يا سمو الرئيس … لم تجب على السؤال
Filed under Uncategorized by فرناس on 30-01-2008
Tags : شؤون كويتية
نشرت جريدة السياسة أمس الأول نص مقابلة صحفية مع سمو رئيس مجلس الوزراء الشيخ ناصر المحمد الصباح، إضغط هنا. تطرقت المقابلة إلى محاور متعددة وأسئلة متشعبة. بعض هذه المحاور كان، ويجب أن أسجل دهشتي وتعجبي الشديدين هنا لأنها أتت من أحمد الجار الله بالذات، كان جريئاً في الطرح ويتطرق إلى ما يدور على السنة الناس في أماكن كثيرة.
يبدو أن سمو رئيس مجلس الوزراء كان يعرف مسبقـاً إلى ماذا سوف يتطرق الحوار، فقد إستبق سموه الأسئلة بقوله: “أعرف يا أخ أحمد إنك قادم إلي لتقول لي أشياء كثيرة تأكد أنني أعرفها. فأنا أعرف أنك ستسألني عما يقال عن ضعف الأداء الحكومي وضعف رئيس الوزراء وعن الفساد الإداري وعن مخالب الروتين القاسية والبيروقراطية الموجودة في البلد”.
هذه المعرفة المسبقة من سمو رئيس الوزراء لمحاور المقابلة والتي يشذ محتواها تماماً عن خط وقناعات جريدة السياسة ومالكيها يجعلنا نتسائل عن سبب هذا “التوقيت” بالذات لطرح محاور “ضعف الأداء الحكومي وضعف رئيس الوزراء” كمادة صحفية. كما يجعلنا نتسائل عن ما إذا كانت أجواء ما بعد إستجواب نورية الصبيح قد ساهم في خلق مناخ، من وجهة نظر حكومية، يساعد على كسب نقاط إضافية لصالح الحكومة وشخصية رئيسها بعدما كانت محور إنتقاد للكثير من الأطياف السياسية والشعبية. هذه الأجواء، ربما، كانت السبب وراء هذه المقابلة وهذه الأسئلة.
سأل أحمد الجار الله سمو رئيس مجلس الوزراء السؤال التالي:
“سمو الرئيس هناك من يهمس وربما من يعلن أن سموكم أظهرتم ضعفاً في إدارة الحكومة، فهل هذا الضعف منكم أم من وزرائكم”؟
فجاء جواب سمو رئيس مجلس الوزراء كالآتي:
“سهل ان تقول ما تريد، وأنا اعرف أن مثل هذا الكلام متداول، لكنني قلت لك في بداية هذا الحديث أن أي طبيب متمكن، وقبل ان يصف الدواء عليه ان يشخص المرض بشكل صحيح. وقلت أن سنتين لا تكفياننا لنفض الغبار عن واقعنا الإداري كما أمرنا صاحب السمو أمير البلاد، ونحن أمامنا مرحلة نمو تمتد إلى ثلاثين سنة مقبلة. فهناك مدن ستقام في شمال البلاد، ومؤسسات صناعية ومصانع على حدودنا الشمالية وهناك عملية تنمية مكثفة مداها سيتجاوز ثلاثين سنة المقبلة. وهذه تحتاج الى وقت للتشخيص والعلاج. فقبل أيام وافقت المؤسسة التشريعية على اربعة قوانين مهمة من بينها تخصيص الخطوط الجوية الكويتية، وأملاك الدولة وخفض الضريبة. فيا أخي، عندما تتحدث عن ضعف رئيس الحكومة أو ضعف الوزراء لنلتفت أولاً الى ما يتم تحقيقه على الأرض. وبإستطاعة أي إنسان أن يذهب ويسأل عما يسمى “حكومة مول” وبقدرة المواطن أن يطلب منها أي شيء يريده من رخص، ومعاملات اخرى، وأنه يلقى تلبية لطلبه خلال ثلاثة ايام”.
وبعد أن أسهب سموه في شرح بعض منجزات أو ما سوف يُنجز من مشاريع حكومية، قال:
“ولذلك أرى أن القول إن الحكومة ضعيفة أو إنني ضعيف، مجرد جدل لا يلفت نظري ولا أتوقف عنده، لأنه أمامي تصور شامل فمن ضمن بنوده وضع البلاد على سكة القوانين التي ارتضيناها ونسير وفقها، وهذه السكة متعبة في البداية، لكن في المحصلة فإن كل واحد سيعرف ماله وما عليه”.
