطرق لمحورين منها.

 

المحور الأول وهو محور رئيس مهم، هو أن الإعلام المرئي والمقروء في الكويت هو غير محايد ومُجير تماماً لصالح مصلحة أو قضية تعكس بالضرورة مصالح مالكيها من العوائل الكويتية ذات الغنى الفاحش أو التيارات السياسية المتصارعة أو مصالح فئات محددة ذات طموحات ضمن قمة الهرم التنفيذي في الكويت. بل في الحقيقة أن بعض هذه الصحف اليومية أو القنوات التلفزيونية هي طرف أساسي في صراعات مالكيها إما مع القانون أو مع أطراف أخرى إما إعتبارية أو حقيقية. فليس وظيفة الإعلام الكويتي كما هو اليوم هو (نقل) الخبر كما هو تماماً للمشاهد وبحيادية، ولكن الهدف الحقيقي هو تشكيل عامل ضغط ضد جهة معينة أو شخص محدد وتهيئة ظروف عامة أكثر ملاءَمة لمصلحة مالكي هذه الوسيلة الإعلامية. بالطبع هذا لا يعني أن “كل” ما تكتبه هذه الصحف أو تعرضه تلك القنوات هو يخضع لذلك المحور، ولكنني أقول أن الطرح العام لهذه الوسائل الإعلامية هو مطابق تماماً لهذا المحور، ويجب أن يُنظر للقضايا العامة المطروحة ضمن هذه القنوات من زاوية هذا القصور الفاحش. ولذلك فإن ما يقرأه الناس أو يشاهدوه لا يعكس بالضرورة الصورة الحقيقية لقضية ما، وخصوصاً، وكما يفعل الأغلبية الساحقة في الكويت، إذا اقتصر الفرد في قراءته على مصدر واحد يتيم من هذه الصحف أو متابعة برامج محددة على شاشات التلفزيون. بل الحقيقة هي أن ما يقرأه الناس أو يشاهدوه هو “رأي” أو “مصلحة” هذه القناة أو الصحيفة ولكن يتولاه أطراف يبدون محايدين وذوي اختصاص للمشاهد العادي.

 

المحور الثاني وهو أيضاً محور رئيس مهم، هو النشاط العقائدي الطائفي أو الحزبي الديني أو العرقي المتصارع بواسطة أدواتهم المختلفة المتاحة لهم وأحياناً كثيرة بأموال الدولة نفسها التي تمنحها لهذه التوجهات السياسية والمذهبية العرقية تحت حجة دعم جمعيات النفع العام. فالكويت هي الدولة الوحيدة في العالم فيما أحسب التي تمول حكومتها الأحزاب المعارضة لها والتي تقف على النقيض من مصالحها، بل هي على النقيض من مصالح الدولة المدنية العادلة المتجردة من أهواء الطوائف والأعراق. فأغلب هذه التوجهات المذهبية والدينية والعرقية تتستر بجمعيات النفع العام كغطاء قانوني لشرعنة نشاطاتها السياسية والدعوية. هذا النشاط الحزبي والعقائدي، والذي يخفي خلفه صراعاً عرقياً في أغلب الأحيان، تحت غطاء تلك الجمعيات يتيح لهؤلاء الوصول إلى أفراد المجتمع من خلال التجمعات أو النشاطات الاجتماعية أو الدينية أو الثقافية المختلفة، سواء العلنية أو المحدودة، وليكون الخطاب أحادياً وعظياً وموجهاً بلغة الشارع في محاولة لتغيير القناعات لصالح طرحهم هم ولتجييش النسيج الاجتماعي وتأجيج صراعه الداخلي. وإذا أضفنا إلى ذلك حقيقة أن بعض هذه الجمعيات والتي تسمى “نفع عام” تملك كوادر عاملة مع أجهزة متطورة إلى حد ما لجمع المعلومات وتصنيفها وتكوين الإحصاءات الدقيقة، فإن الجهد المبذول لصالح قضية أو فكرة ما يتمتع بخاصية (التركيز حيث يكون الأثر أكبر). وعادة ما يتركز خطاب هذه التوجهات لتشكيل قناعات الجمهور حول الخطب العاطفية والكلام العام غير المسنود بالدليل العلمي الحديث البارز واستعمال كميات كبيرة من آيات القرآن الكريم والأحاديث المنسوبة للنبي وآراء فقهاء محددين تتطابق آراؤهم من الهوى المذهبي والصراع الطائفي لهذه الجماعات دون آخرين يخالفونهم الرأي وأخيراً المراهنة على ذاكرة الناس القصيرة. كل هذا يتم من دون حوار ثنائي فعلي (ديالوج) يتم على أرض الواقع، ولكنه أقرب إلى الإلقاء (مونولوج). هذا النوع من الخطاب، بطبعه، هو متلون وقابل للتشكيل والمرونة طبقاً لمصلحة هذه الأحزاب والتوجهات العقائدية. ولأنه يتم أساساً على المستوى الاجتماعي المتعدد المراتب وذو الطابع الشخصي، حتى وإن تم من خلال تجمعات تتفاوت أعداد حضورها، فإن “توثيق” هذا الطرح في أغلب الأحيان غير متاح، لا بالصوت ولا بالصورة. كما أنه من السهل جداً الطعن بأي جهة حاولت توثيق ذلك كتابة ً أو تصويراً إذا ما إختلفت المصالح أو تباين الطرح.

