علينا دوماً أن نبحث في الإنسان قبل أن نبحث في الأحداث، فكما يكون الإنسان تكون الأحداث، وليس كما تكون الأحداث يكون الإنسان. إن الوطن أعز من أن يهدموا وحدته بدعاوى التعصب. وإن المستقبل يصنعه القلم لا السواك، والعمل لا الإعتزال، والعقل لا الدروشة، والمنطق لا الرصاص. والأهم من ذلك كله أن يدركوا حقيقة غائبة عنهم، وهي أنهم ليسوا وحدهم جماعة المسلمين. وليس هناك خطوط حمراء غير خطوط الدم الإنساني

حافظ الجمالي وفرج فودة

إلى قراء مدونتي الكرام

Filed under عـــام by فرناس on 01-02-2010

Tags :

 

 

 

بسبب المهام الإضافية التي أوكلت إلي فيما يخص مجال عملي خلال حوالي الإسبوعين القادمين، سوف اضطر إلى توجيه كل طاقتي لها خلال هذه المدة للإنتهاء منها. ولذلك، وبكل أسف، سوف أتوقف عن تحديث مواد هذه المدونة خلال هذه المدة على أمل أن أعود لمواد المدونة بعدها. أترككم، قرائي الأعزاء، خلالها مع هذا الغناء الجميل.

 

تحياتي وإلى لقاء قريب إن شاء الله.

 

فرناس

 

 

 

 

 

 

 

 

لا تـيـأسـن ….. يـا حـسـن

Filed under عـــام by فرناس on 28-01-2010

Tags : ,

 

 

 

 

 

ضرورة تبني مؤسسة الإمارة لمشروع وطني

Filed under عـــام by فرناس on 26-01-2010

Tags :

 

 

 

قبل حوالي عشرة أشهر كتبت مقالة في هذه المدونة تحت عنوان (ضرورة تبني مؤسسة الإمارة لمشروع وطني)، ومنذ ذلك الحين والأوضاع الداخلية في الكويت تزداد تأزيماً على مستوى الأعراق والمذاهب على وجه الخصوص. فلا يمكن، بأي حال من الأحوال، أن ننكر وضوح الشحن المتعمد الذي يقوم به قطاع عريض من الشعب نفسه ضمن هذين المحورين وضمن النسيج الإجتماعي الكويتي. فمحوري الحضر – البدو، والسنة – الشيعة، أصبحا من الوضوح بحيث باتا يؤثرا حتى على القرار السياسي وما تستتبعه من تداعيات اجتماعية. ومنبع المشكلة من الأساس هو حقيقة أن هذا الشعب عاطل عن العمل وغير منتج في أغلبه من جهة، ومن جهة أخرى هو شعب مسيس بأكمله. وهذا وضع شاذ وخطير ما لم تستدركه مؤسسة الإمارة وبسرعة. فالإشكالية هنا هي إشكالية وضع هادئ وتحت السيطرة لا لشيء إلا لأن هذا الشعب ترتبط مصالحه مباشرة بالريع النفطي الذي تقدمه الدولة بدون مقابل، ولكن في حال تغيرت الأوضاع الريعية المصلحية لهذا الشعب بإتجاه شح الموارد أو ازدياد البطالة أو تزايد معدلات التضخم أو غيرها من المحاور، فإن الوضع سوف يكون خطيراً وبكل تأكيد. ولهذا السبب رأيت أن أعيد نشر هذه المقالة، ولسان الحال يقول: لعل وعسى.

 

فرناس

 

 

 

ضرورة تبني مؤسسة الإمارة لمشروع وطني

نُشرت بتاريخ 6 – 4 - 2009

 

 

تُعتبر الحالة الكويتية، ضمن المحيط الجغرافي التي تقع فيه، حالة فريدة من نوعها وعلى محاور متعددة. فالكويت، كمؤسسة حكم وإدارة سياسية، تعتبر إلى حد ما غير مستقلة عن الإرادة الشعبية. وهذا بدوره يحتم على مؤسسة الإمارة، كمهيمنة على السلطة التنفيذية، أن تناور ضمن الرأي العام الشعبي في قرارتها وتصرفاتها وتفاعلاتها السياسية الداخلية وحتى الخارجية. هذه “الحالة” هي نتيجة لدستور يؤكد على موضوع الحريات بأنواعها المتعددة وهو أيضاً يضع السلطة التنفيذية تحت المراقبة الشعبية من خلال البرلمان المنتخب. ولكنه أيضاً من الصحيح والواضح، وبسبب سوء الفهم البارز لمصطلح “الحرية” في المجتمع المدني، فإن النسيج الإجتماعي الكويتي يعاني تشرذماً متصارعاً وخطيراً على محاور الأعراق والمذاهب والأصول، مما يضعه على حافة الإضطراب والتصادم إذا تهيأت الفرصة لذلك. فكما رأينا في “أزمات” متعددة خلال السنتين الماضيين فقط، فإن المجتمع الكويتي يملك مقومات الإنقسام على الذات بصورة تلقائية وسريعة مما يذكرنا بالحالة اللبنانية والعراقية ولكن من دون النزعة العنيفة الدموية. وغياب تلك النزعة العنيفة في المجتمع الكويتي هو نتيجة مباشرة لحالةالوفرةالإقتصادية التي يتمتع بها هذا النسيج المتصارع مما يجعلمصالحهالمباشرة مرهونة بحالة دنيا منالإستقرار“، ولكن في حال شح الموارد الممولة لهذه الوفرة الإقتصادية فإن النسيج الإجتماعي الكويتي قد يكون مهيأ جداً لحالة الصراع العنيف. ولهذا السبب تبرز أهمية دور مؤسسة الإمارة في محاولة خلق “خطوط” اتفاق عريضة تكون كإنطلاقة، لجيل الشباب على الخصوص، لإعادة بناء مجتمع مدني متجانس على مستوى القناعات الوطنية.