في البداية يجب التأكيد على أن المنجزات الحكومية، بغض النظر عن محتواها، لا تخضع لشخصية رئيس مجلس الوزراء، على الأقل هذه هي الحقيقة في الكويت. فما يمكن أن نسميها منجزات حكومية تطرق لها سمو رئيس مجلس الوزراء لا يمكن أن ننكر بأن دافعها الأصلي هو المطالبات الشعبية وأجواء الحريات الديموقراطية التي تسود الكويت. فمثلاً، عندما غابت الحريات والديموقراطية عن الكويت في عهد الشيخ صباح السالم رحمه الله، كان رئيس مجلس الوزراء آنذاك الشيخ جابر الأحمد الصباح. فما تم إتخاذه من قرارات حكومية مع إنجازاتها آنذاك كانت مخالفة ومتعارضة تماماً مع نفس القرارات الحكومية وإنجازاتها عندما كان الشيخ جابر الأحمد على رأس الإمارة في حالة العودة للحياة الدستورية كاملة. ولكنها عادت لتكون متوافقة مرة أخرى مع تلك القرارات والإنجازات الحكومية في النصف الثاني من السبعينات عندما تم حل المجلس النيابي مرة أخرى وتعطيل الحياة الدستورية ومحاولة التسويق للمجلس الوطني سيء الذكر من سنة 1986 إلى الغزو العراقي الغاشم. إذن “الإنجازات” الحكومية كانت، ولا تزال، محركها الأصلي هو أجواء الحريات والديموقراطية أو غيابهما ولا شأن لشخصية رئيس مجلس الوزراء في هذا الأمر. ولكني يجب أن أشدد على أمر مهم هنا. أنا لا أقول بأن قناعات مؤسسة الإمارة لا تشكل أي مادة في إدارة دفة البلاد، أنا لا أقول ذلك ولا أحاول نفيه، هذه سذاجة بالطبع، ولكنني أقول بأن ما تطرق إليه سمو رئيس مجلس الوزراء في دفع تهمة الضعف عنه من إنجازات حكومية على مستوى الإسكان والتنمية وغيرها من المجالات لا تخضع بأي شكل من الأشكال لشخصية من يتولى رئاسة مجلس الوزراء، وإنما دافعها الأصلي هو المطالبات والضغوط النيابية والشعبية والتي تستغل أجواء الحريات والديموقراطية لتحفيز الحكومة للقيام بهذه الإنجازات.
إن الدافع الأصلي لتوجيه إتهامات الضعف للشيخ ناصر المحمد إنما أتت من أمور مباينة تماماً لما تطرق إليه في مقابلته. فمثلاً، عندما وصف النائب وليد الطبطبائي رئيس الحكومة بـ “سائق الباص الذي يتخلى عن وزراءه عند كل محطة”، كان التلميح إلى أن رئيس الوزراء عنده أتم الإستعداد للخضوع إلى أي إبتزاز نيابي لتغيير الوزراء والتخلي عنهم من دون أية محاولة جدية لرفض هذا الإبتزاز النيابي الواضح بحيث أصبح سمو رئيس مجلس الوزراء يواجه مشكلة حقيقية في إقناع من يريده في كل مرة يريد فيها أن يستوزر شخصاً ما. وكمثال ثاني هو إسلوب الرضوخ التام لتدني لغة التخاطب والحوار من جانب نواب البرلمان في مواجهة أعضاء الحكومة. المثال الثالث، هو تبني أعراف قبلية في تمرير المعاملات والتي يتوسط فيها نواب خدماتيون، والتي من الواضح أنها مخالفة للقانون وأبسط مبادئ العدالة والمساواة بين المواطنين. أما المثال الرابع فهو الغياب الواضح والبادي للعيان للتناسق والتناغم الحكومي بحيث لا يجعلهم يبدون ككتلة واحدة متماسكة في مواجهة التكتلات السياسية المتواجدة على الساحة وفي داخل البرلمان. أما المثال الخامس هو طريقة إختيار الوزراء والتي من الواضح أنها لا تخضع لأي مقياس عقلاني واضح أو رؤية سياسية سليمة لإدارة شؤون البلاد.
إن إتهامات “الضعف” والتي تم توجيهها لسمو الشيخ ناصر المحمد لم تأتي بسبب غياب الإنجازات التي أتى على ذكرها في المقابلة، بل الحقيقة إن إقرار مشاريع تخصيص الخطوط الجوية الكويتية وأملاك الدولة وغيرهما هي إنجاز برلماني تشريعي بالدرجة الأولى لا شأن للحكومة فيها إلا في جانب التنفيذ، ومن الواضح أن التنفيذ لم يتم لأن هذه القوانين لم يمض عليها إسبوعان من إقرارها.
أتمنى على سمو رئيس مجلس الوزراء أن يعير الإهتمام هذه الجوانب التي أغفلها من إجابته في مقابلة جريدة السياسة حتى ينفي حقـاً عن نفسه تهمة الضعف، إذ بدونها لن تكتمل إجابة السؤال.
فرناس