 

الخلاصة هي أن النسيج الاجتماعي الكويتي هو نسيج متصارع في اتجاه معاكس لمصالح الدولة المدنية الحديثة مع ما تمثلها من مفاهيم العدالة والمساواة المجردين. كما أن المجتمع الكويت معرض لتكوين قناعات عامة على أساس معلومات منقوصة أو غير صحيحة أو على أساس عاطفي غير عقلاني بسبب أن من يتولى صناعة الإعلام في الكويت هم مجيرون تماماً لصالح تلك الصراعات بطريقة أو بأخرى.

 

 

 

فرناس

 

 

  

 

لرابط مقالتي أعلاه على موقع (الحوار المتمدن) رجاءً اضغط هنا.

 

 

ملاحظة: نُشرت هذه المقالة بصورتها الأولية غير المنقحة في هذه المدونة تحت عنوان (تنقيح الدستور .. وذئب يوسف) بتاريخ 16 إبريل 2007، رجاءً اضغط هنا. وقد أعدت صياغة المضمون بصورة جذرية للنشر في موقع (الحوار المتمدن) وعلى هذه المدونة مرة ثانية.

 

 

 

 

 

إذا أردت أن تشارك الآخرين بهذه المقالة
  • Facebook
  • Twitter
  • Digg
  • MySpace
  • del.icio.us
  • Live
  • Ping.fm
  • RSS
  • Google Bookmarks

في جلسة اليوم … لاحظ ما يسمى بـ “المعارضة” كيف تصبح حكومية أكثر من الحكومة

Filed under عــام by فرناس on 08-05-2012

Tags : ,

 

 

 

 

 ولاحظ أيضاً قنواتهم الإعلامية بكل صورهاشر البلية ما يُضح

 

 

 

 

 

 

 

 

 

إذا أردت أن تشارك الآخرين بهذه المقالة
  • Facebook
  • Twitter
  • Digg
  • MySpace
  • del.icio.us
  • Live
  • Ping.fm
  • RSS
  • Google Bookmarks

حصلت مرة واحدة في التاريخ … عندما اصطلح السنة والشيعة

Filed under عــام by فرناس on 07-05-2012

Tags : ,

 

 

 

 

 

فمن الحوادث فيها [أي سنة 442 هجرية] اجتمع العامة من أهل الكرخ [أي أهل المذهب السني في بغداد] والقلائين وباب الشعير وباب البصرة [أي أهل المذهب الشيعي في بغداد] على كلمة واحدة (…) فصار [أي ذهب] أهل الكرخ [السُنة] إلى باب نهر القلائين [منطقة الشيعة] فصلوا فيه وأذنوا في المشهد بــ (حي على خير العمل)، وأهل القلائين [الشيعة] بالعتيقة والمسجد بالبزّازين [مناطق السنة] [وأذنوا] بــ (الصلاة خير من النوم). واختلطوا واصطلحوا، وخرجوا إلى زيارة المشهدين، مشهد علي والحسين. واظهروا [أي الشيعة] بالكرخ الترحم على الصحابة.

 

 

 

 

المصدر: المنتظم في تواريخ الملوك والأمم، ابن الجوزي، دار الفكر، الطبعة الأولى، بيروت 1995، المجلد 9، ص 353، حوادث سنة 442 هـ، النقل مختصراً.

 

ما بين [ ] من اضافتي أنا للتوضيح.

