علينا دوماً أن نبحث في الإنسان قبل أن نبحث في الأحداث، فكما يكون الإنسان تكون الأحداث، وليس كما تكون الأحداث يكون الإنسان. إن الوطن أعز من أن يهدموا وحدته بدعاوى التعصب. وإن المستقبل يصنعه القلم لا السواك، والعمل لا الإعتزال، والعقل لا الدروشة، والمنطق لا الرصاص. والأهم من ذلك كله أن يدركوا حقيقة غائبة عنهم، وهي أنهم ليسوا وحدهم جماعة المسلمين. وليس هناك خطوط حمراء غير خطوط الدم الإنساني

حافظ الجمالي وفرج فودة

ديموقراطية صراع المصالح والمذاهب والأعراق

Filed under Uncategorized by فرناس on 19-11-2008

Tags : ,


 

الديموقراطيات، في العادة، تعتمد على محورين أساسيين لتفعيل ارادة الأمة في حكم ذاته. تداول سلمي للسلطة التنفيذية، وأداة تشريعية ورقابية منتخبة. هذين المحورين هما أساس الديموقراطيات الناجحة والتي تتفوق، كدول وكشعوب، على قطعة الأرض الكبيرة الممتدة من موريتانيا والمغرب غرباً وحتى افغانستان وباكستان شرقـاً. فالدولة في تلك الديموقراطيات ما هي في الحقيقة إلا انعكاس لـ “برنامج عمل” اقتصادي وسياسي واجتماعي وتنموي وتربوي وصحي، كلها تتجسد كنتيجة عند صناديق الإقتراع، إما لجهاز تنفيذي أو لجهاز تشريعي. في تلك الدول، المتفوقة على من سواها، لا يكون المعيار ابداً دين أو مذهب أو عرق أو لون، ولكن المعيار هو دائماً النزاهة والتزام القانون والتاريخ المهني والخبرات السياسية، هذا على المستوى الشخصي، أما على المستوى العام فالمعيار هو القناعة الشعبية بما يطرحه من برنامج متكامل.

 

عندنا هنا في الكويت ديموقراطية عوراء وعرجاء. هي عوراء لأن مبدأ تداول السلطة التنفيذية لا يقره الدستور، وحسناً فعل. وهي عرجاء لأن الشعب يتصرف وكأن “الحرية” شيء طارئ عليه، وكأن “الدولة” هي قطعة أرض تدور عليها معركة بين الطوائف والقبائل والأعراق، وكأن “المستقبل” شيء سوف يكون في مكان ما بعيد عن مكان إسمه الكويت. فلا شيء صحيح عندنا في الدولة، ولا شيء صحي يوحي بتعافي قناعات الشعب. فالأمة عندنا لا تستطيع إلا أن تفكر من خلال “مصلحة”، وهذا شيء ممتاز، ولكن البؤس الكويتي يتجلى في أن هذه المصلحة لا تعدو أن تكون مصلحة شخصية تبرز من خلال شخص أو عائلة أو قبيلة أو مذهب. هذهالمصلحةهي ليست مصلحة أمة، ولكنها مصلحة قطاع في مواجهة أمة. وهذا هو سبب التأزيم المستمر الذي نراه في الكويت.

 

مصلحة القطاع في مواجهة الأمة يتجلى بصورة واضحة من أول مصروفات مكتب سمو رئيس مجلس الوزراء وهداياه ومروراً بكيفية ترسية مشاريع الدولة ومروراً بمشرعين لا يفقهون في التشريع ألفه من باءه من ياءه ونهاية بشعب وقف كله على أطراف أصابع قدميه بسبب “رجل” واحد دخل الكويت ولتدخل الأمة ومؤسسته السياسية والتشريعية معه في أزمة من المحتمل أن تنتهي بإستقالة الحكومة وحل مجلس الأمة، بسبب رجل واحد دخل الكويت، رجل واحد. يالها من أمة، وياله من شعب، ويالها من قضية مصيرية أوقفت كل مهام مجلس تشريعي منتخب بأكمله، وياله من مجد دخل معه هذا الرجل تاريخ الكويت السياسي من أوسع أبوابه.                                                    

