نُشرت هذه المقالة في “الشبكة الليبرالية الكويتية” بتاريخ 22 - 1- 2006، وكانت تـتـطـرق إلـى “الحالة” القائمة آنذاك بوفاة الشيخ جابر الأحمد الجابر الصباح رحمه الله وعدم قدرة الشيخ سعد العبدالله السالم الصباح، ولي العهد، تولي مسند الإمارة
توفي الأمير جابر الأحمد الجابر الصباح في صباح يوم الأحد الموافق الخامس عشر من يناير سنة 2006، وترك البلاد لتواجه حالة لم تواجهها من قبل في تاريخها. فمنذ اليوم الأول لوفاته تسائل الكثيرون عن مدى قدرة ولي العهد الشيخ سعد العبد الله السالم الصباح على تولي إدارة شئون البلاد مع الأخذ بعين الإعتبار حالته الصحية المتدهورة والتي مضى عليها سنوات. كانت التكهنات، وبحق، تنحصر على كيفية تولي الشيخ صباح الأحمد، اللاعب السياسي الرئيسي الوحيد على الساحة الكويتية في السنوات الأخيرة، تنحصر هذه التكهنات على كيفية توليه إدارة شئون البلاد، وتحت أي مسمى. وكانت التكهنات تنصب أيضاً على ردود أفعال فرع “السالم” من عائلة الصباح الكريمة على هذا الوضع الغير مريح أو الشاذ.
تنقسم الإشكالية الراهنة إلى قسمين رئيسيين: “الحالة” و “الآليات”. هناك “حالة” أو كما يحلو للبعض أن يسميها “أزمة” تتمثل في إنتقال السلطة والإمارة إلى ولي عهد غير مؤهل صحياً لتولي مهامه. بل والحق يقال، ومن شواهد عدة، ومع حبي وتقديري لشخصه الكريم الجليل ذي المواقف المشرفة والمشرقة في تاريخ الكويت المعاصر، هو غير مؤهل ذهنياً لهذه المهام الجليلة. وهناك، من جهة أخرى، “آليات” لم تخضع للتجربة والامتحان من قبل في تاريخ الكويت لإنتقال السلطة، وبهذه الأسباب، ولأشخاص لم يشغلوا رسمياً حتى منصب ولاية العهد. فالوضع هنا هو إعفاء أمير من منصبه و إختيار شخصين لمنصبين مختلفين هما “الإمارة” و “ولاية العهد”. إذن بإختصار هذه هي كل الإشكالية.
لنُـلقي نظرة متفحصة على “الحالة”. منذ عدة سنوات، وبعد منتصف التسعينات من القرن الماضي، ظهرت مقالة في مجلة “News Week” الأمريكية، إذا لم تخني ذاكرتي، يقول كاتبها صراحة أن الكويت تتجه إلى أزمة سياسية وشيكة بسبب عدم تأهيل جيل ثاني يخلف الجيل الحالي في إدارة شئون البلاد من أفراد الأسرة الحاكمة. تلقف الكتّـاب والمحللون، بعد فترة صمت مناسبة، هذه الفكرة الأساسية وطرحوها بأشكال مختلفة وتحت تحليلات متباينة وفي فترات متباعدة ومتقاربة. وكانت نتيجة هذه المقالات والتحليلات أن رأينا مجموعة من شباب الأسرة الحاكمة، بعضهم أبعد ما يكون عن الساسة والسياسة، يدخلون هكذا وبدون تأهيل مسبق، ليتولوا مناصب مختلفة داخل الدولة. كانت هذه هي ردة الفعل أو “الحل” لدى أصحاب القرار واللاعبين السياسيين الرئيسيين لهذه المشكلة. وبدل أن يساهم هؤلاء الشباب في “الحل”، أصبح لدينا فجأة وزيراً للإعلام لا يستطيع أن يعبر عن نفسه بوضوح باللغة الإنجليزية، وبعد أن ألغى في وزارته بطاقات الحضور والغياب لتصبح وزارته من أكثر وزارات الدولة تسيباً وليعشق هذه الوزارة فجأة كمية لا بأس بها من المواطنين. ثم غادرها ليذهب لـ “الطاقة”، ليفعل ماذا؟ لا أدري. ثم ليدخل في “فضيحة” ولا يخرج منها حتى يدخل في أخرى، وهكذا. وأصبح لدينا جهازاً آخر يرأسه أحد الشباب من هذه الأسرة الكريمة مسئوليته هو الترقي في خدمات الدولة للمواطن ورصد ووضع الحلول لزيادة كفاءة الموظفين الحكوميين. وحسب علمي، فإن هذا الجهاز، وخلال كل هذه السنوات، أتى بدراسة أو دراستان وكفى الله المؤمنين القتال.
ولكن الأهم من كل هذا، أن ما كان يراه كل المحللين، كان يبدو للمدقق أنه كان غائباً عن من يمثلون رأس الهرم السياسي في الكويت. لأن الوضع الراهن “للحالة”، وما نحن فيه اليوم، كان متوقعاً. اللهم إلا إذا كان البعض يراهن، أو كان يتمنى، أن يتوفى الله الشيخ سعد ولي العهد قبل أميرنا الراحل رحمه الله. لأن الوضع الصحي للأمير الراحل وولي عهده لم يكن سراً أو خافياً على أحد. إذن هذه “الحالة”، وأقولها جازماً، هي نتيجة لنظرة أو رؤية ساهمت في السابق وتساهم الآن في دفع البلاد والعباد إلى أوضاع أقل ما يقال فيها أنها غير صحية، وأبعد ما تكون عن الحكمة وإنكار الذات والرؤية المستقبلية. ولن أعقب على هذه الجزئية الآن ولن أناقشها، فالوقت غير ملائم.