 

 

 

 

 

إذا أردت أن تشارك الآخرين بهذه المقالة
  • Facebook
  • Twitter
  • Digg
  • MySpace
  • del.icio.us
  • Live
  • Ping.fm
  • RSS
  • Google Bookmarks

الشيخ صالح السدلان يفتي بقتل وإبادة كل من يحرض على المظاهرات

Filed under عــام by فرناس on 06-05-2012

Tags :

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

الــــــــــتـــــــــــــعـــــــــــلــــــــــيـــــــــــق

 

 

 

 

الإمام أبو بكر الجصاص في كتابه الشهير (أحكام القرآن):

 

 

“ولم يدفع أحد من علماء الأمة وفقهائها، سلفهم وخلفهم، وجوب ذلك [أي الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر] إلا قوم من الحشو وجُهَّال أصحاب الحديث، فإنهم أنكروا قتال الفئة الباغية والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر بالسلاح، وسموا الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر (فتنة) إذا احتيج فيه إلى حمل السلاح وقتال الفئة الباغية، مع ما قد سمعوا فيه من قول الله تعالى ﴿فقاتلوا التي تبغي حتى تفيء إلى أمر الله﴾  وما يقتضيه اللفظ من وجوب قتالها بالسيف وغيره. وزعموا مع ذلك أن السلطان لا يُنْكَرُ عليه الظلم والجور وقتل النفس التي حرم الله، وإنما يُنْكَرُ على غير السلطان بالقول أو باليد بغير سلاح، فصاروا شراً على الأمة من أعدائها المخالفين لها، لأنهم أقعدوا الناس عن قتال الفئة الباغية وعن الإنكار على السلطان الظلم والجور، حتى أدى ذلك إلى تغلب الفجار بل المجوس وأعداء الإسلام، حتى ذهبت الثغور وشاع الظلم وخربت البلاد وذهب الدين والدنيا وظهرت الزندقة والغلو ومذاهب الثنوية والخرمية والمزدكية. والذي جلب ذلك كله عليهم ترك الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر والإنكار على السلطان الجائر”.

 

 

 

 

 

 

 

إذا أردت أن تشارك الآخرين بهذه المقالة
  • Facebook
  • Twitter
  • Digg
  • MySpace
  • del.icio.us
  • Live
  • Ping.fm
  • RSS
  • Google Bookmarks

قبل أن يصبح قانون الذات الإلهية نافذاً … أود أن أؤكد هذه الحقائق

Filed under عــام by فرناس on 04-05-2012

Tags :

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

إذا أردت أن تشارك الآخرين بهذه المقالة
  • Facebook
  • Twitter
  • Digg
  • MySpace
  • del.icio.us
  • Live
  • Ping.fm
  • RSS
  • Google Bookmarks

عندما تصرخ شوارع البحرين مع شعبها … يسقط حمد

Filed under عــام by فرناس on 03-05-2012

Tags : ,

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

المسيرة أدناه بتاريخ

 

2012 – 4 – 20

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

إذا أردت أن تشارك الآخرين بهذه المقالة
  • Facebook
  • Twitter
  • Digg
  • MySpace
  • del.icio.us
  • Live
  • Ping.fm
  • RSS
  • Google Bookmarks

هل لا تزالون أمة ً أمّية ؟

Filed under عــام by فرناس on 02-05-2012

Tags : , , ,

 

 

 

 

تعتبر  دلالات النصوص المقدسة أحد أهم إشكاليات الخلاف العقائدي والمذهبي في أي دين فاعل ضمن هذا العالم. فتقريباً كل خلاف نشأ بين دين وآخر أو مذهب وخصمه، إنما نشأ بسبب الخلاف على دلالات “نص” يعتبره المؤمنون فيه أنه “مقدس”. فالنص بطبيعة قداسته، أي بسبب مصدر تجليه الأول المُفترض في أذهان المؤمنين فيه، يستدعي إما عقيدة أو عمل أو كلاهما معاً. وبسبب تعارض “العقيدة” الناشئة مع العقائد المخالفة لها وما يستدعيه ذلك في أغلب الأحيان من “عمل” موجه بالتحديد للمخالف، فإن الخلاف الديني أو المذهبي هو خلاف ظاهر للعيان يستطيع المراقب أن يتلمسه بوضوح إما من خلال صراع خطابي – فكري أو من خلال صراع يتبنى العنف وهدفه التصفية الجسدية النهائية للمخالف. فـ “العمل” العقائدي الموجه ضد الآخر المخالف هو صاحب الفضل الرئيس في طبع الانطباع العام في أذهان الآخرين عن “نوعية” هذا الدين أو تلك العقيدة وما يستتبعها من تساؤلات عن “المعقولية” و “المعايير” و “العدالة” و “البداهة” و “المُلاءمة” و “المصدر الأول” وإلى آخر تلك الانطباعات التي تمر في ذهن المراقب.