هذا “البؤس” السياسي لا نستطيع أن نفهمه ونستوعبه إلا من خلال مبدأ (مصلحة القطاع في مواجهة الأمة). والقطاع هنا قد يكون فرد يريد من مكتب رئيس مجلس الوزراء أن يستمر في شراء “البخور” من دكانه، أو عائلة تريد أن تجمع النفوذ السياسي مع المصالح التجارية لها كنوع من أنواع الضمان أو رغبة في توسيع مصالحها التجارية، أو قبيلة تريد أفرادها، وأفرادها فقط لا غير دون سواهم، أن يهيمنوا على مراكز ووظائف ومناصب الدولة لتتقلص معها مفهوم المواطنة إلى مجرد إنتماء أقرب إلى النرجسية المرضية أو حتى العنصرية لا تعترف بالآخر إلا على أنه منافس أو خصم يريد أن يجردها ويحرمها من تلك المراكز، أو مذهب يرى نفسه أنه هو “الإسلام” وأن الآخر المخالف هو كافر أو مبتدع يجب أن يتم قمعه أو أن ندخل معه في صراع من نوع ما. وهذا الصراع المذهبي الأخير هو الأكثر شراسة حتى وإن كان لا يبدو على السطح كذلك. هو شرس لأن صراعه الحقيقي لا يدور أمام أعين الناس مراقبتهم، ولكنه دائماً يدور أولاً في الغرف المغلقة متخذاً شكل التحريض والإتهام والسخرية والسباب والشتائم والنبز والتكفير. هذه الغرف المغلقة هي أدوات الشحن لشعب يملك الوقت الكثير، الكثير جداً، لأنه لا يعمل ولا يُنتج، وليغدو عنصراً فاعلاً في حرب خفية منافقة متلونة يشنها أولاً على جاره، ثم على زميله في العمل، ثم على المظاهر الإجتماعية التي تُبرز التباين الثقافي والعقائدي، ثم عند صناديق الإقتراع والتي من المفترض أن تكون لإختيار فرد يرسم له مستقبله ومستقبل ابنائه.

 

هذه هي حقيقة ديموقراطية المصالح والمذاهب والأعراق عندنا في الكويت، وهي بائسة بؤس قناعات شعب وممارساته. هي نتيجة لشعب لا يريد أن ينظر شمالاً ليتعظ ويعتبر، ولا يريد أن ينظر شرقـاً ليرفض ويقف، ولا يريد أن ينظر جنوباً ليستخدم العقل والمنطق ليخاف على مستقبله وأمواله وثرواته ومجتمعه وأفراده وأجياله. هي ديموقراطية شعب لا يريد أن يفهم أن “المصالح” هي للأمة جمعاء، حتى لا يختار مرشيحه على أساس عمامة سوداء ثم ليصيبه وهم أنها نوع من أنواع النصر أن تدخل قبة البرلمان، و أن لا يختار من يرفع شارةالنصر” على مؤسسات الدولة وشرعيتها التي أتت لتزيل مخالفاته أو لتمنع احتقاره للقانون الذي أقرّه الشعب الكويتي من خلال مؤسسته التشريعية المنتخبة، وأن لا يختار من يعطيه وهم النصر على فئات أخرى من الشعب ذوي مذهب أو عرق أو أصل مخالف مع أنهم كويتيون مثله تماماً. إنها ديموقراطية لا تعترف بالمواطنة إلا على أنها مصلحة، ولا شيء غير المصلحة، يريد من يمارسها أن “يمص دمائها” حتى آخر قطرة ثم ليلفظها من فمه.

 

هذه هي ديموقراطية الكويت. هي في الحقيقة ديموقراطية الصراع، صراع فئات وطبقات ومذاهب وقبائل الشعب مع بعضها البعض. هي ليست ديموقراطية صراع البقاء والتميز وتحدي صعاب المستقبل والواقع، إنها افراز شعب يريد أن ينقل صراعه وعقده وبؤسه الإجتماعي إلى أروقة البرلمان. إنها معركة بين مذهب ومذهب آخر، إنها معركة بين عرق وعرق آخر، إنها معركة بين حضر هذه البلاد وبين ذوي الأصول البدوية، وهي تتبدى في أزمة تلو أزمة. فما حقيقة أزمة التأبين إلا هذه، وما حقيقة أزمة الفرعيات إلا هذه، وما حقيقة أزمة المدعو الفالي إلا هذه. بل حتى الإستجوابات، كإستجواب وزيرة التربية نورية الصبيح، تحول بقدرة قادر إلى صراع بين بدو وحضر، بدو المجتمع الكويتي وحضر المجتمع الكويتي، صراع الجار مع جاره، وزميل العمل والدراسة مع زميله، وصراع الصديق مع صديقه. هذا هو أساس التأزيم في حياة الكويت السياسية. ولهذا السبب أصبح الشعب الكويتي، في معظمه، هو من سوف يهدم مستقبل هذا الوطن.

 

 

فرناس

 

 

 

 

Subscribe to RSS Feed Rss