علينا دوماً أن نبحث في الإنسان قبل أن نبحث في الأحداث، فكما يكون الإنسان تكون الأحداث، وليس كما تكون الأحداث يكون الإنسان. إن الوطن أعز من أن يهدموا وحدته بدعاوى التعصب. وإن المستقبل يصنعه القلم لا السواك، والعمل لا الإعتزال، والعقل لا الدروشة، والمنطق لا الرصاص. والأهم من ذلك كله أن يدركوا حقيقة غائبة عنهم، وهي أنهم ليسوا وحدهم جماعة المسلمين. وليس هناك خطوط حمراء غير خطوط الدم الإنساني

حافظ الجمالي وفرج فودة

إلى محمد عبد القادر الجاسم…تجاوز فوبيا الشيوخ

Filed Under (Uncategorized) by فرناس on 23-11-2008

Tagged Under :


 

أنا، وهذه حقيقة، من المعجبين في بعض جوانب طرح محمد عبد القادر الجاسم. فالرجل بالتأكيد لديه ما يقوله وعلى محاور عدة. ولا استطيع أن أنكر أيضاً بأن مهنته السابقة كصحفي قد صقلت آرائه ومواقفه وقلمه. فالرجل يقرأ له الكثيرون، كما أقرأ له أنا، ويتبنى آراءه ومواقفه أيضاً بعض من يقرأ له بقناعة تامة وحماس شديد. ولا يقلل من قيمة كتاباته أو مواقفه ما يردده الكثير من تعارض مواقفه وآراءه مع زمان مضى أيام كان ضمن طاقم جريدة الوطن، وأنه يفعل ما يفعل بسبب مقدمات خروجه من هذه الصحيفة وما نتج عنها. فأنا، مقتنع تماماً، بحق أي فرد في أن يغير موقفه وقناعاته إذا ما تبين له أنه كان على خطأ، هذا مبدأ، ولا أقصد به تحديداً محمد عبد القادر الجاسم ولكن أتكلم هنا بصفة عامة. فالرد البسيط على من يتبنى هذا الرأي هو السؤال البديهي: وماذا يكون أفضل من وجهة نظرك، الإصرار على الخطأ والمكابرة عليه، أو الرجوع إلى الحق والدعوة إليه؟

 

محمد عبد القادر الجاسم كتب مقالة في موقعه تحت عنوان “بنغال وقطارة”، رجاءً إضغط هنا، جاء فيه ما يلي:

 

“أكتب هذا المقال رداً على الإنتقادات الحادة التي وجهها بعض المسؤولين في المملكة العربية السعودية الشقيقة ودولة قطر الشقيقة للأوضاع السياسية في الكويت، والتحريض الذي مورس ضد الحرية التي ننعم بها. أكتب هذا المقال بمناسبة العرض القطري الإستفزازي الذي قدمه رئيس وزراء قطر إلى دولة الكويت بإرسال قوات قطرية متخصصة في مكافحة الشغب للتعامل مع الإحتجاجات الشعبية المتوقعة بعد حل مجلس الأمة وتعليق الدستور. أكتب هذا المقال بمناسبة ما يتردد من احتمال الإستعانة بقوات بنغالية لمواجهة الكويتيين في حال احتجاجهم على تعليق الدستور“.

 

 

في هذه المقالة، وفي مقدمتها بالذات، “يجزم” محمد الجاسم بأن قراراً بالحل غير الدستوري قد اتخذ بالفعل، وأن القطريين والسعوديين و “البنغال” على علم به قبل أي أحد آخر في الكويت حتى تتوالى “العروض”، كما يسميها هو، على مؤسسة الإمارة في الكويت. بالطبع هذا الرأي، لأي قارئ يملك ذرة من العقلانية، يعلم أنه مُبالغ فيه ولن يستطيع الجاسم، ولا غيره، أن يدلل عليه. إذ كيف يستقيم، منطقياً، أن يبعث، ولن أقول يتورط في إرسال، القطريون ابنائهم ليكونوا في مواجهة ردود أفعال محتملة من الكويتيين، وتحمل طابع العنف كما توحي المقالة، وليكون هناك إحتمال “ضحايا” من الجانبين. كيف يستقيم، منطقياً، أن تكون قطر والتي يعلم الجميع بلا استثناء بأن طموحها السياسي يتعدى بمراحل إقليمية الخليج العربي والهيمنة السعودية عليه، متورطة بمشكلة داخلية كويتية لن ينتج عنها إلا اتهامات القمع والإرتزاق. كيف يستقيم أن يكون مثل هذا الإتهام الخطير من جانب الجاسم مجرداً من أي دليل أو مصدر، ثم ليبني عليه مثل هذه الإستنتاجات. كيف يستقيم أن يتحول أفراد القوة البنغالية، والتي كانت مهمتها الأساسية في الكويت إزالة الألغام المتخلفة من الغزو العراقي، إلى عناصر قمع الشغب والتعامل مع المظاهرات التي من المؤكد أنها سوف تكون سلمية من جانب الكويتيين فيما لو، لو، افترضنا جدلاً أن هناك حلاً غير دستوري.