 

لا يختلف الدين الإسلامي، بمذاهبه المتعددة والمتصارعة، عن ذلك السياق المتنافر في إشكاليات دلالات النص المقدس. فنظرة سريعة لذلك الصراع السني – الشيعي (هو بالمناسبة صاحب أطول عمر للصراع المذهبي الدموي في العالم اليوم. فحسب علمي المتواضع فإن كل الصراعات المذهبية الدموية للأديان الأخرى لا تملك عمراً يُقدر الآن بـ 1400 سنة بالتمام والكمال واستخدمت فيها كل الوسائل الإجرامية، من جانب الطرفين، لتصفية الآخر المخالف) أقول: نظرة سريعة للصراع السني – الشيعي نجد أن دلالات النص المقدس يكون حاضراً بصفة بارزة عند الجانبين للتدليل على ادعاء امتلاك “الحقيقة” عندهم. فبواسطة فهمهم الشخصي المذهبي لهذا النص المقدس موضوع الخلاف، يكون الافتئات غير الأخلاقي وغير الإنساني على الطرف الآخر مُبرراً عندهم بدعاوى المروق أو الابتداع أو الكفر أو الخروج من الملة. هذه “الحقيقة” التي يُدّعى امتلاكها، والتي لم يسلم منها حتى الحقائق العلمية للطب والفلك والطبيعة وغيرها من العلوم، أصبحت وسيلة لشرعنة الجمود والتخلف وحتى الإجرام من خلال دلالات فقهية لـنصتراه جماعة ما أنه ثابت قار جامد كان تجليه الأول خارج ظرفي الزمان والمكان. فـ “النص”، في مفهومه الثابت الجامد المحدد فقهياً داخل الذهنية المذهبية، يمثل السلطة النهائية المتعالية التي من الممكن أن تمنح “الشرعية” لموقف ما، وذلك بغض النظر تماماً عن مدى معقولية هذا الموقف أو عدالته أو حتى إنسانيته، من قضايا أو أفكار أو آراء أو توجهات تُمثل الطرف المناهض أو المختلف لذلك التوجه التقليدي الدارج والمتعارف عليه داخل الذهنية المذهبية.

 

بسبب هذا كله فإن محاولة فهم دلالة النصوص المقدسة ضمن سياقها في ظرفي الزمان والمكان التي تجلت فيه، وضمن دلالاتها اللغوية في عصرها التي قيلت فيه، وفي حدود القدرات والخصائص الإنسانية الطبيعية المعقولة للأشخاص الذين سمعوها أول مرة ونقلوها لمن بعدهم، هو أمر بالغ الأهمية لأي شخص يسعى إلى بلورة قناعة ذاتية عن أمر متنازع فيه بين المذاهب أو، ولكن بدرجة أقل مصيرية، عن قضية متفق عليها بين المذاهب لسبب أو لآخر. ومن هذا المنطلق سوف أسعى هنا للنظر في منطوق الحديث المنسوب للنبي محمد (صوموا لرؤيته وافطروا لرؤيته) والذي يستخدمه مسلمو العالم اليوم بجميع طوائفهم كحجة دامغة في “وجوب” تعيين بدايات الأشهر القمرية، والتي تتعلق بعمل طقسي محدد كالصيام والحج، بواسطة رؤية العين المجردة مع تعمد غض النظر تماماً عن الحسابات الفلكية الحديثة ومدى دقتها. وقد يعترض البعض، أو ربما يتفاجأ، بسبب هامشية هذا الحديث غير المتناسبة مع مقدمة هذه المقالة. ولكن الحقيقة هي أن هذا الحديث المنسوب للنبي محمد، على حقيقة هامشية تأثيره في الصراع المذهبي أو الديني، يمثل مثالاً بارزاً لمبدأ فقهي (العبرة بعموم اللفظ وليس بخصوص السبب) الذي تسبب في إلغاء جميع مكتشفات العلم الحديث والبرهان الحسابي غير القابل للشك من الذهنية الإسلامية المعاصرة في شرق الأرض ومغربها. فالمسلمون اليوم، وبسبب حرفية منطوق هذا الحديث، يتصرفون وكأن العالم اليوم لا يزال في ظرف القرن السادس – السابع الميلادي، وأن محيطه هو بالضبط محيط جزيرة العرب في ذلك الزمان. فـ “النص” هنا يتم التعامل معه بمعزل تماماً عن ظرفه الأول وكأنه خارج الزمان والمكان عند تجليه الأول. فلا أثر في الذهنية الإسلامية للعقلانية المفترضة عند البحث عن بداية شهر قمري بمساعدة حسابات فلكية أو أجهزة رصد تبلغ دقة تنبؤاتها لثوان عديدة ولمدة مئات السنين في المستقبل. فتلك الذهنية لا تزال تصر على (رؤية العين) مع ما صاحبها من أخطاء وفضائح صفعت كل صاحب عقل أو منطق وكان يجب أن تقود الذهنية الإسلامية إلى الحل الأمثل ولكن من دون فائدة. فكأن التجربة العملية التي تصفع العقل بخطأ النص، أو على الأقل عدم ملاءمته للظرف الراهن، لم تجدي نفعاً في الذهنية الإسلامية لتثير فيها شكاً من نوع ما ثم لتدفعها إلى النقد والبحث والابتكار. فإذا كانت الإشكالية مع هذا النص الهامشي هي بهذا الإشكال المتعسر، فما بالك بـ “نص” يستدعي عقيدة وعمل ضد مخالف؟ هي إذن إشكالية ذهنية تأبى أن تشك في قواعدها وفي دلالات نصوصها حتى وإن أثبتت التجارب وتوالي ظرفي الزمان والمكان خطئها. وهذا هو الغرض من المقالة ومن هذا الحديث بالذات.