 

إن دور القادة المحتفى بهم في تاريخ الشعوب والأمم يتجلى في خلق قناعات يتبناها الأغلب الأعم ضمن قطاعاتهم أو مجتمعاتهم. فبغض النظر تماماً عن طبيعة عمل هذا “القائد”، سواء أكان عسكرياً أو مدنياً، أو ضمن مستوى دولة أو على مستوى إدارة صغيرة، فإن نجاح القائد أو فشله، على مستوى التاريخ، هو بالضرورة يُقاس بعمليةبلورةهذه القناعات ضمن اتباعاهم والتي بدورها تخلق جواً عاماً في الرغبة فيالعملتجاه هدف محدد. وبغض النظر تماماً عن مدى فشل أو نجاح الحصول على الهدف النهائي، فإن تلك “البلورة” في حد ذاتها تعتبر نجاحاً يستحق صاحبها الخلود في الذاكرة الجمعية لقطاعاتهم أو لشعوبهم، والأمثلة أكثر من أن تُعاد هنا أو تُحصى. ولذلك فإن على القائد، أياً كان، أن ينظر إلى الإشكاليات المطروحة ضمن إطار “الجماعة” وإن كان في الحقيقة هو يتولى العملية “الدعائية” المصاحبة لها. والمقصود بـ “الجماعة” هنا، وخصوصاً في الكويت، هي الطبقة الوسطى التي تمثل الشريحة العظمى من الشعب.

 

يجب على مؤسسة الإمارة أن تفكر جدياً في تبني مشرع، أو عدة مشاريع، وطنية، يكون القاسم المشترك فيها هو حضرة صاحب السمو أمير البلاد من جهة، ومن جهة أخرى مجاميع تضم كافة الشرائح الإجتماعية المتصارعة من جيل الشباب، وضمن الطبقة الوسطى بالذات وبشكل أساسي، للعمل بإتجاه هدف محدد. فوجود صاحب السمو الأمير كرأس لهذه المجاميع وكقائد مباشر لها سوف يعطي لأفرادها العاملين ضمنها دافعاً معنوياً عظيماً لا يمكن تهميشه بأي حال من الأحوال. فضمن هذا المشروع، أو المشاريع الوطنية، سوف يكون الهدف في الأساس هو الإصرار على التجانس المدني على أساس المواطنة، ولا شيء غيره، ولكن من جهة أخرى فإن هذه المشاريع سوف تولد بالضرورة زخماً شعبياً يضع حتى المؤسسة التشريعية (مجلس الأمة) تحت ضغط الرغبة الشعبية في التجانس والعمل المشترك وترك الأمور الهامشية لصالح هذه المشاريع. إذ أنالخطابالذي سوف يتولاه صاحب السمو الأمير سوف يتعدى الخطاب المؤَسَسي إلى الخطاب الشعبي الذي سوف يضغط بدوره على مؤسسته المنتخبة في البرلمان. وهذا في حد ذاته سوف يخلق جواً أكثر فاعلية من الظرف المحيط الحالي بطبيعته المتشرذمة، ولكنه أيضاً سوف يهمش، بدرجة أو بأخرى، كل الأصوات المفتعلة للأزمات في مجلس الأمة والتي ساهمت بشكل رئيس في وضع البلاد في حالة جمود سياسي واقتصادي.

 

إن تبني مثل هذه المشاريع الوطنية أصبح ضرورة لا من حيث المستقبل فقط، ولكنه كوسيلة للخلاص من الحاضر الذي أصبح ينذر بخطر لا يمكن تجاوزه وعلى محاور عديدة. فهي دعوة للخلاص سوف يتبناها قائد هذا المجتمع للعبور إلى ضفة أكثر أمناً وأوفر طمأنينة.

 

 

فرناس

 

 

 

 

منوعات أجنبية في مواقع الأخبار أمس عن الكويت

Filed under عـــام by فرناس on 25-01-2010

Tags :

 

 

 

طلب عفو من عقوبة الإعدام

 

“ناشدت الرئيسة الفلبينية أرويو الكويت بعدم تنفيذ حكم الإعدام بخادمة فلبينية. وكانت الخادمة قد اتهمت بقتل ابنة مخدومها في سنة 2007. وقد طلبت الرئيسة من نائبها نولي دي كاسترو السفر إلى الكويت وتقديم التماساً بالعفو إلى أمير الكويت“. للمصدر، رجاء اضغط هنا.

 

 

هيومان رايتس ووتش تصدر تقريرها عن الكويت

 

أصدرت أمس منظمة هيومان رايتس ووتش تقريرها عن الكويت. وقد امتدحت التحسن في بعض جوانب حقوق الإنسان فيها، ولكنها أدانت سوء معاملة العمالة المنزلية الأجنبية، وبالأخص العمل لساعات طويلة وعدم اعطائهم حقوقهم كاملة مع حبسهم في المنزل. كما أدانت التمييز ضد البدون من حيث فرص العمل والطبابة والتعليم. كما أدانت الضيق الذي تبديه الحكومة الكويتية فيما يتعلق بحرية التعبير وخصوصاً فيما يتعلق بـ لبس ملابس الجنس الآخر وتقليد مظهرهم“.   :D

للمصدر، رجاءً اضغط هنا.

 

 

الكويت تتعاقد مع كندا

 

تنوي وزارة الصحة الكويتية أن تتعاقد مع المستشفيات والجامعات الكندية لتحسين مستوى الخدمات الطبية في البلاد. ويزور وزير الصحة الكويتي تورينتو لهذا الغرض. للمصدر، رجاءً اضغط هنا.

 

 

ماسحات الجسد بالأشعة السينية للكويت

 

أعلن الجيش الأمريكي عن تعاقده لشراء 12 ماسحة اشعاعية لكامل الجسد لوضعها في القواعد الأمريكية في الكويت والعراق. للمصدر، رجاءً اضغط هنا.

 

 

المرأة في مستشفيات الخليج العربي

 

دعى مجموعة من الأطباء في الإمارات العربية المتحدة إلى تحسين الخدمات الطبية المتعلقة بأمراض القلب للنساء. فقد أشارت الإحصاءات في مستشفيات الخليج العربي إلى أن نسبة الوفيات بين النساء عند اصابتهن بالأزمات القلبية هي تقريباً الضعف من الرجال. للمصدر، رجاءً اضغط هنا.

