علينا دوماً أن نبحث في الإنسان قبل أن نبحث في الأحداث، فكما يكون الإنسان تكون الأحداث، وليس كما تكون الأحداث يكون الإنسان. إن الوطن أعز من أن يهدموا وحدته بدعاوى التعصب. وإن المستقبل يصنعه القلم لا السواك، والعمل لا الإعتزال، والعقل لا الدروشة، والمنطق لا الرصاص. والأهم من ذلك كله أن يدركوا حقيقة غائبة عنهم، وهي أنهم ليسوا وحدهم جماعة المسلمين. وليس هناك خطوط حمراء غير خطوط الدم الإنساني

حافظ الجمالي وفرج فودة

مقالة في أن العلمانية تحمي الدين من احتمال الإستبداد

Filed under Uncategorized by فرناس on 12-11-2008

Tags :


 

إن المتتبع لتاريخ الأديان يجد أن الأغلبية العظمى منها قد انشغلت بصراع مع العقائد المناهضة لها بصورة أو بأخرى. هذا الصراع المتعدد المحاور لابد وأن يحمل بذرةالإستبدادفي أعماق قناعاته ومبادئه وفقهه. فالجانب الأخلاقي في الديانات السماوية على سبيل المثال (لا تقتل، لا تسرق، لا تكذب …الخ) يتم إعادة تفسيرها وتحويرها في المجهود الفقهي اللاحق لموت الأنبياء ليتم استثناء الآخر المخالف منها والذي يكون موضوع هذا الصراع. بل حتى المبادئ المنصوص عليها صراحة في الكتب المقدسة، (لا إكراه في الدين) على سبيل المثال، يتم إغفال دلالتها الواضحة مع ثبوت مصدرها الإلهي لصالح آراء فقهية أخرى تؤطر وترسخ مفاهيم الصراع متعدد المحاور مع الإغفال المتعمد لإحتمال خطأ تلك الآراء. فـالدينالمنخرط في مثل هذا الصراع يتبنى بالضرورة وجهة النظر التي تصر على أنه لا يستطيع أن يهيمن إلا بواسطةالإستبدادبمعناه الشامل. والإستبداد هنا لابد وأن يبدأ في المجتمع الأصلي لهذه العقيدة، ولصالح أفراد قلة معدودون (علماء، فقهاء، آيات، سادة، شيوخ، أمراء، سلاطين…الخ) ويكون دائماً ضحاياه هم أفراد هذا المجتمع والذين يتبعون هذه العقيدة أو هذا الدين. فالتراث الديني الإسلامي المكتوب، بشقيه السني والشيعي، يحتقر “العامة” لصالح “الخاصة” في كل أدبياته، وكذلك التراث المسيحي في القرون الوسطى. هذا الإحتقار منشأه تلك الرغبة في الإستبداد والتي تستعصي على هؤلاء أن يجعلوا “العامة”، أو الأغلبية من الشعب، أن تنخرط تحت رغباتهم وآرائهم وفقههم ومواقفهم.

 

لكن المشكلة الخطيرة لا تتبدى في ذلك الصراع الخارجي والذي يتم بإسم “الرب”، ولكنها تتبدى في الإنقلاب الداخلي ضدالعامةومحاولة اخضاعهم لمفاهيم وممارسات الإستبداد بإسمالربأيضاً. فكل التاريخ الإسلامي والمسيحي على سبيل المثال، تعامل من يعطون لأنفسهم حق الكلام بإسم “الله” مع البلاد والعباد وكأنهم يملكون “الحق الإلهي” في الهيمنة والسيطرة على عباده وبلاده. وفي كل هذا التاريخ، حتى في الفترات التي يعتبرها هؤلاء على أنها “ذهبية”، نجد أخبار وروايات الإستبداد الموجهة ضد المجتمع نفسه وضد “المؤمنين” أنفسهم متناثرة هنا وهناك في مصادرهم. هذا الإستبداد، ويال الغرابة، تحول في بعض جوانبه إلى مصدر للتشريع في كيفية التعامل مع أهل الذمة أو أهل البدعة مثلاً في الإسلام وإلى محاكم للتفتيش ووحشية الحروب الصليبية عند المسيحيين مع التعمد الصريح والمباشر لإلغاء حقيقة أن من كانوا “ضحايا” هذه الممارسات هم المواطنين الأصليين لهذه البلاد، ودافعي الجزية، ومن تصادف وجودهم في القرى والمدن التي “فُتحت” ليجدوا أنفسهم قتلى أو أسرى أو رقيق أو جواري، ومن يزرعون “السواد” في تلك البلاد ليطعموا أفواه الفقهاء والشيوخ والأمراء والسلاطين والجيوش.

 

الإستبداد هو ما يسعى لهفقهاءالدين ورجاله وشيوخه وآياته. هذه هي حقيقة البلاد التي تريد أن تضع رجل الدين (شيخ، عالم، فقيه، آية الله، سيد) في موضع السياسة والتدخل في شؤون الدنيا.  وهذه حقيقة أن أول وآخر إنسان أفتى من سألوه بـ (أنتم أعلم بشؤون دنياكم) هم الأنبياء والرُسل، أما من أتى بعدهم فقد اجتهدوا ليلغوا هذا الحكم من كل كتب الفقه والفتاوى والدين. إنه الإستبداد الذي يسعى إلى فرض الرأي بإسم الرب، وذلك حتى يضمن عدم الإعتراض والرفض، لأن الرفض لا يعني أن من يمارس الرفض هو خارج عن سلطة الشيخ أو آية الله، ولكنه سوف يعني أنه خارج عن حكم الله نفسه. هذاالتقمصالذي يدعيه هؤلاء الشيوخ والفقهاء هو أصل الإستبداد وموضوع صراعه مع أفراد مجتمعه. وهذا هو حقيقة التاريخ الديني منذ أول يوم يتوفى فيه الرسل والأنبياء إلى يومنا هذا.

 

عندما نُصر على أن الدين، أي دين، هو أمر لا يعني السياسة بشيء، فإننا في الحقيقة نحمي هذا الدين من أن ينخرط في الإستبداد الذي رأينا صوراً كثيرة جداً له في التاريخ القديم والمعاصر. فالدين الذي يتبنى الإستبداد كموضوع فاعل في المجتمع لن يفرز إلا دكتاتوريات على أرض الواقع (ايران، السعودية، حكومة طالبان، نموذج الرئيس المؤمن في مصر، أمير المؤمنين الحسن الثاني في المغرب، أمير المؤمنين جعفر نميري في السودان، أئمة اليمن…الخ) ويكون ضحايا هذا الإستبداد هم أفراد المجتمع ذاته قبل الآخرين خارج حدود دولهم. إننا نحمي الدين من نفسه، وعندما نقول “نفسه” فإننا نعني من يدعي تمثيله ليعطي لنفسه أو لمن يشاء حقوقـاً ما أنزل الله بها من سلطان. العلمانية، في ضمن جوهرها، حماية الدين من أن يستبد على رعاياه قبل أن يستبد على الآخرين.

 

إنها حماية للدين من هذا الإحتمال، وأيكم على الحقيقة يريد أن يحيا كما يعيش من ذكرناهم أعلاه في دولهم؟

 

 

فرناس

 

 

 

 

Subscribe to RSS Feed Rss