 

الإنسان هو ابن ظرفه ومجتمعه ومحيطه، يتأثر بها سلباً وإيجاباً، وتكون ردود أفعاله ومفاهيم أقواله هي انعكاس لهذه العوامل بالضرورة. وإذا كان الأنبياء والرسل هم مُؤَيدون في تبليغ رسالاتهم إلى الناس بالعصمة الإلهية، فإنهم فيما سوى التبليغ بشر، بكل ما تعني هذه الكلمة من دلالات سلباً وإيجاباً، يتأثرون بذلك المجتمع المحيط بهم وبظروفهم المتغيرة حولهم ويحملون ثقافة ذلك الزمان وعلومه وقناعاته. فلو نظرنا مثلاً إلى قصة موسى في التوراة فسوف نجد انعكاس الظرف المصري واضحاً على تلك النصوص، وسوف نجد حلم القبائل البدوية قاطبة، في كل زمان ومكان، بالاستيطان بأرض (تفيض لبناً وعسلاً) بارزاً أيضاً. أما موسى في القرآن فهو انعكاس للسياسة الإنسانية التي تؤكدها التجربة لكل خبير امتد به العمر، فنجد ذلك الأمر الإلهي له ولأخيه هارون ﴿فقولا له قولاً ليناً﴾ لأن فرعون الذي قد أُمِرا بالذهاب إليه قد (طغى)، والنبي محمد يقول (إن الله يعطي على الرفق ما لا يعطي على العنف). بل حتى أمر “الخروج” الإلهي من مصر ما هو في الحقيقة إلا تكريساً لحقيقة أن الشعب اليهودي هو مهاجر أصلاً إلى مصر ولا يملك حق الاستيطان فيها، فإذا اعترض على سلوك معين تجاهه من جانب السكان الأصليين، فإن الحل يكمن في الخروج من هذه الديار والعودة من حيث أتوا أو البحث عن مكان آخر لاحتلاله. وإذا انتقلنا إلى قصة عيسى كما وردت في الأناجيل الأربعة المعترف بها من جانب الكنيسة، نجد تلك الروح التي تصف علاقة شعب يعاني مرارة الاحتلال في مواجهة المحتل الروماني المهيمن على الشؤون الدنيوية. كل شيء يوحي لك بالفصل بين الدنيا التي يتحكم بها (الشيطان) [الرومان] وبين السماء التي يتحكم بها (الرب) [الشعب المغلوب على أمره المطيع لمن احتله]. ومن هذا المنطلق، ومراعاة للظرف المحيط بعيسى، نستطيع أن نفهم قوله (إعط ما لله لله، وما لقيصر لقيصر). بل حتى ذلك الحوار المفترض الذي تم بين الحاكم الروماني (بيلاطس) وبين عيسى ما هو على الحقيقة إلا انعكاس لتلك الظروف المحيطة به آنذاك، ظرف السيد المحتل المتعالي بجبروت قوته في مواجهة صاحب الأرض المغلوب على أمره، الذي يؤكد بحرارة للمحتل الروماني بأن (مملكتي ليست من هذا العالم) حتى لا يهدد سلطته على الأرض التي احتلها من شعبه، والذي لا يملك القوة الكافية لرد عدوان المعتدي عليه شخصياً فيما لو قرر ذلك. أما النبي محمد، وبمقارنة أولية بين أحداث الفترة المكية من حياته مع أحداث الفترة المدنية، هذا مع افتراض دقة وصحة تلك الروايات، نجد أن الكثير من القرارات والأقوال ما هي على الحقيقة إلا انعكاس لهذه الظروف المتغيرة التي أحاطت به. فإذا تم عزل الظرف المحيط بقوله أو فعله صعب علينا فهم دلالة الفعل الذي قام به أو القول الذي تلفظ به. بل حتى أن هناك من آيات القرآن الكريم لم تتنزل على النبي محمد إلا كردة فعل لموقف معين كآيات العتاب مثلاً أو قصة الإفك. بل هناك من الآيات تنزلت فقط لمهاجمة شخص محدد بسبب أن هذا الشخص قد ساعد في تكوين “ظروف” غير ملائمة للدعوة، وهذا ما نراه واضحاً في سورة “المسد” مثلاً.