 

 

الجمعيات التعاونية ترفع الأسعار

 

رفعت الجمعيات التعاونية أسعار موادها الاستهلاكية بنسب متفاوتة بلغت الزيادة في بعضها 154%. للمصدر، رجاءً اضغط هنا.

 

 

 

 

 

من تاريخنا … أراد أن يقتله بسبب دجاجة … لأنه قد يأس من الآخرة

Filed under عـــام by فرناس on 24-01-2010

Tags : ,

 

 

 

“قال ابن عياش:

 

كنت آكل مع حميد الطوسي [هو من كبار قادة الخليفة المأمون العباسي، كان جباراً ذا بطش، توفي سنة 210 هـ]، فضربتُ يدي إلى دجاجة مشوية، ثم رغبتُ عنها شبعاً [يقصد أنه تناول الدجاجة ثم لم يأكلها لأنه أحس بالشبع]، فلم اكسرها. وانقضى الطعام، وغسلت يدي وخرجت. فاذا بضوضاء في الدهليز، واذا رجل يبكي.

 

فقام إلي وقال: يا رجل، أحي نفساً كنتَ أنتَ سبب قتلها.

 

فقلت: ما الخبر ؟

 

قال: أنا طباخ حميد، وإنك مسستَ دجاجة ثم لم تكسرها. فقدّرَ [أي اعتقد] حميد أني شويتها ولم أنضجها، فأمر بقتلي.

 

فعدتُ إلى حميد، فحين رآني قال: والله، لا شفّعتُكَ في الطباخ.

 

قلت: يسمع الأمير ما أقوله، ويعمل ما يراه.

 

قال: قُل.

 

فحلفتُ له بالأيمان المغلظة أنّ الدجاجة كانت نضيجة، وإنما رغبتُ عنها [أي لم آكلها] لأن الشبع صدني. ثم اتبعت المسألة في أمر الطباخ [أي رجوته أن يعفو عن الطباخ].

 

فقال: أهبُ لك ذنبه على أن لا يدخل داري. إننا قد أيسنا من الآخرة، وإنما هي الدنيا، فلا نحتملُ، والله، لأحد تنغيصها علينا“.

 

 

 

المصدر: نشوار المحاضرة وأخبار المذاكرة، القاضي أبي علي التنوخي، دار صادر، الطبعة الثانية، بيروت 1995، المجلد 3، ص 100

ما بين [ ] من اضافتي أنا للتوضيح.

 

 

 

 

 

بكل فخر … أقدم لكم رئيس الوزراء اللبناني … سعد الحريري

Filed under عـــام by فرناس on 23-01-2010

Tags : , , ,

 

 

 

 

 

 

 

 

67-3

 

 

 

 

 

ابن خلدون يقول لكم … أيها الكويتيون أنتم أمة وحشية

Filed under عـــام by فرناس on 21-01-2010

Tags :

 

 

 

تتميز الشعوب العربية، بالإضافة إلى أنظمتها أيضاً، بالتفنن في اختراع الشعارات فارغة المضمون. فخلال الستين سنة الماضية امتلئت صفحات التاريخ العربي الحديث بشعارات لا أول لها ولا آخر، عاملها المشترك هو فراغ مضمونها من أي معنى. فالجميع متفق على “جمال” وربما “شاعرية” الشعار، ولكن لا أحد، عندما ندقق النظر، يعرف بالضبط محتواه ولا كيفية تطبيقه، كل ما هناك أن الفرد قد قيل له أن النهاية سوف تكون سعيدة، لا أكثر من هذا ولا أقل. وتلكالنهاية السعيدةالموعودة لم يصل لها مجتمع عربي واحد أبداً، ولن يصل أبداً. ببساطة، الموضوع موضوع تسيير جماهير والتحكم فيها، هذه هي الحقيقة. وعلى هذا المنوال مشت الحركات المتأسلمة من خلال شعار (الإسلام هو الحل)، وأنا أجزم بأن جميع الحركات الإسلامية ومعها جميع الشعوب التي تمشي ورائها لا تعرف أن تجيب على سؤال (كيف هو الحل؟). ولكنه شعار على كل حال، ومفيد جداً في بروز الحركات السياسية التي تتبناه على أكتاف تلك الجماهير التي لا تعرف من الدين إلا أن (شيخ الدين قد أفتى)، وكفى الله المؤمنين القتال.

 

وبما أننا جزء من أمة مهزومة، وأيضاً مهزوزة، في كل مجال سياسي واقتصادي وفكري، فإننا أيضاً نحتاج إلىشعاراتمثل حاجتنا تماماً إلىانتصاراتلتعويض عوامل النقص هذه. فبعد شبه الإستقرار على قناعة بأننا شعب لا يعمل، ولن يعمل، ولا نملك أي أمل في أن ننافس أي شعب متحضر آخر في مجال الإبداع الثقافي والفكري والاقتصادي والعلمي، جرى الاستقرار على مبدأ غير مُعلن، ولكنه مفهوم ومتداول على مستوى الوعي الشعبي، وهو أن الحاجة إلى الانتصار سوف نجده في (كرة القدم !!). وبما أننا فاشلون أيضاً في هذا المجال، وسقط سقوطاً ذريعاً الشعار الغريب العجيب (نرفع اسم الكويت) في مجالات الكرة وما شابهها، اتجه معظم أبناء الشعب الكويتي ليشجع (رويال مدريد) أو (برشلونة) لعله يجد انتصاره المفقود معهم. ولكن حتى هذه الفرق عندما حضر أحدها إلى الكويت وامتلأت المدرجات عن آخرها بهذا الشعب الباحث عن انتصار، “ضحك” عليهم هذا الفريق ولعب بلاعبيه الاحتياط ولتكون النتيجة “تعادل”. فحتى مع الاحتياط لا يوجد عندنا انتصار. ولكن الأخطر من هذا كله هو أن الشعارات الفارغة المضمون والمحتوى من على شاكلة (الوحدة الوطنية) أصبحت وسيلة من وسائلجلب المصالحالفئوية للقبيلة أو الطائفة التي هي أساس هذا الوضع المزري الذي نراه حولنا. فمفاهيم القبيلة، تماماً مثل مفاهيم الطائفة، على المعنى والمفهوم الكويتي الذي نراه حولنا، ينطبق عليه تماماً مقولة ابن خلدون الشهيرة:

 

إن العرب إذا تغلبوا على أوطان أسرع إليها الخراب، والسبب في ذلك أنهم أمة وحشية باستحكام عوائد التوحش وأسبابه فيهم، فصار لهم خُلُقاً و جَبَلة. وكان عندهم ملذوذاً لما فيه من الخروج عن ربقة الحُكم و عدم الانقياد للسياسة، وهذه الطبيعة منافية للعمران ومناقضة له”.

