بعد طول ترقب إمتد حوالي الثلاثة أسابيع، وبعد تكهنات وإشاعات لا أول لها ولا آخر، وبعد طول مشاورات تفضل بها سمو رئيس مجلس الوزراء بعد أن الغى منها مشكوراً مشاورات عمداء عوائل الكويت كما فعل في المرة السابقة وأضاف إليها إستشارة النائب خلف دميثير ليستمع منه إلى نصيحته بإختيار وزراء يرون الديموقراطية “فتنة”، وبعد صراع التصريحات والوفود للحركات السياسية والدينية والمذهبية المختلفة، وبعد أن صدع رؤوسنا أطياف مختلفة بمصطلحات الإصلاح والحكومة الإصلاحية ومعايير الإصلاح والشخصية الإصلاحية لسمو رئيس مجلس الوزراء، بعد كل هذا تم إعلان تشكيل الحكومة وليفغر بعدها مباشرة أغلب الكويتيين فاههم دهشة. ولا ألومهم فنحن جميعاً في بلاد العجائب والغرائب. بلاد المدهشات المضحكات المبكيات.
نحن أمام واقع مرير يصدمنا به ولاة أمرنا المرة تلو الأخرى وعلى أصعدة مختلفة، حتى باتت الغرائب هي العادة، وما جرت عليه أمور الناس والسياسة والدول هي الغرائب والشذوذ. فأمرنا معكوس، وحالنا لا محالة منحوس، ومستقبلنا ومستقبل أولادنا وأحفادنا في مهب رياح “حدس” والإخوان المسلمين والسلف والتقسيمة القبلية والعرقية والطائفية وأبطال الفرعيات ونواب الخدمات والوزراء السابقين أصحاب “كوارث التعيينات الإنتخابية”. خليط عجيب، تتعارض مصالحهم وتتصادم أهوائهم وتتباين أفعالهم وقناعاتهم، هؤلاء جميعهم هم، بقبولهم أو رفضهم الحقائب الوزارية، من يشكل الآن حكومتنا “الرشيدة”.
لكن الأمر قد خرج اليوم من ساحة العجائب والغرائب، وحتماً من ساحة المضحكات، إلى ساحة الخطر والمحظور والبعد من الحكمة والنظرة السياسية الثاقبة. لقد خرج الآن إلى ساحة اللعب مع الشيطان نفسه. وقد كنت أحسب وإلى مدة قليلة ماضية بأننا لا زلنا نستذكر بعض الدروس والعظات، وإن كان من الواضح أنه قد نسيَّ ساستنا معظمها، من تجربتنا مع العراق وصدام حسين قبل الغزو المشؤوم لوطننا. هذه الدروس والعبر هي التي كانت يجب أن تمنع ساستنا من التخلي عن ما يسمى في كتب تراثنا بـ “الحزم” في مسألة الإختيار لطاقم السلطة التنفيذية.
كيف ننسى العبرة، وقد جاملنا صدام حسين وعلى حساب مصالحنا الوطنية، فكانت النتيجة ماذا؟
كيف ننسى العبرة، وقد فتحنا بلدنا لجواسيسه ومخابراته، فكانت النتيجة ماذا؟
كيف ننسى العبرة، وقد فتحنا حدودنا البرية ومجالنا الجوى لمصالحه الكارثية، فكانت النتيجة ماذا؟
كيف ننسى العبرة، وقد أعطينا من أموال الشعب وموارده ما يساوي ميزانية الدولة لسنوات وسنوات، فكانت النتيجة ماذا؟
وأنا هنا لا أقارن أي أحد من الشعب الكويتي بصدام، أعوذ بالله من ذلك. أنا لا أقصد ذلك بتاتاً ولا أعنيه. بل أنني أبرأ إلى الله حتى من التلميح إلى ذلك. ولكنني أقول بأن العبر في تاريخنا يجب أن ترتكز في أذهاننا لنستعيدها مرات ومرات حتى نكون أكثر حكمة وأشد توازناً في قراراتنا. وحتماً يجب أن تكون هذه العبر حاضرة في التخطيط لمستقبلنا ومستقبل أبنائنا وأحفادنا. ومن الضرورة القصوى أن تكون مصورة أمامنا ضد أي إحتمال يكون فيه أمننا القومي على المحك. ومن اللازم المُلِح أن نرتكز إليها حتى ندع ما يريبنا إلى ما لا يريبنا.
تلك العبر، والتي دفعنا ثمنها أرواحاً ودماءاً وأعراضاً وأموالاً، هي التي يجب أن توجه طريقنا في الحكم على الساسة والسياسة، أخذاً بالحزم وطلباً للسلامة وتحرياً للطريق السوي وبُعداً عن الشبهات، وفوق كل ذلك، خوفاً من أن نقع في المحظور.