 

أنا أعلم يقيناً أن السعوديون لا يريدون هذه الديموقراطية على حدودهم، ولذلك حتى الطرح السلفي الرسمي هو ضد الإنتخابات وضد الديموقراطية وضد الحريات بمعناها المدني الحديث. ولكن أن نفترض بأن مجتمع السبعينيات والثمانينيات في الكويت هو نفس المجتمع الكويتي اليوم هو شطط في الإستنتاج حتى من جانب السعوديين أنفسهم. والسبب هو أنه “لا الناس مثل الناس ولا الزمان مثل الزمان”. فالقرار الكويتي اليوم هو ليس قرار مستقل حتى في الشأن الداخلي، فالضغوط الخارجية من جانب “الحلفاء” هو أمر لا يمكن انكاره. والإفتراض بأن الكويت هي أفضل وأشد بالأهمية من باكستان أيام الرئيس الباكستاني السابق برويز مشرف عندما أعلن حالة الطوارئ وعطل العمل بالدستور هو إفتراض، على أحسن أحواله، ساذج.

 

ثم هناك أمر آخر، أنا أتعجب منه خلال طرح السيد الجاسم. عندما يطرح مثل هذا الإتهام المجرد من الدليل، هل كان يعتقد أن مثل ردة الفعل أدناه من وزير الداخلية هي خارج نطاق المعقول والمتوقع:

 

“نفى وزير الداخلية الفريق ركن متقاعد الشيخ جابر الخالد بشدة “الإشاعات والأقاويل التي يروجها البعض في الكويت عن وجود عروض من دول عربية ومن قطر تحديداً في شأن إرسال قوات خاصة للمشاركة مع نظيرتها الكويتية لقمع أي معارضة قد تقوم لمناهضة النظام اذا حل مجلس الأمة حلا غير دستوري”. وقال الخالد لـ “الراي”: “لم أسمع بهذا الكلام، فنحن والحمدلله نعمل بشفافية ورأسنا مكشوف ولا نعمل في الظلام”، مشيراً إلى أن الكويتيين “يستطيعون التغلب على مشاكلهم في ما بينهم”. وأضاف الخالد: “نحن نقرأ لمن ينتقدون نقداً من أجل المصلحة العامة ونحترمهم، أما مؤججو الفتن فالكل يعرف نواياهم، وكلنا عيال قرية وكلن عارف خيه (…) ونعرف كذلك من يتعرضون للقيادة السياسية أمام الأميركيين وهم سكارى!”. للمصدر، رجاءً إضغط هنا.

 

 

السيد الجاسم، خلال متابعتي لما يكتبه، يجنح في أحيان كثيرة إلى تهويل الأمور وجعلها وكأنها مؤامرة، إما تستهدفه شخصياً أو تستهدف أبنائه أو تستهدف الشعب الكويتي برمته. أنا في النهاية لا أنكر أن السياسة هو تخطيط وتوقع ردود أفعال، قد يسميها البعض مؤامرة وقد يسميها البعض سياسة، ولكن أن يكون الطرح دائماً، دائماً، من خلال فكرة “مؤامرة الشيوخ” ضد جهة ما، ما هو إلا شيء لا يمكن القبول به هكذا ومن دون دليل واضح بيّن. هذه الـ “فوبيا” التي باتت بارزة في كل ما يطرحه محمد عبد القادر الجاسم أصبحت، أقل ما يقال فيها، أنها مملة. نعم، كان هناك تاريخ يؤيد فكرة (فوبيا) السيد الجاسم، ولكن أن نسقط كل شيء اليوم في هذا الوطن، حتى التنبؤ والضرب في الودع، على فكرة مؤامرة الشيوخ فهذا شيء يجب أن يقف عند حد.