 

وقبل أن يعترض معترض بأن هذه عنصرية، وإلى آخر تلك التهم المعلبة الجاهزة عندنا، فإنني أود أن أقول بأن “التعربهو صفة، ممارسة، مفهوم، منهج، عقلية يشترك فيها الجنس البشري كله وبلا استثناء. فعندنا في الكويت من هؤلاء ممن أصولهم من الشرق، بل لا يزالون لا يتكلمون العربية بطلاقة، ولكنهم متعربين بجدارة بسبب هذا المفهوم الخلدوني الغالب عندنا في الكويت. وأيضاً عندنا منهم من أتوا من الشمال والجنوب والغرب، سواء بسواء. وعندنا متعربين شيعة وبحماس منقطع النظير، تماماً كما عندنا متعربين سنة وبحماس يفوق الآخرين والأولين. فـالتعربهو منهج قرآني إسلامي مذموم سيئ في نصوص القرآن، لأن الرب تعالى يعلم بأن التعرب كممارسة هو خراب ودمار، هذا مع العلم أن نبيه الكريم عربي أصلاً وفصلاً. فلا علاقة أبداً، لا من قريب ولا من بعيد، بين أن تكون عربي وبين أن تكون متعرب. فالأول أصل وعِرق، والثاني مفهوم وممارسة.

 

وإذا نظرنا في الشأن الكويتي والقضية التي شغلت الرأي العام الكويتي لسنوات، ومعه المجلس التشريعي الكويتي وحكومته، ألا وهي اسقاط القروض الشخصية التي استلفها بعض الكويتيين بمحض اراداتهم من البنوك ثم ليطالبوا حكومتهم بالسداد عنهم، نجد أنها أيضاً لا تتعدى المفهوم الخلدوني في التعرب. أنظر ماذا يقول:

 

“وأيضاً فإنهم ليست لهم عناية بالأحكام و زجر الناس عن المفاسد ودفاع بعضهم عن بعض، إنما همهم ما يأخذونه من أموال الناس نهباً أو مغرماً، فإذا توصلوا إلى ذلك وحصلوا عليه أعرضوا [أي امتنعوا] عما بعده من تسديد أحوالهم [أي اصلاح أحوالهم] والنظر في مصالحهم وقهر بعضهم عن أغراض المفاسد، وربما فرضوا العقوبات في الأموال حرصاً على تحصيل الفائدة والجباية والاستكثار منها كما هو شأنهم، وذلك ليس بمغن في دفع المفاسد وزجر المتعرض لها، بل يكون ذلك زائداً فيها لاستسهال الغرم في جانب حصول الغرض، فتبقى الرعايا في ملكتهم كأنها فوضى دون حكم، والفوضى مهلكة للبشر مفسدة للعمران“.

 

وإذا نظرنا في حالة البطالة المقنعة التي يعيش بها المجتمع كله، من أوله إلى آخره، نجد أن ابن خلدون يقول وكأنه ينظر إلى حالنا:

 

“وأيضاً، فلأنهم يُكلفونَ على أهل الأعمال من الصنائع والحِرَف أعمالهم [يقصد لا يعملون ويدعون الآخرين يعملون بالنيابة عنهم]، لا يرون لها قيمة ولا قسطاً من الأجر والثمن [يقصد يعطون أجوراً قليلة لمن يعمل بالنيابة عنهم]. والأعمال هي أصل المكاسب و حقيقتها، وإذا فسدت الأعمال وصارت مجاناً ضعفت الآمال في المكاسب وانقبضت الأيدي عن العمل وابذعرّ الساكن وفسد العمران“.

 

 

وإذا نظرنا إلى ذلك الصراع المحموم على المناصب عندنا في الكويت والتي يود البعض أن يحتكرها على أبناء المذهب الواحد، أو العِرق الواحد، أو القبيلة الواحدة، مع ما يصاحبها من ممارسات برلمانية ترى ذرة الغبار في عين أي شخص ليس على مذهبه أو ليس من طبقته أو ليس من قبيلته، ولكنه أعمى في المقابل عن “جبل” الفساد الذي يتربع عليه من هو على مذهبه أو طبقته أو قبيلته، هذه أيضاً نجد أن ابن خلدون قد أدلى بدلوه فيها. فهو يقول لكم يا معشر الكويتيين:

 

“وأيضاً، فهم متنافسون في الرئاسة وقلّ أن يُسلّم أحد منهم الأمر لغيره، ولو كان أباه أو أخاه أو كبير عشيرته إلا في الأقل وعلى كره من أجل الحياء، فيتعدد الحكام منهم والأمراء، وتختلف الأيدي على الرعية في الجباية و الأحكام فيفسد العمران وينتقض“.

 

كان هذا رأي ابن خلدون في “الأمة الوحشيةالتي سوف يُسرع فيها الخراب.