إذن، كان لدينا أمير غير قادر على أداء مهامه بسبب المرض وكبر السن، وكان لدينا ولي للعهد، وأمير الآن، غير قادر على أداء مهامه أيضاً بسبب المرض وكبر السن. الآن، هناك رأي يقول: كما كان الأمير السابق رحمه الله على رأس الدولة وهو غير قادر صحياً على إدارة شئونها، وكانت كل مهامه تقريباً تمارس من قبل رئيس الوزراء، فما المانع الآن من أن يبقى الشيخ سعد حفظه الله على رأس الدولة، ويتولى ولي العهد الجديد ممارسة مهامه كما كان في العهد السابق؟
لن أدخل في نقاش مع هذا الرأي، فإنه أقرب للجدال منه للنقاش وطلب الحق، هذا بالإضافة إلى أن صلب الموضوع نفسه فيه قدر كبير من العاطفة التي أحياناً كثيرة تغلب العقول. ولكني أقول هذا: أهكذا تُـدار الدول والمسؤوليات الجليلة؟ أهكذا تكون السياسة؟ أنجامل حتى على حساب البلاد والعباد؟ أهكذا تكون الحلول لمنصب مثل منصب الإمارة؟ وأقول أيضاً: الخطيئة لا تبرر الخطيئة.
هذا من جانب، ومن جانب آخر هناك رأي يقول، وأنا استشعر وكأنه يمثل رأي الأغلبية، بضرورة أن يتولى مسند الأمارة شخص غير سمو الشيخ سعد العبدالله حفظه الله. وهذا هو رأيي أنا أيضاً. ولكن الخلاف هنا هو أن البعض يريدون أن يتنحى الشيخ سعد، أو على الأقل يبدو للرأي العام، بإختياره، وأن لا يبدو وكأنه قد نُـحيَ من منصبه. وهذا كله حفاظاً على كرامة الأمير وصوناً له واعترافاً بتاريخه. ولكن البعض لا يرى بأساً من تفعيل مواد قانون توارث الإمارة، وفي النهاية، ما هي فائدة القوانين إذا أصررنا على بقائها حبراً على ورق.
الآن وبإختصار. يوجد أمير، لم يؤدي القسم الدستوري بعد، والكل يعرف مقدماً أنه لا يستطيع أن يؤديه إلا إذا تعسفنا بـ “التسهيلات”. وهو، حفظه الله وشفاه، في حالة صحية متردية لا تؤهله لأن يكون على رأس دولة. بل أن القانون رقم 4 لسنة 1964 ومذكرته ينطبقان تماماً على الشيخ سعد حفظه الله. ويوجد بديل، لأنه لا يوجد غيره أصلاً، يتفق عليه أغلب أسرة آل الصباح الكريمة، وهذه نقطة مهمة جداً، إلا أفراداً معدودين لا يملكون مخزوناً سياسياً أو شعبياً ولكن يملكون مخزوناً مالياً وعقارياً، وبالتالي، وعند التمعن الدقيق، هم غير مؤثرين بشكل يمكنهم معه من عمل أي شيء إلا تأخير الحل بضعة أيام أو أسابيع، ثم يكون في النهاية ما يريده هذا البديل بعد البحث عن ترضية لهؤلاء الأقلية.
أين هي الأزمة أذن؟
هل الأزمة هي عندما يختلف أسرة آل صباح؟ ليختلفوا. ليتشاجروا. ليغضب بعضهم من بعض. ألم يحدث كل هذا في عهد الشيخ عبدالله السالم رحمه الله. بل حتى أنهم يوماً ما قتلوا بعضهم بعضاً. ثم ماذا؟ سوف يأتي أمير، ويأتي ولي للعهد، باتفاق هذه الأسرة، وليس غيرهم مهما كان منصبه أو مكانته. وليرضى من يرضى وليغضب من يغضب، لأن هذا، وفي هذا الموضوع بالذات، هو “مرق الشيوخ، ورح نحطه بشليلنا”، ومن يعترض على هذا فليقل لي ماذا يستطيع أن يفعل إذا أتت الأمور على غير ما يشتهي؟ أليس هذا هو الدستور والقانون؟ أليس هكذا يتم توارث الإمارة؟
إن المعترضين وبعض المدافعين عن سمو الأمير الشيخ سعد العبدالله حفظه الله من أعضاء الأسرة الكريمة ومن السياسيين والكتاب، هم في بعضهم وراء مكاسب، والبعض الآخر ينطبق عليه المثل: “ليس حباً في علي، ولكن كرهاً في معاوية”. و لا أراني مضطراً للشرح هنا. ولو سألني أحد عن رأيي فإني أقول: أن الإهتمام يجب أن يركز على منصب ولاية العهد، لأن الشيخ صباح رجل كبير في السن ويعاني أيضاً من الأمراض، والأعمار بيد الله ولا أدعي علم الغيب، ولكن الرجل في عمر أخيه المتوفى رحمه الله تقريباً. فمنصب ولاية العهد هو المنصب الأكثر أهمية الآن من منصب الأمير، لأن هذا هو من سوف يحكم الكويت بعد سنوات من الممكن ألا تطول.
أهذا في رأي البعض “إرجاء” أو “سلبية”؟ لا، ولكني لا أراها كأزمة أو كارثة، ولكنها “حالة”، وبنود القانون واضحة، والأمر محسوم. ولكن الخلاف على “الآليات”.
إذن ليكن النقاش على “الآليات” وضمن حدود القانون وبما يحفظ كرامة سمو الأمير الشيخ سعد العبدالله السالم الصباح حفظه الله وشفاه وأطال في عمره.
فرناس