المرونة الليبرالية تجاه المصادر التشريعية للدين
تتميز التوجهات الليبرالية في الوطن العربي بشكل عام، والكويت بشكل خاص، بوجود نزعة تجنح إلى التطرف في رفض كل ما يتعلق بالسياق التشريعي للدين. هذا الرفض المبدئي أعطى الإيحاء للإنسان العادي بأن التوجهات الليبرالية هي توجهات الحادية بالدرجة الأولى مضافاً إليها التحرر من القيود الأخلاقية التي تنبع من التشريعات الدينية. ومع أن مقولة "الدين هو مصدر الأخلاق" هي مقولة تخضع للنقاش والأخذ والرد ولا تُعتبر من المسلمات لشواهد عدة، ولكن الرفض المبدئي للتشريعات الدينية قد تصطدم بإشكاليات عديدة ضمن النسيج الإجتماعي الذي تتكون منها أمة ما. فمع أن المبدأ العلماني الذي تتبناه التوجهات الليبرالية يصر على فصل الدين عن السياسة، وهذا ما أؤمن به، إلا أن هذا لا يعني أبداً أن يتم هذا الفصل أيضاً على مستوى التشريعات التي تهتم بالأحوال الشخصية على سبيل مثال. إذ أن إبقاء الدين على المستوى الشخصي للفرد يستدعي بالضرورة أيضاً النظر الجدي والواقعي لتفاعل هذا الفرد مع الآخر ضمن المحيط الإجتماعي البحت، مما يعني الحاجة التشريعية والتي تأخذ بعين الإعتبار معايير الدين والعقيدة كعوامل أساسية لا فكاك منها.
إن المجتمعات المدنية المتحضرة هي مجتمعات ذات تفاعلات شديدة التعقيد وعلى مستويات عديدة. إحدى هذه التفاعلات لابد وأن تتم على المستوى العقائدي والمذهبي. هذه حقيقة لا فكاك منها، شئنا ذلك أم أبينا. ولهذا السبب فإن النظر الجدي لحل الإشكاليات الناتجة عن هذا التفاعل من خلال الإستعانة بالتشريعات الدينية أو العقائدية أو المذهبية هو توجه واقعي تفرضه تداعيات لا يمكن أبداً غض النظر عنها لتغلغلها في النسيج الإجتماعي وبشكل لا يمكن إهمالها أبداً. فالهدف من أي تشريع هو إما جانب تنظيمي بحت أو تحديد معايير العدالة في أي حكم. ولهذا السبب فإن تحديد معايير العدالة (الميراث، حقوق الزوجين، الوقف، الزواج والطلاق...الخ) في القضايا ذات العلاقة بالأحوال الشخصية والمتعلقة بالفرد لا يجب النظر إليها على أنها متعارضة مع المبدأ العلماني المتأصل في التوجه الليبرالي، بل على العكس، يجب النظر له كجزء مكمل للسياق الليبرالي لهذا المجتمع. هو جزء مكمل له لأنه يستدعي بالضرورة السماح للعقائد الأخرى بالإحتكام إلى معاييرها الخاصة للعدالة فيما يتعلق بالأحوال الشخصية وهو بالضبط المعيار الليبرالي للحرية الشخصية. هو سياق متفق تماماً مع التوجه الليبرالي وغير متعارض معه بالضرورة.
لا أعتقد بأن أي أحد سوف يجادل بأن المملكة المتحدة تتبنى التوجه العلماني في إدارة مؤسساتها السياسية وشؤون الحكم. ومع هذه الحقيقة فلنقرأ هذا الخبر:
"قال كبير القضاة في انجلترا وويلز ان مبادئ الشريعة الإسلامية يمكن ان تلعب دوراً في بعض جوانب النظام القضائي. لكن اللورد "فيليبس" اضاف أنه ليست هناك امكانية لتشكيل محاكم اسلامية في المملكة المتحدة. وقال لورد "فيليبس"أنه لا يوجد ما يمنع من اللجوء لقواعد الشريعة الإسلامية في حل النزاعات. واضاف: "ليس هناك ما يمنع أن تستخدم قواعد الشريعة، أو أي قواعد دينية أخرى، كأساس للتوسط في القضايا أو في أي شكل بديل لحل النزاعات". لكنه قال: "مع ذلك يجب الإقرار بأن أي عقوبات على عدم الإلتزام ببنود أي اتفاق لحل النزاع ستستند إلى قوانين انجلترا وويلز". كما أن العقوبات الجسدية القاسية مثل الجلد والرجم وقطع اليد لن تكون مقبولة". للمصدر، رجاءً إضغط هنا.
هذه الدعوة في الحقيقة ليست الوحيدة من كبير القضاة في المملكة المتحدة، فقد سبقه إليه آخرون، ولكنها توحي بقناعة واقعية لتفاعلات المجتمع وطرق حل اشكالياتها من جهة، ومن جهة أخرى توحي بفهم مميز لما يتوافق أو يتعارض من المبادئ العلمانية والتي تقوم عليها الدولة. فمن ذا الذي كان يحلم، مجرد حلم، أن تقوم مبادئ الشريعة الإسلامية بدور محوري في القضاء البريطاني لولا ذلك المفهوم "الليبرالي" الناضج المرن والذي يستدعي الإعجاب بالدرجة الأولى. فالشريعة الإسلامية، في حال السماح لها، سوف تكون متاحة في بعض جوانب الفصل بين المنازعات في حال رغبة الطرفين في اللجوء لها، وإلا فإن التشريع المدني سوف يكون هو الفيصل. وأية مشكلة تكون في هذا الطريق؟!
إن على التوجهات الليبرالية العربية، والكويتية على وجه الخصوص، أن تراجع مواقفها فيما يتعلق بالنظرة إلى التشريع الديني والمذهبي. فالمسألة هي في النهاية ليست قطيعة أبدية مع الدين وعلى كافة المستويات، ولكنها مسألة تحديد حدود لا يتجاوزها دين فرد أو مجموع للتأثير على القرار السياسي للأمة. متى ما تم وضع هذه الحدود بطريقة منطقية وواقعية فإن الخطاب الليبرالي سوف يكون متوافقـاً وذو جاذبية عقلانية مع مجتمعات قد فقدت الثقة تماماً بالتوجهات الليبرالية بسبب خطابها الرافض لكل ما يمت للدين بصلة وعلى كافة المستويات.
أنا لا أدعو أبداً إلى خلط الدين بالليبرالية، فضلاً أن أدعو إلى تديّن العلمانية. هذا ليس مقصدي ولا حتى قناعتي. ولكنني أدعو إلى عدم افتراض أن كل توجه ليبرالي أو علماني هو توجه الحادي بالضرورة ويستوجب على معتنق أحدهما أن يرفض الدين على كل المستويات، لأن هذا افتراض ساذج لا يمت للحقيقة بأية صلة. تلك النظرة الواقعية لحال المجتمعات الليبرالية هي بالضبط ما أدعو له وأشجع على فهمه والعمل من خلاله، فإن الأمور بخواتيمها.
فرناس