 

 

فرناس

 

 

 

 

من اتوغرافات النصف الثاني للثمانينات

Filed under عـــام by فرناس on 19-01-2010

Tags :

 

 

 

عندما أكملت الثانوية العامة ولم أكمل بعد السابعة عشر من عمري، رجعت إلى الكويت إلى حيث أعمل وأنا بالكاد أبلغ التاسعة عشر، أحمل إجازة في الطيران التجاري ولا أعرف كيف أقود سيارة من دون التسبب بحادثة. فكانت الفترة التي توسطت النصف الثاني من عقد الثمانينات هي الفترة الذهبية على مستويات عدة بالنسبة لي، وخصوصاً أن كل شيء في الكويت وخارجها، كان يموج بتيارات من كل لون وطعم ورائحة. فكل شيء داخل الكويت كان في حالة صراع علني وواضح ومكشوف وعنيف أحياناً، كما هو الحال تماماً خارجها. فالمجتمع، كما السياسيين، كانوا متطرفين إلى حد الجنون والهوس وفقدان العقلانية والمنطق في الحب والكره، في التأييد والمعارضة، في الكذب والتحايل والخديعة وتبرير الجريمة وحب التسلط وعقد العظمة. فكل فرد، تقريباً بلا استثناء، كان مستقطباً إلى شرق أو غرب، إلى شمال أو جنوب، ولا وجود لوسط أبداً في تلك الفترة. وبينما اليوم يكفي الإنسان أن يجلس في بيته أمام شاشة كمبيوتر ليتعرف على الشرق والغرب أو الشمال والجنوب، كان الوضع أيامها مختلف تماماً. إذ كان على الإنسان ليعرف، أن يذهب ويتعرف. وكنت محظوظاً أيضاً لأن مهنتي جلبت لي الكثير ممن كان من الشرق والغرب أو الشمال والجنوب. وكان سجل رحلاتي، هو أيضاً سجل لِمن قابلتهم من هؤلاء أو تحدثت إليهم وربما ناقشتهم أيضاً. وإن كنت لا أود أن أضع كل ما في هذا السجل، إلا أن أدناه هو جزء من تلك الفترة الذهبية من عمر الزمن.

 

فرناس

 

 

 

في السادس من مايو 1987 وقف الشاب العشريني أمام ياسر عرفات داخل الطائرة الخاصة التي أقلته من الكويت. كان كل من في الطائرة تقريباً، فيما عدا الطاقم، مسلحاً بطريقة بحيث لا تحتاج إلى حدة نظر لتلحظه من تحت السترات. ابتسم لي، فقابلت ابتسامته بطلب أن كان بامكانه أن يكتب لي شيئاً في سجل رحلاتي، فوافق مباشرة. كتب لي:

 

معاً وسوياً حتى النصر إلى القدس المحررة بعونه تعالى

 

في 2 – 8 – 1990 سقط الجزء الأول من أمنيته تلك (معاً وسوياً)، وفي مؤتمر مدريد في 1991 سقط الجزء الثاني (القدس المحررة).

 

 

dsc08291 

 

 

 

في 16 ابريل 1988 اغتيل عضو المجلس المركزي لمنظمة التحرير الفلسطينية خليل الوزير، أبو جهاد، مسؤول عمليات المقاومة في القطاع الغربي في حركة فتح، داخل منزله في تونس، بالقرب من قرطاجة، بواسطة عملية قامت بها قوات خاصة إسرائيلية. قيل أن جسده قد امتلئ من الرصاص للتأكد من موته. كان أبو جهاد أحد المخططين للإنتفاظة الفلسطينية آنذاك. في 27 ديسمبر 1989 استقلت زوجته، أم جهاد، الطائرة الكويتية لزيارة الكويت. وعند خروجي من مقصورة القيادة، لفت انتباهي لها أحد الزملاء، فوقفت أنظر إليها من بعيد، فكان سكونها واطراقها هو الذي جعلني أقول لنفسي بأنها ولابد أن تكتب لي شيئاً، فكتبت:

 

رعاك الله وعهدنا أن تستمر الثورة حتى النصر

 

 

 dsc08301

 

 

 

 

كل من عاش الثمانينات لابد وأن يكون عبد الكريم عبد القادر جزءاً أصيلاً من ذكرياته. فهو بأغانيه جزء من الشباب، وهو جزء من الحب، وهو جزء من المغامرة، وهو جزء من المراهقة، وهو جزء من الحكمة، وهو جزء من الجنون، وهو جزء من الوحدة، وهو جزء من الألم، وهو جزء من الفرح، وهو جزء من الحزن، وهو جزء من الحلم، وهو جزء من النهار، وهو جزء من الليل. عبد الكريم عبد القادر كان فنان الشباب وبلا منازع في تلك الفترة، فكل كلمة كان يغنيها كانت ولابد أن ترتبط مباشرة بشيء ما من تلك الفترة في شريط ذكريات الإنسان.

 

 

dsc08295 

 

 

دريد لحام، أو غوار الطوشة، من أكثر الشخصيات التي قابلتها أدباً وتواضعاً. فقد استضفناه داخل مقصورة القيادة فإذا به يقطر أدباً ولطفاً في كل شيء من أول كلمة يتلفظها ونهاية بتصرفاته. لم أقابل أشخاصاً كثيرين مثله.

 

 

 dsc08297

 

 

 

 

كــلــمــات ذات مــغــزى

Filed under عـــام by فرناس on 18-01-2010

Tags :

 

 

 

 

“كان تدمير الحضارات العتيقة قد مثَّل حتى هذه اللحظة الدور الأكبر الذي تلعبه الجماهير. والتاريخ يعلمنا أنه عندما تفقد القوى الأخلاقية التي تُشكّل هيكل المجتمع زمام المبادرة من يدها، فإن الإنحلال النهائي يتم عادة على يد هذه الكثرة اللاواعية والعنيفة التى تُدعى، عن حق، بالبرابرة. وقد كانت الحضارات قد بُنيت ووُجهت حتى الآن من قِبَل أرستقراطية مثقفة قليلة العدد، ولم تُبنَ أبداً من قِـبـَل الجماهير. فهذه الأخيرة لا تستخدم قوتها إلا في الهدم والتدمير، كما أن هيمنتها تمثل دائماً مرحلة من مراحل الفوضى. فالحضارة، أية حضارة، تتطلب قواعد ثابتة، ونظاماً محدداً، والمرور من مرحلة الفطرة إلى مرحلة العقل، والقدرة على استشراف المستقبل، ومستوىً عالياً من الثقافة. وكل هذه العوامل غير متوافرة لدى الجماهير المتروكة لذاتها. فالجماهير بواسطة قوتها التدميرية فقط تمارس فعلها كالجراثيم التي تساعد على انحلال الأجسام الضعيفة أو الجثث. وعندما تنخر أسس الحضارة، فإن الجماهير تجيء لكي تقوضها. وفي تلك اللحظة بالذات يتجلى دورها. وعندئذ تصبح القوة العمياء للكثرة هي الفلسفة الوحيدة للتاريخلنستسلم إذن لحكم الجماهير، ذلك أن الأيدي الجاهلة قد حطمت كل الحواجز التي كان بإمكانها أن توقفها عند حدها“.