لقد أصابني، كما أصاب الكثيرين من أبناء هذا الوطن، الدهشة وخيبة الأمل عندما تم الإعلان عن أسماء الوزراء في هذه الحكومة. ومصدر الدهشة هو أنها، أي تشكيلة هذه الحكومة، أتت معاكسة تماماً لما كان يُروّج له من دعوى الإصلاح ودفع عجلة العباد والبلاد بإتجاه الأصلح. كيف يكون هذا وحزب، عليه ما عليه تاريخياً وحاضراً، أصبح يتفاخر علناً بأنه دخل الحكومة (إضغط هنا). بل الأدهى أن هذا الحزب، ذو التاريخ الدموي والصراع الحالي مع الأجهزة المدنية في مصر، قد هدد ضمناًً رئيس مجلس وزرائنا في حال عدم توزير عناصره (إضغط هنا).
كيف يستقيم توزير أفراد هذا الحزب والمنطق السليم والسياسة الحكيمة والرأي الحصيف والعقل المتزن؟
بل الأدهى أن من تم توزيره منهم كان أحد من شارك سابقاً في إنتخابات فرعية عرقية قبلية، تضع القبيلة، ضمناً، ومصالحها فوق الوطن وباقي أفراده. كيف يستقيم من يضرب بالقانون عرض الحائط، هذا مع إنتمائه المعلن لحزب كان سبب كوارث في مصر وسوريا والأردن، ودعوى الإصلاح ودفع عجلة التقدم؟
بل كيف يطمئن أي أحد كان بأن أسرار الدولة ومداولاتها وقراراتها وخططها لن يتم تسريبها، بشكل أو آخر، إذا ما خالفت القناعات العامة لمتبني هذا الحزب؟
يا سبحان الله، ألم يكن لكم عبرة في موقف هذا الحزب من الغزو العراقي الغاشم من دولة الكويت وقرارات تحريرها؟
ولم يكتفي ولاة أمرنا بهذا، بل تعدوا ذلك بأن جعلوا فرداً آخر من نفس هذا الحزب، إتهمه سفيرنا في واشنطن في أيام الغزو العراقي الغاشم بالطامة بعد الطامة، جعلوه مستشاراً في مكتب رئيس مجلس الوزراء الكويتي وبدرجة وزير (إضغط هنا) (ولمقالة لي عن هذا المستشار المزمع تعيينه، إضغط هنا). واعجباً.
ثم بعد هذا كله جعلوا من رجل مؤهله الوحيد ليسانس في الجغرافيا وزيراً للإعلام. والإشكالية هنا، وبعيداً عن المؤهل، أن هذا الرجل أيضاً من أبطال الفرعيات المُجرّمة قانوناً. وأن هذا الرجل كان عضواً في المجلس البلدي، لا علاقة له بالإعلام وعلومه لا من قريب ولا من بعيد. وإن هذا الرجل عندما أصبح وزيراً للبلدية في الحكومة السابقة كرس، ولا عجب هنا، موقعه لخدمة أبناء قبيلته ضارباً بالقوانين عرض الحائط. وأن هذا الرجل شاهده كل الموظفين في بلدية الكويت في الإنتخابات التكميلية السابقة للمجلس البلدي وهو يحمل شخصياً (لاحظ أنه كان وزير) معاملات أبناء قبيلته المخالفة للقانون لينجزها دعماً للمرشح من نفس قبليته يوسف صويلح. وأن هذا الرجل كان يؤخر بعذر بعد آخر تقديم أسماء الوكلاء المساعدين للبلدية لأنه يريد أن يكون النصيب الأكبر لهذه الأماكن لأبناء قبيلته ولكنه واجه صعوبات في إقناع أولي الأمر بأسماءه المطروحة. وإن هذا الرجل، من وجهة نظر ولاة أمرنا، رجل إصلاحي من الطراز الرفيع!!
وأما وزير التجارة فهو أيضاً من أبطال الفرعيات بلا منازع. من أبطال المحتقرين للقانون في فعله ذاك. ويكفيه “فخراً” أن تم النظر في قضيته في المحكمة المختصة بـ “جرائم” الإنتخابات الفرعية. إضغط هنا.
كيف تطلب ممن لا يحترم القانون أصلاً أن يطبقه؟؟!!
كيف يكون هذا صعباً على فهم ساستنا وولاة أمورنا؟؟!!
ولن أكمل، فإن في الحلق غصة على هذا البلد ومقدراته. لن أكمل لأنني أعلم بأن الكثيرون، وأنا منهم، كمن يؤذنون في مالطة. لن أكمل لأن من يملك القرار ينطبق عليه تماماً القول المأثور: “فاقد الشيء لا يعطيه”. لن أكمل لأننا، كما يبدو، شعب مستعصي على الفهم والتعلم والتقدير من تجاربنا السابقة.
ولكنني أقول لكم هذا:
هنيئاً لأهل الكويت أبطال الإنتخابات الفرعية الضاربين بالقانون عرض الحائط.
هنيئاً لأهل الكويت عنوان صفحة الإخوان المسلمين على شبكة الإنترنت: “الإخوان المسلمون يشاركون في الحكومة الكويتية الجديدة”.
هنيئاً لأهل الكويت مستشارين الحكومة الحزبيين ممن إتهمتهم أقطاب حكومية سابقة بالطامة بعد الأخرى في أيام الغزو العراقي الغاشم.
هنيئاً، هنيئاً، فقد فتحنا صفحة جديدة ولن تطوى إلا على طامة أو كارثة.
فرناس