 

إذا فهمنا هذا، عرفنا بأن حتى الأنبياء والرسل، أو الآلهة من وجهة النظر المسيحية، هم متأثرون بظروفهم المتغيرة حولهم. فلو تساءلنا، مثلاً، لو لم يكن فرعون طاغياً أو كانت قبائل بني إسرائيل شعباً متحضراً يملك وطناً يسكنه ويحكمه بدل أن يكون مغلوباً على أمره في وطن غيره، هل سوف يكون أسلوب موسى هو القول اللين لفرعون أو أن الوعد الإلهي المزعوم له ولهم هو “أرض”؟ أو إذا لم تكن مدينة القدس كانت ترزح تحت الاحتلال الروماني في وقت بعثة السيد المسيح، هل سوف نشاهد تلك الروح المهادنة للسلطة الدنيوية التي عكستها الأناجيل الأربعة، أو حتى نقرأ قوله: من ضربك على خدك الأيمن فأدر له الخد الأيسر؟ أو لو افترضنا أن النبي محمد قد عاش في مجتمع متسامح دينياً ويقبل بتبادل الأفكار الجديدة من دون أية حساسيات فكرية أو عقائدية، هل سوف تكون سيرته وأقواله مشابهة لما نقرأه الآن؟ الجواب لا بد وأن يكون بالنفي. كذا هو منطق الأمور السليم.

 

كان النبي محمد محاطاً بمجتمع أمي، لا يحسب ولا يقرأ، ولذلك أتى قوله في وصف أمته آنذاك (نحن أمة أمية، لا نحسب ولا نقرأ). هذا الوصف لأمته، كما هو بديهي وواضح، هو في حال المسلمين الأوائل المحيطين به في زمنه هو بالذات. كان فيهم بالطبع من يستطيع الكتابة والحساب بلا شك، ولكنه من باب وصف الحال الغالب على أمته بحيث لا يعتد بتلك الأقلية في رفع تلك الصفة عن أمته. بل الحقيقة هي أن سكان الجزيرة العربية وخصوصاً القبائل الوثنية، المصدر الرئيس للمتحولين إلى الإسلام آنذاك، هم من الأميين الذين لا يقرأون ولا يحسبون، وماذا يفعلون بالقراءة والحساب أصلاً؟ فالتراث الشفهي عند هؤلاء من شعر أو قصص أو مآثر لا يستدعي الكتابة وإنما كان ينتقل شفاهة من شخص لآخر. ولا يوجد تراث مذهبي أو عقائدي مبتكر لبدو صحراء يأتون من بوادي الجزيرة العربية ليسجدوا لوثن أو صنم أو شجرة حتى يستدعي فقهاً معقداً بحيث يستلزم التسجيل والحفظ. والثروة من وجهة نظر هؤلاء تتلخص في الأنعام وعددها كثرة أو قلة على الأغلب الأعم، أو التجارة من خلال العمل كوسطاء بين مراكز الصناعة والانتاج وبين المستهلك بحيث لا يحتاج أحدهم إلا أن يحفظ الثمن الذي اشترى به ليبيع بسعر أغلى منه. ولو ثار اعتراض ما، كما هو متوقع، من خلال الاستدلال بتلك التجارة أو عدد الماشية والأنعام أو النصوص القرآنية اللاحقة في تقسيم الميراث على المقدرة الحسابية والكتابية للمسلمين الأوائل فإننا نقول له: وهل تعتقد بأن النبي محمد كان غائباً عن باله هذا وهو يقول قوله ذلك في صفة أمته؟! إنما الحساب الذي يقصده النبي محمد هو الذي يتعدى حساب الجمع أو الطرح البسيط البديهي والذي يحتاجه أي إنسان مهما بلغت درجة بدائيته في تصريف شؤون حياته.