 

 

غوستاف لو بون، سيكولوجية الجماهير، ترجمة: هاشم صالح، دار الساقي، الطبعة الثانية، بيروت 1997، ص 47

 

 

 

 

رجل أمريكا في اليمن

Filed under عـــام by فرناس on 17-01-2010

Tags :

 

 

 

نشرت مجلة NewsWeek  الأمريكية واسعة الإنتشار مقالاً طويلاً، سوف أضعه كاملاً أدناه، بعنوان “رجلنا في اليمن“. المقالة مهمة لثلاثة أسباب. السبب الأول أن هذه المجلة بالذات يتم ترجمتها إلى 12 لغة مختلفة في أنحاء العالم، هذا بالإضافة إلى اصادراتها الأربع الإنجليزية المختلفة. فهي واسعة الإنتشار، ويقرأها جمهور لا يمكن الإختلاف على سعته. والسبب الثاني هو اللغة الإستهزائية التي كُتبت فيها المقالة لتتناول “رجل أمريكا” في اليمن، والذي سوف أضعه باللون الأحمر أدناه. والسبب الثالث هو الكشف عن الرؤية الأمريكية في المفاضلة بين الحوثيين وبين القاعدة، وأن الرأي الأمريكي يصب في اتجاه الصلح مع الحوثيين في الشمال والتركيز في المقابل على خطر جماعة القاعدة في اليمن، كما أنه يعطينا مجالاً للتفكير من زاوية مختلفة للحرب مع الحوثيين عندما زاد طرفيها طرف ثالث.

 

أحد أهم إشكاليات السياسة العربية كلها وبلا استثناء أنها سياسة أفراد وليست سياسة مؤسسات. وبالتالي فإن الرؤية والمنهج هما نتيجة لقرار فرد واحد يقبع على هرم سلطة محددة. ولهذا السبب فإن الكوارث السياسية، وما ينتج عنها من لغة الإستهزاء والسخرية عند الغرب عندما يتطرقون إلى “رجالهم” عندنا، تنبع من حقيقة أنمؤسساتهمتتعامل معفردوبالتالي فإن المجال مفتوح تماماً لمناورات يكون ضحيتها دائماًالفرد“. المشكلة الكبرى هنا هي ليست مشكلة هذا الرجل أو ذاك، ولكن الطامة هي أن الشعوب العربية لا تستطيع أن ترى السياسة إلا من خلال “قائد” أو “فرد واحد”. فالذهنية العربية لا تستطيع أن تفكر أو حتى تعمل من خلال مؤسسات، وأكبر دليل هو الحالة الكويتية الراهنة. إذ الكويتيون، وبجدارة، استطاعوا تحويل المؤسسات المدنية المتحضرة عندهم إلىكانتوناتقبلية ومذهبية وطبقية لا تخدم المجتمع أو ترتقي به، ولكنها في المقابل باتت تخدم القبيلة أو المذهب أو الطبقة. فالمؤسسة سقطت ضحية لهذه الذهنية العربية، ولم تستطع المؤسسة في المقابل أن ترتقي بالذهنية الكويتية إلى خارج تلك الرؤية. وبسبب هذه الذهنية الفردية التي تنتظر دائماً “قائد” أو “مُخلّص” من نوع ما، فإن أسباب الفساد والكوارث دائماً يتم اختزالها في “شخص واحد”، والحل من وجهة نظر هذه الشعوب دائماً يكون من خلال “شخص واحد”. فجميع شعوب المنطقة، على الحقيقة، تدور في حلقة مفرغة.

 

هكذا يكتب الأمريكيون عن أحد “رجالهم” في المنطقة، فيا تُرى ماذا يقولون أيضاً عن البقية؟

 

 

فرناس

 

 

 

 

مجلة NewsWeek عدد 19 – 1 - 2010

 

 

رجـــلـــنــا فــــي الــيــمــن

بقلم: كيفن بيراينو و مايكل هيرش

بمشاركة: جون باري في واشنطن

 

 

ليس علي عبدالله صالح حليفاً محبباً جداً. فصالح الذي كان يُعرف بـصدام الصغير“، الذي كان يعبده كما الأبطال، هو الحاكم الأطول عهداً في الشرق الأوسط بعد معمر القذافي في ليبيا. وخلال المقابلات، يجلس الرئيس اليمني مترهلاً في كرسيه مثل تلميذ ضجر، فيضم بقلق ركبتيه معاً عند طرح سؤال عليه. وإذا اعتقد أنه قال شيئاً حاذقاً، يتكلف الابتسام ويغمز معاونيه للتأكد من أنهم سمعوه. وإلا فإن صالح الذي ينتحل صفة المشير، لايحاول جاهداً إرضاء أحد، ولا حتى المسؤولين الأمريكيين الذين يزورون البلاد ويتحكمون بنحو 70 مليون دولار من المساعدات للجيش اليمني. وقد تضاعفت هذه الموازنة في وقت قريب، لكنه سيستمر في فعل ما يحلو له، بغض النظر عن النصائح الأمريكية. لدى صالح جواب معياري عند سؤاله عن التعاون مع واشنطن. فهو يصرخ: “لسنا موظفين عندكم”.