 

أنظر حولك، وسوف ترى أن حتى من كانوا يدافعون عن الديموقراطية ويتسمون بها، تحولوا فجأة إلى كفار ومشركين في الفكرة. هل هذه مؤامرة أيضاً؟!

 

أنظر حولك، وسوف ترى أن الكل أصبح يقاضي الكل في المحاكم حتى مضاربي البورصة ومقامريه، بالقاف، قاضوا الحكومة وربحوا قضية تعجب لها كل عاقل في العالم. هل هذه أيضاً مؤامرة؟!

 

أنظر حولك، وسوف ترى أن ثالث رجل في الدولة قد قيل فيه ما لم يقله مالك في الخمر. هل هذه أيضاً مؤامرة؟!

 

أنظر حولك، وسوف ترى أن من أول رجل في البرلمان المنتخب وذو الحصانة إلى آخر موظف في وظيفة ثانوية في وزاراتنا أصبح يهدد الحكومة. هل هذه أيضاً مؤامرة؟!

 

 

أنظر حولك، أنظر حولك، ثم تجاوز هذه الفوبيا.

 

 

فرناس

 

   

 

إذا أردت أن تشارك الآخرين بهذه المقالة
  • Facebook
  • Digg
  • Twitter
  • MySpace
  • del.icio.us

Comments:

8 Responses to “إلى محمد عبد القادر الجاسم…تجاوز فوبيا الشيوخ”


  1. عزيزي فرناس

    إسمح لي أبارك لك ولو متأخرة على إصدار الكتاب وبحثت عنه ولم أجده حتى الآن. ألا يمكن توفيره على مكتبة النيل والفرات؟

    بالنسبة لموضوع السعودية والكويت… صدق أو لا تصدق… يقال أنهم طلبوا من حكومتنا السيطرة على الحركة الإسلامية في الكويت لأنهم في السعودية يحاولون أن يتقدموا ويفتحوا البلد… وأصوات جماعتنا تثير جماعتهم وتمنعهم من تحقيق الانفتاح الذي يريدونه!!! :-)

    انقلبت الآية

    وخبز خبزتيه يا الرفلة أكليه


  2. الاستاذ فرناس

    كيف حالك أخي العزيز؟

    بالطبع ليست كل علة بالبلد نتيجة مؤامرة لكن هذا لا ينفي وجود مؤامرة بالفعل وانت تعلم هذا جيدا. أنا مثلك أحد قراء السيد الجاسم ومعجب بجرأته وتكتيكه بالكتابة. مرات “يهوس” ومرات يخفف وبحكمة.

    أما عن تصريح الخالد فلا أراه يعني أي شيء حيث اننا لم نعتاد من الحكومة على “أي” مصداقية وهنا لا أقصد الوزير الخالد بل مجمل الحكومة والتاريح شاهد على مصداقيتها المعدومة. تأكيد الحكومة أو نفيها لأي موضوع لا يعني وجوده أو عدمة. ما طرحه الجاسم من عروض أمر خطير جدا ان تأكدت صحتها وها نحن منتظرين.

    ما تفضل به “مو بعيد عليهم” لكن أسأل الله تعالى ان يكون خطأ بخطأ

    شكرا


  3. العزيز فرناس

    لخصت كل ما خطر في بالي عندما قرأت مقالة الجاسم

    الجاسم للأسف و رغم اعجابي بقلمه و رأيه، تقوقع و اختزل مجمل اطروحاته حول دائرة واحدة، حاله من حال احمد الخطيب: “الشيوخ” و ان كان اقل نرجسية من احمد الخطيب، بالمقابل اعتقد بان الجاسم يعلم يقينا بان سمو الامير يملك من الحكمة ما يجاوز حكام المنطقة

    الخبر اتعلمنا عنه و لم تخرج عن دائرة قراءته في موقعه، و ان كنت لا اعتقد بان السعودية و قطر او في روايات اخرى البحرين لديهما من الشجاعة ان يصرحا رسميا بذلك