 

إذن، تلك الأمة الأمية التي لا تحسب ولا تكتب، تحتاج في تصريف أمورها العقائدية، كما أتى بها الإسلام الجديد آنذاك، إلى آلية بسيطة وغير معقدة مراعاة لظرفهم هذا. وبسبب ظرف أميتهم الحسابية في مسألة التقويم وحسابات الفلك لتحديد الشهور القمرية جاء قول النبي محمد لهؤلاء (صوموا لرؤيته وافطروا لرؤيته). فلن يحتاج هؤلاء، بظرفهم ذاك، إلا إلى رؤية العين المجردة لمعرفة أوائل الشهر ومن ثم مراقبة القمر في ازدياده ونقصانه، وهذه لا تحتاج إلى أية موهبة في فن الحساب أو الكتابة ليمارسوا طقوسهم التعبدية المعتمدة على التوقيت. فقول النبي محمد ذاك ما هو في الحقيقة إلا مراعاة لظرف غالب على أتباعه في زمنه. بل حتى مواقيت الصلاة اليومية لم تأتِ على شكل حسابات، وإنما أتى بعضها عند زوال الشمس في السماء أو باستخدام ظل الشمس على رمح مركوز في الأرض، وجاءت أغلب الأحاديث بمواقيت مبهمة غير دقيقة وتوحي بالمرونة في وقتها كهذا الحديث (سألنا جابر بن عبد الله عن صلاة النبي (ص)، فقال: كان يصلي الظهر بالهاجرة، والعصر والشمس حية، والمغرب إذا وجبت، والعشاء إذا كثر الناس عجل، وإذا قلوا أخر، والصبح بغلس). ولو تساءلنا الآن، وكما فعلنا أعلاه، لو لم تكن أمته في زمنه وقت حياته أمة لا تحسب ولا تكتب، هل كان قال لهم ما قال أو حدد الأوقات كما فعل أعلاه؟ الجواب واضح جداً.

 

إذا تغيرت الظروف، لا بد أن تتغير الأحكام معها. فسيرة النبي محمد تقول لنا ذلك، وحقيقة وجود الناسخ والمنسوخ في القرآن تؤكد ذلك وتجزم عليه. فلا وجه منطقي أو عقلاني إذن أن نُبقي على حكم كان موجه أصلاً لتلبية حاجة مجموعة محددة، ذات ظرف معين، مضى عليهم وعلى ظرفهم هذا 1400 سنة. هؤلاء الناس، بظرفهم الأمي هذا، لا وجود لهم وله الآن. وهذا “الحُكم” الذي أتى ليحل إشكالية هذه المجموعة لم يعد يلبي حاجة هذا المجتمع الحديث بظروفه المعاصرة وبدون أي شك. فالحساب الفلكي واستخدام أجهزة الرصد الحديثة لتقرير بداية الشهور القمرية أصبح ضرورة ملحة لا مجال لإنكارها أو القفز عليها. بل إن محاولة الافتئات على هذه البديهة أصبح مجالاً للتندر والسخرية حتى بين المسلمين أنفسهم، فما بالكم بالمراقبين لشؤونهم من بعيد.

 

في ديسمبر من سنة 2007، نشر الباحث الفلكي الكويتي عادل السعدون بياناً بسبب إعلان المملكة العربية السعودية جعل يوم 29 ذي القعدة من تلك السنة الهجرية هو غرة ذي الحجة بسبب رؤية هلال القمر ادعاها شاهد ما مع ما رافقها من استحالة فلكية حسابية لذلك. جاء في أحد فقرات خبر صحيفة القبس الكويتية التي نقلت البيان، وذلك تعليقاً على الاستحالة القطعية الفلكية المبنية على الحساب والبرهان لرؤية الهلال:

 

“تساءل [عادل] السعدون عن حق من يدعي انه رأى الهلال في هذه الليلة، واي عاقل يصدق ما يراه، قائلاً: (حدّث العاقل بما لا يُعقل فان صدّق فلا عقل له). وكيف تقتنع اي جهة رسمية بهذا التصرف المنافي لاي حقيقة علمية؟ وهل هنالك قدسية لمن يدعي رؤية الهلال؟ وهل وصل بنا الأمر إلى أن نرى الخطأ ونسكت عنه؟ وإلى متى يستمر هذا المسلسل الذي يجعل منا أضحوكة أمام الأمم الأخرى؟” .