 

لا بأس. لا يستطيع أي قائد شرق أوسطي أن يسمح بأن يظهر وكأنه أداة في أيدي الأمريكيين، والقليل من الغطرسة المسرحية يمارس تأثيراً كبيراً في هذا الجزء من العالم. آخر ما تريده إدارة أوباما هو باكستان أو أفغانستان أخرى، حيث يبدو أن الاستياء المحلي من التكتيكات الأمريكية في محاربة الجهاديين يولد مزيداً من الجهاديين. ومع ذلك، الأضواء مسلطة بقوة على صالح الآن, وينوي باراك أوباما أن يبقيها مسلطة عليه على الرغم من خطر خسارة الرئيس اليمني لمصداقيته وسط شعبه. لقد فوجئ المسؤولون الأمريكيون بما اكتشفوه حول صعود تنظيم القاعدة من جديد في اليمن عقب محاولة التفجير التي قام بها يوم عيد الميلاد طالب نيجيري يقول إنه تلقى التدريب والتجهيزات هناك. “تنظيم القاعدة في شبه الجزيرة العربية”، كما يُعرَف هذا الفرع، مرتبط مباشرة بالمجموعة “النواة” في باكستان، وهو الآن من الفروع “الأكثر فتكاً”، كما قال منسق مكافحة الإرهاب في البيت الأبيض، جون برينان، في مؤتمر صحافي. قال مسؤول كبير آخر في الإدارة الأمريكية لا يُسمَح له بالكشف عن هويته: “نعرف أنه كان هناك الكثير من الاتصالات بين المناطق القبلية في باكستان واليمن”.

 

نتيجة لذلك، بدأت تصرفات علي عبدالله صالح الغريبة والمغرورة إلى حد بغيض تزعج واشنطن كثيراً. يشير منتقدو صالح الأمريكيون إلى أنه بينما تضرب حكومته بيد من حديد من حين إلى آخر، فإنها كانت غير فاعلة بطريقة ميؤوس منها في منع القاعدة من التسلل إلى البلاد, وربما أيضاً إلى الأجهزة الأمنية اليمنية. وفيما يزداد الوضع الاقتصادي لليمن سوءاً، وأحد الأسباب هو فساد حكومة صالح، يتنامى وجود القاعدة في البلاد. الأسوأ من ذلك هو أن بعض الأشخاص حول صالح يبدون أحياناً وكأنهم يشجعون المقاتلين: فالهروب من السجن عام 2006 الذي أعاد إحياء العمليات المحلية لتنظيم القاعدة اعتُبر بأنه تم بتواطؤ داخلي، على الرغم من عدم وجود أدلة تربطه مباشرة بصالح. لا ينفك الصقور في الكونغرس على غرار سيناتور كانكتيكت، جو ليبرمان، يكررون التحذيرات من أن اليمن يسلك طريق العراق وأفغانستان، ومن أنه سيصبح “حرب الغد”.

 

المشكلة التي يواجهها أوباما هي أنه إذا كان صالح وغداً، فهو وغد أمريكا. ليس هناك أي شخص آخر تستطيع الولايات المتحدة الاعتماد عليه في اليمن، لهذا بعث أوباما في سبتمبر برسالة إلى صالح يتعهد فيها بتقديم الدعم الأمريكي الكامل. اليمن الذي تجمعه علاقات سيئة بالسعودية الواقعة عند الطرف الجنوبي لشبه الجزيرة، هو “أفغانستان على البحر”، كما يقول مسؤول بريطاني. إنه مزيج طوبوغرافي من الصحاري والجبال الموحشة، مع ثقافة قبلية تكره الأجانب. هذه البلاد المنقسمة بطريقة ميؤوس منها والمجزأة بين سبع لهجات محلية (غالبا ما يتخلى صالح عند شعوره بالحماسة، عن اللغة العربية الفصحى وينتقل للتكلم بلهجته الأم، السناني)، هي مشكلة ملحة في مجال بناء الأمة بقدر ما هي ملاذ للإرهابيين، كما يقول الخبراء. وصالح محاصر بسكان تزداد أعدادهم إلى حد كبير وبطالة مرتفعة جداً ونقص حاد في المياه، تحصل المدن اليمنية على المياه ساعتين في اليوم فقط، ونتاج نفطي من المتوقع أن ينفد في أقل من عقد. كما أن المال بدأ ينفد: ينفق الرئيس الجزء الأكبر من الاحتياطي المتناقص على خوض حرب أهلية طاحنة في الشمال وصعود المشاعر الانفصالية من جديد في الجنوب.

 

قد لا تتحلى الولايات المتحدة المنشغلة بأمور أخرى والرازحة تحت عبء العجز، بالصبر ولا بالموارد لمنع اليمن من الانزلاق إلى مصاف الدولة الفاشلة. لكن إذا فشل صالح، فهناك كما يقول مسؤول أمريكي “احتمال حقيقي بأن يصبح اليمن صومالاً آخر في شبه الجزيرة العربية”، أي أرض سائبة يحكمها أمراء حرب. إذن الخيار الوحيد في السياسات هو تقديم مزيد من المساعدات لصالح والأمل في أن يتمكن الرئيس اليمني، على غرار الرئيس الأفغاني حامد كرزاي، الذي يُلقَّب أحيانا بـعمدة كابول“، من أن ينتزع السيطرة تدريجياً على جزء أكبر من بلاده بدلا من أن تبقى سلطته محصورة بالعاصمة صنعاء. صالح نفسه يقارن سعيه لتحقيق التوازن ومناوراته المستمرة بين القبائل والفصائل بـ”الرقص في دائرة ثعابين”.

 

اليمن جزء من “جهادستان” غير الواضحة المعالم والمتبدلة باستمرار التي لا تنفك تفتح جبهات جديدة في أجزاء مضطربة من العالم، بما في ذلك في البلدان المجاورة مثل الصومال. عام 2006، اعتُقد أنه تم استئصال تنظيم القاعدة في اليمن. لكن في لعبة المطاردة العالمية، كلما ضربت القوات الأمريكية بيد من حديد في مكان ما، على غرار أفغانستان وباكستان والعراق، يظهر الجهاديون في مكان آخر. في حالة اليمن، عودة القاعدة إلى الحياة هي أيضاً نتيجة عمليات ناجحة في السعودية المجاورة.

 

الخلايا الإرهابية التي تؤويها هذه البلدان ليست خلايا تنظيم القاعدة الذي نفذ هجمات 11 سبتمبر. فبينما أن القادة لا يتغيرون أحياناً، وينتقلون من بلد إلى آخر، فإن تنظيم القاعدة تحول إلى علامة تجارية يتم تلزيمها ولم يعد يخضع لإدارة مركزية. غالباً ما تستعمل هذه الخلايا المنتشرة على نطاق واسع الانترنت لإلهام إرهاب أكثر فردانية واعتمادا للمقاربة الذاتية، وتوجيهه بصورة غير محكمة.