    بالنهاية الجاسم طلع لنا بانه يعاني من فوبيا الشيوخ كحال احمد الخطيب الذي عانى من جين المهايط و هذا مؤسف حينما يكون اثنان من اصحاب الفكر و الرأي و يختزلان كل ما يحدث بالشيوخ

    تحياتي لك عزيزي، فانت تثبت يوما بعد يوم ان اعتزازنا بك كمدون و عقلية كويتية لم يأتيا من فراغ

    نقطة اخيرة ليست ذات صلة بالموضوع
    بحثت عن كتابك في الاردن و للاسف لم انجح في العثور عليه، و لأني اطمع بان احصل على نسخة موقعة من قبلك فقد قررت ان انتظر حتى وصولي للكويت بتاريخ3-12 لأحاول ان انسق معك طريقة لذلك

    اسف على الازعاج و شكرا جزيلا


  4. عزيزي فرناس

    ممكن تنشر أسم كتابك حتى نتمكن من شراءه

    وتقبل عذرنا لعدم معرفة أسم المؤلف

    : )


  5. Arfana العزيزة

    تحية حارة لكِ

    الكتاب متوفر على موقع النيل والفرات يا عزيزتي، الفرق الوحيد هو في لون الغلاف لا غير.

    وبالنسبة للسعودية والكويت، لا أستطيع أن أقول إلا شر البلية ما يضحك يا عزيزتي…نحن بالتأكيد في زمن العجائب.

    تحياتي الحارة
    فرناس


  6. زميلي العزيز كويتي لا يعه كبده

    تحية حارة لك

    المسألة من الأساس هي محاولة إسقاط حتى غير المعقول، على الأقل من وجهة نظري الشخصية، على فكرة المؤامرة. نعم أنا أتفق معك أن تصريح الخالد لا يثبت أو ينفي أي شيء، ولكن السيناريو الذي تفضل به محمد الجاسم هو، مرة أخرى من وجهة نظري الشخصية، أقرب إلى الوهم منه للخيال.

    أنا أعرف أن السيد الجاسم يملك من الحصافة والخبرة الصحفية ما يجعله مؤهلاً لأن يحكم على ما يسمعه من فلان أو علان بأنه معقول أو غير معقول. ولكن وجهة نظري أن تلك الحالة التي باتت واضحة في كتاباته وعلى شكل هلع مبالغ فيه لردود أفعال أو مؤامرات الشيوخ جعلت هذه الحصافة والخبرة في موقع ثانوي للحكم على ما يسمعه أو يُنقل إليه. السيد الجاسم، مع احترامي الشديد له، أصبع مثل الراعي الذي كان يصيح على أهل القرية بتواجد الذئب، حتى إذا هرع أهل القرية لمساعدته وجدوه يسخر بهم. وفي يوم من الأيام سوف يصرخ السيد الجاسم بأعلى صوته: الذئب الذئب، وسوف يكون صادقـاً، ولكن لن يأتي له أحد لمساعدته لخوفهم من أن يجدوه كالعادة يسخر بهم

    تحياتي الحارة أيها العزيز
    فرناس


  7. EXzombie زميلي العزيز

    تحية حارة لك

    الدوران في حلقة مفرغة هي شيء غير مقبول بغض النظر عن من يمارسها. وأيضاً، نحن نتوقع من أهل الخبرة والرأي أن ينقدوا أنفسهم أولاً فيما يحاولون أن ينقلوه إلى الآخرين حتى، على الأقل، يحافظوا على صفة المصداقية التي هي عنصر شديد الأهمية لمثل هؤلاء.

    الكتاب سوف يكون في انتظارك متى ما شئت يا عزيزي. لا تحاتي، نسختك محفوظة

    تحياتي الحارة يا عزيزي
    فرناس


  8. زميلي العزيز / زميلتي العزيزة

    تحية لك

    إسم الكتاب:

    السلفية والعلمانية
    اشكالات الرؤى والممارسة

    سوف تجدين معلومات كاملة عنه هنا

    http://fernas.blog.com/4094271/

    الكتاب متوفر في معرض الكتاب عند مكتبة الربيعان في القسم الكويتي من المعرض، وأيضاً متوفر لدى الناشر دار الحصاد في القسم غير الكويتي

    تحياتي الحارة
    فرناس

Leave a Reply

Subscribe to Rss Feed : Rss