أنا أكره أن أودع أحداً
Filed under Uncategorized by فرناس on 25-09-2007
Tags : خـــواطـــر مـكـتـوبة
تسير بنا هذه الحياة حثيثاً نحو نهاية محددة. نحو سيناريو يحمل لمن يكون حولنا من أقاربنا وأصدقائنا أسباب الكآبة والحزن والدموع والنواح. تسير بنا الحياة بأيامها ولياليها نحو إختبار الحزن لمن نحبهم ويحبونا. ولأنه إختبار “حزن ودموع” أنا اكره “الوداع” بأنواعه.
شعوري من “الوداع” وطقوسه وأحاسيسه هو مزيج من المتناقضات لا يمكنني فهمها. بل في الحقيقة لا أرغب في فهمها. فأنا، ويا للغرابة، كنت أستمتع بطقوس الوداع والتي يقوم بها الآخرون لوداعي في رحلات السفر الطويلة. لا أدري لماذا، ولكنني أنا هكذا.
منذ سنين طويلة وعندما أخذني والدي رحمه الله إلى قاعة الوصول في مطار هيثرو بلندن حتى التقي بالمندوب البريطاني للجهة الدراسية هناك والذي يستقبل الطلبة الكويتيين القادمين من الكويت، نظر اليّ والدي قبل أن أغادر مع المندوب ورفع إصبعه في وجهي وناداني بصيغة التصغير قائلاً: “يـُوز”.
أجبته ضاحكاً: إن شا الله يبا، فيوز.
رأيته وهو يحاول جاهداً أن لا يضحك أو حتى يبتسم وليناديني مرة أخرى بصيغة التصغير قائلاً: إلا الدراسة.
إجبته ضاحكاً: الفيوز هذا يبا ليلحين سليم، تبي الشهادة؟ بتوصلك الشهادة.
قبّلت والدي ضاحكاً ومشيت مع المندوب البريطاني والطلبة الكويتيين الذين وصلوا للتو من الكويت، وبالصدفة إلتفتُ لأرى تجهماً واضحاً على وجه أبي لا يمكن أن تخطئه عين أحد، ولكني إبتسمت ولوحتُ له ضاحكاً.
قبل هذا بساعات كانت والدتي، وبمساعدة إحدى قريباتنا، ترتب حقيبة ملابسي وتبكي لأن ولدها سوف يفارقها لأول مرة. لم أشعر أنا أبداً بالكآبة أو بذلك الشعور القابض الذي يلف أحشائك كلما واجهت مجهول. بل على العكس، كنت سعيداً بعملية الوداع هذه.
بعدها، وكلما قررت أن أرجع إلى الكويت للزيارة، أبقي الأمر طي الكتمان ولأظهر أمامهم فجأة عند باب المنزل. فرح أبي وأخي وأخواتي، ودموع والدتي لا يمكن أن أنساهما ما حييت في تلك اللحظات. وحالما أجلس بينهم أعلن عن موعد مغادرتي حتى يتجهز الجميع لوداعي مبكراً. كنت أستمتع بهذا الوداع حتى آخر لحظة. كانت والدتي تصر عند مغادرتي المنزل أن أقبّل القرآن ثم ترفعه بيدها عالياً لأمشي تحته، يجب أن أفعل ذلك ثلاث مرات. وبعد أن أركب السيارة يجب أن تسكب خلفي قليلاً من الماء. هذه الطقوس التي تقوم بها والدتي يجب أن تكون آخر شيء في وداعي. ولكني كنت أتعمد بعد أن تنتهي والدتي وأركب السيارة أن أترجل منها وأدخل البيت مرة أخرى لأتحدث معها أو لأفعل شيئاً ما، ثم لتعيد هذه الطقوس مرة أخرى مع ضحكي وإحساسها بأن ولدها هذا “ما منه فود أبد”. وبعد أن أركب السيارة كانت تقول لي بصوت عال: “لا إله إلا الله”. كان يفترض مني أن أجيب بـ “محمد رسول الله”، ولكني الوّح لها ضاحكاً ومودعاً بـ “حي على الصلاة”، وكنت أرى مباشرة حيرتها في ولدها هذا وليزداد ضحكي وسعادتي بالوداع.
لم أكن أعرف معنى الوداع من وجهة نظرهم ولم أفهمه. ولكني عندما عرفته وفهمته كرهته.