 

يبدو أن هذا النموذج الأكثر مرونة هو الذي ألهم كلا من عمر فاروق عبد المطلب الذي حاول تفجير الرحلة 253 التابعة لشركة الخطوط الجوية “نورثويست”، والميجور في الجيش الأمريكي نضال حسن الذي قتل 13 شخصاً في ثكنة فورت هود في تكساس الخريف المنصرم. وبينما تتواصل التحقيقات، يبدو أنه كانت للرجلين صلات باليمن وكانا على اتصال بأنور العولقي، وهو رجل دين أمريكي المولد يحض على الجهاد عبر الإنترنت ويختبئ منذ وقت طويل في اليمن. أطلقت القوات اليمنية سلسلة هجمات مباشرة قبل عيد الميلاد استهدفت فيها شخصيات أساسية في تنظيم القاعدة، بينها العولقي. لكن عبدالله حيدر شعيا، وهو صحافي يمني مقرب من تنظيم القاعدة، قال لنيوزويك إن العولقي لايزال على قيد الحياة وقد اتصل به أخيراً بعد وقوع الهجمات. ووفقاً لوزير الخارجية اليمني أبو بكر القربي، فإن ناصر الوحيشي، زعيم تنظيم القاعدة في شبه الجزيرة العربية، وسعيد علي الشهري، وهو شخصية أساسية في تنظيم القاعدة في اليمن، لم يلقيا حتفيهما في الهجمات. وقد أصبحت هذه العمليات محط انتقاد من أعداء النظام الذين اتهموا صنعاء بتلقي الأوامر من الأسياد الأمريكيين.

 

لكن هناك بعض بوادر أمل. ففي يوليو اجتمع صالح بالجنرال ديفيد بترايوس، رئيس القيادة المركزية الأمريكية، من أجل التنسيق أكثر في استراتيجية مكافحة الإرهاب. قال القربي لنيوزويك إن القائدين اتفقا في الاجتماع على “تعزيز التعاون” بما في ذلك زيادة مشاطرة المعلومات وعمليات التدريب.

 

وفي سياق البرامج الجديدة، وافق صالح وبترايوس على السماح باستخدام طائرات أمريكية، على الأرجح طائرات من دون طيار، وكذلك “الصواريخ المحمولة بحراً”، شرط أن تحظى هذه العمليات بموافقة مسبقة من اليمنيين، كما يقول مسؤول يمني كبير طلب عدم الإفصاح عن هويته في معرض حديثه عن مسائل حساسة. يقول المسؤولون الأمريكيون إن جزيرة سقطرى التي تقع على بعد مائتي ميل من الساحل اليمني، سوف تتحول من مهبط جوي صغير إلى قاعدة كاملة من أجل دعم برنامج المساعدات المعزز ومحاربة القراصنة الصوماليين. ويحاول بترايوس أيضا تزويد القوات اليمنية بمعدات أساسية مثل مركبات “هامفي” المصفحة وربما المزيد من المروحيات.

 

تقتضي أي استراتيجية طويلة الأمد لمكافحة الإرهاب معالجة الأسباب الجذرية لعدم الاستقرار الاجتماعي الذي يسمح لتنظيم القاعدة بالنمو والانتشار. لكن بترايوس يعلم أنه لا يستطيع الذهاب بعيداً جداً في هذا المجال في اليمن. فعلى عكس أفغانستان، ليس هناك كلام عن الغوص في الديناميات القبلية للبلاد. لقد أصر صالح على أن تقتصر أي مساعدة أمريكية على تدريب القوى الأمنية الخاصة باليمن وتجهيزها. يقول معظم الخبراء حول اليمن إن الحل الأسوأ على الإطلاق هو إرسال قوات أمريكية، حتى فرق عمليات خاصة تتحرك خلسة، للقيام بالمهمة مكان اليمنيين. إن نحو 70 بالمائة من القرى اليمنية تضم أقل من 500 نسمة، وفقاً للسفيرة الأمريكية السابقة لدى اليمن، باربرا بودين. سوف يكون من السهل التعرف إلى العملاء الأمريكيين، مما سيؤدي بلا شك إلى رد فعل انتقامي. تقول بودين: “أي غريب يدخل البلاد سيلفت الأنظار، فما بالكم بأمريكي طوله ست أقدام ويرتدي بدلة نينجا”. كما أن الهجمات الجوية التي نفذتها الولايات المتحدة بواسطة الطائرات من دون طيار في باكستان أظهرت أن الحملة الجوية يمكن أن تصبح شديدة التفجر سياسياً. يقول مسؤول يمني كبير طلب أيضاً عدم الإفصاح عن هويته في معرض حديثه عن موضوع حساس: “إذا بدأنا بالسماح بحدوث ما يجري في باكستان، فالله أدرى ماذا سيحصل”.

 

قبل كل شيء، هناك المشكلة الشائكة المتمثلة بالتعامل مع صالح الذي يبدو أنه أدرك أن تنظيم القاعدة يهدد نظامه. يقول المسؤول في الإدارة الأمريكية: “الخبر السار هو أنه يبدو أنه يسلك مساراً إيجابياً في الوقت الحالي، فقد تحرك مرات عدة ضد تنظيم القاعدة في شبه الجزيرة العربية”. ويضيف: “تكمن المهارة في التأكد من أنه لن يعود لتأليب طرف على آخر“. يريد المسؤولون الغربيون أن يقدم صالح تنازلات وينهي حربه الأهلية مع قبيلة انفصالية شيعية تُعرَف بالحوثيين كي يتمكن من التركيز على القاعدة، لكنهم يحاذرون من التلميح إلى إمكان خفض المساعدات التي تُرسَل إليه إذا لم يفعل. يقول المسؤول الأمريكي: “نعرف أمراً عن صالح، وهو أن أي حديث عن فرض شروط عليه هو خبر سيئ. إنه من النوع الذي يفعل ما يريده”. جل ما تستطيع واشنطن أن تتمناه هو أن يكون ما يريده صالح مشابها لما تريده أمريكا في اليمن: عدد أقل من الثعابين الخطرة المثيرة للقلق.

 

 

 

 

 

Subscribe to RSS Feed Rss