 

 

ولا يزال السؤال موجه إلى أمة الإسلام: هل لا تزالون أمة ً أمية؟!

 

 

 

فرناس

 

 

 

 

 

لرابط مقالتي أعلاه على موقع (الحوار المتمدن) رجاءً اضغط هنا.

 

 

ملاحظة: نُشرت هذه المقالة بصورتها الأولية غير المنقحة في هذه المدونة بتاريخ 22 ديسمبر 2007، رجاءً اضغط هنا. وقد أعدت صياغة المضمون بصورة جذرية للنشر في موقع (الحوار المتمدن) وعلى هذه المدونة مرة ثانية.

 

  

 

 

 

 

إذا أردت أن تشارك الآخرين بهذه المقالة
  • Facebook
  • Twitter
  • Digg
  • MySpace
  • del.icio.us
  • Live
  • Ping.fm
  • RSS
  • Google Bookmarks

إلى الذين تظاهروا في ساحة الإرادة … أتعلمون لماذا الأغلبية مع وزير الداخلية؟

Filed under عــام by فرناس on 01-05-2012

Tags :

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

في الاستجواب المقدم من محمد الجويهل لوزير الداخلية، الحكومة مرتاحة لتوافر “الأغلبية” معه ضد الاستجواب.

 

أتعرفون السبب؟

 

لأن كشف ازدواجية الجنسية التي يحملها قطاع مهم من ناخبي هؤلاء، ومنهم بعض أقارب نواب الأغلبية، هو ضد مصالح هؤلاء الشخصية والانتخابية.

 

لأن ازدواجية الجنسية تعني كشف التزوير في مستندات رسمية.

 

لأن ازدواجية الجنسية تعني كشف التكسب من المال الحرام من دولتين مختلفتين.

 

لأن ازدواجية الجنسية تعني فضح مخالفات القانون الصارخة التي يسكت عنها هؤلاء ويشجعونها أيضاً.

 

لأن ازدواجية الجنسية تعني كشف الفساد وفضحه في التكسب السياسي والمالي الذي يقوم به هؤلاء.

 

لأن كشف ازدواجية الجنسية تعني وقف سرقات المال العام من خزينة الدولة التي تذهب لأناس هم أصلاً خارج الكويت، بل لا يعرفون عنها شيئاً إلا وقت انتخابات مجلس الأمة أو وقت توزيع المنح المالية.

 

 

—————-

 

 

أين ما كان يسمى بـ “الحركات الشبابية” التي أوهمت البعض بأنها ضد “الفساد“؟!

 

أين الصارخون في ساحة الإرادة وشوارع الكويت والمعتصمون أمام مجلس الأمة؟!

 

هل سمع أحد منكم شيء عن هؤلاء بعد وصول “الفاسدين المفسدين” ليكونوا أغلبية في مجلس الأمة؟!

 

ألم يكونوا يسمون مخالفيهم بـ “المنبطحين“؟

 

فماذا يسمون إذن الذي يسكت عن هذا الفساد الواضح الصريح الذي لا لبس فيه، ويغض النظر عنه، لا بل يستلقي ويرفع له يديه عالياً أيضاً؟!

 

 

 

———————-

 

 

 

 كلمة أخيرة للذين تظاهروا في ساحة الإرادة وللذين ناصروهم ووقفوا معهم

 

 

 

تباً للمخادع المحتال منكم الذي كان همه الأول والأخير مصلحته الانتخابية أو مصلحة حزبه أو تياره.

 

وتعساً للساذج البائس قصير النظر منكم الذي رأى الفاسد المفسد المتلون الخارج على القانون يصرخ في ساحة الإرادة وشوارع الكويت ثم يقف كتفاً بكتف معه بدعوىمحاربة الفساد“!!!

 

 

 

فرناس

 

 

 

 

 

 

 

 

 

إذا أردت أن تشارك الآخرين بهذه المقالة
  • Facebook
  • Twitter
  • Digg
  • MySpace
  • del.icio.us
  • Live
  • Ping.fm
  • RSS
  • Google Bookmarks
Subscribe to RSS Feed Rss