في حوالي نهاية شهرين من الغزو العراقي للكويت، وبعد إسبوعين من القبض على أخ زوجتي من جانب الجيش العراقي، جاءوا به، مع آخرين معه من نفس الحي السكني، وليقتلوه بطلقة في رأسه أمام منزله. نُقلتْ جثمانه وجثمان رفاقه إلى المستشفى، وذهبت أنا حتى أحاول إستلامه لدفنه. وعندما أخرجوه لي لأتعرف عليه، كان رأسه ملفوف بقماش أبيض قد تشبع بالدم، وكانت هذه أول مقابلة لي مع الموت. بعد دفنه، فهمت تماماً ما معنى الوداع وما يحمل من خطر.
بعد تلك الحادثة بسنة وعدة أشهر توفي والدي. أمسك خال والدي، والذي يصغره سناً بالمناسبة، بيدي وطلب مني أن أرافقه لأرى أبي للمرة الأخيرة. جمدت في مكاني وإتسعت حدقتا عين خال والدي دهشة. رفضت أن أرى والدي ميتاً، رفضت أن أودعه ميتاً. لم أشأ أن أغامر بأن أرى والدي على شكل مختلف غير ما علق بذاكرتي من ذكراه. أردت أن يكون وداعه على الصورة التي في خيالي.
أنا لم أبكي على أي أحد أمام الناس. لم يحصل هذا أبداً أمام أي أحد وبلا إستثناء. وسبب جمود عيني في تلك المواقف أفزعني أول الأمر، بل في الحقيقة جرح نفسي جرحاً عميقاً. كنت حائراً عن السبب ولا أزال. ولكنني الآن أرى بأن جمود عيني في مواقف الوداع والوداع الأخير، ربما، مرده إلى كرهي لهذا الوداع، وإنني، ربما، لا أزال في نفسي، أنكره ولا أعترف به.
اليوم، وعندما ودعت عزيزاً، لم يفاجئني جمود عيني. ولكن ما فاجئني هو ذلك الوجه الأشبه بالنائم نوماً عميقاً والذي يوحي لمن يشاهده بالراحة والسكينة. لم يختلف في ذاكرتي شيء إلا غياب الحديث ونظرة العيون.
أنا أتمنى شيء واحد فقط، أن يجنبني ربي جل شأنه ساعات الوداع الأخير لكل من أحبه. أنا كنت، ولا أزال، أحب من يودعني، لأنه ولسبب ما مجهول يدعوني للضحك والمزاح. ليجنبني ربي تلك الساعات. وأن يكونوا هم من يودعونني، لأنني يتملكني شعور طاغ، بل أكاد أجزم، بأنني سوف أنظر لهم من ذلك الجانب الآخر ثم أنفجر ضاحكاً منهم.
فرناس


Dear Firnas, allah la yewarina ella elkhair lik o li kil min ti7ib.
I know what you mean when your emotions simply freeze.It is a combination of many defense mechanism. That helps in absorbing the shock and maintaining control in times of crisis. But these emotions need to be processed at a certain time.
Writing is a healthy coping mechanism
لم استطع رؤية والدي بعد وفاته , وللسبب الذي ذكرته زميلي الفاضل .
هذا دربنا المرسوم لنا جميعا .
لكن هو درب اللقاء بعد الفراق .
فهذا ما وعدنا الله به .
عزائنا بأننا لله راجعون .
عزيزتي أم العيال
لك كل الشكر والتحية على إضافتك المهمة هذه. يسعدني دائماً أنكِ من المتابعين لهذه المدونة
تحياتي
فرناس
عزيزي حمد
شكراً لك لهذه الكلمات يا عزيزي
لك تحياتي الحارة
فرناس
عندما يتذكر الانسان انه راحل فهل فكّر ان يترك بصمة ما قبل رحيله ؟!؟ ليقال عنه رحمه الله كان….وكان…وكان…ا
انا ارى انه يزداد المي كثيرا عندما يرحل شخصا وكان عاقا لوالديه مغضبا لربه او مغتصبا لحقوق الناس !؟؟عندها فقط احزن كثيرا لانه عاش ظالما للناس وفارق ظالما لنفسه في مواجهة محاسبه الخالق
اما من كانت سيرته عطره ورحل والناس تحبه وتترحم عليه ليس تعاطفا لفقدانه وانما رد جميل كان يتراكم عليهم من ذاك المرحوم………لن اطيل ولكن الوداع بالنسبه لي حقيقه مره منذ ان يفارق الجبين بطن امه فقد بدأت الرحله
تحياتي للكاتب واتمنى الا تفقد عزيزا
متفاءل فطن
زميلي العزيز متفائل فطن
تحية حارة لك
نعم يا عزيزي، الوداع حقيقة مرة خصوصاً إذا كان لا لقاء بعده
تحياتي الحارة
فرناس