علينا دوماً أن نبحث في الإنسان قبل أن نبحث في الأحداث، فكما يكون الإنسان تكون الأحداث، وليس كما تكون الأحداث يكون الإنسان. إن الوطن أعز من أن يهدموا وحدته بدعاوى التعصب. وإن المستقبل يصنعه القلم لا السواك، والعمل لا الإعتزال، والعقل لا الدروشة، والمنطق لا الرصاص. والأهم من ذلك كله أن يدركوا حقيقة غائبة عنهم، وهي أنهم ليسوا وحدهم جماعة المسلمين. وليس هناك خطوط حمراء غير خطوط الدم الإنساني

حافظ الجمالي وفرج فودة

السياسة في الكويت والوطن العربي

Filed under Uncategorized by فرناس on 02-02-2009

Tags : ,


 

 

إن أمم وشعوب العالم تتصارع فيما بينها، بطريقة أو أخرى، من خلال السياسة والسياسيين أولاً. فما المواجهات العسكرية في الحقيقة إلا أدوات سياسية بالدرجة الأولى يوجهها الساسة، ممن لم يحملوا سلاحاً قط في حياتهم وقضوها كمدنيين يتجولون في أرجاء البلاد، في سبيل قضية محددة في إطار وطني على الأغلب. وهذا الصراع لابد وأن يتعلق بمصلحة محددة، إذ أن السياسة هي فن جلب المصالح. وكل أساليب وديناميكيات السياسة تتعلق بطريقة أو بأخرى بالمصلحة وطرق الحصول عليها. ومنذ أن كتب نيقولا ميكافيلي كتابه الشهير “الأمير” وحتى يومنا هذا، فإن السياسة تعلقت، أكاديمياً وعملياً، بالمصلحة ولا شيء غير المصلحة. فعندما يتكلم سياسيي دول “العالم الأول” نراهم يتكلمون بالدرجة الأولى عن تبادل المصالح، وعن طرق التجارة والنقل، وعن الإقتصاد الوطني، وعن الطبقة الوسطى، وعن الموارد، وعن فرص العمل، وعن الصادرات في مقابل الواردات، وعن القوة العسكرية، وإلى آخر المصطلحات التي تترجمها كلمة “مصلحة”. فعلى العكس من سياسيي “العالم الثالث”، أو الرابع كما أطلق على دول الخليج العربي في يوم ما، فإن هؤلاء السياسيين هناك، وبغض النظر عن صدقهم على المستوى الشخصي من عدمه، يُفرض عليهم فرضاً العمل داخل الإطار الوطني المصلحي، والوطني على معنى “المجموع العام“، وإلا فالطرد والتهميش هو مصيرهم لا محالة.

 

ولكن على الطرف النقيض من هذا كله تقف الدول العربية، وخصوصاً دول الخليج، كدول يبدو فيها أن سياسييها مشغولون بمضامين لا تعكس المصلحة الوطنية كسياق عام. فالشعار المرفوع يعكسمصلحةمن نوع ما يتم نبزها على أنهاوطنية“، ولكن المضمون ليس بالضرورة هو الإطارالوطنيعلى معنى المجموع العام. فالوطنية قد يكون مرجعيتها (شخص الحاكم) الذي يذوب فيه الوطن تماماً بحيث تصبح “المصلحة” الوطنية ومصلحة شخص الحاكم هما شيء واحد. وقد يبدو هذا غريباً بعض الشيء، ولكن سوف تزول الغرابة إذا علمنا أن مصطلح “المصلحة” لابد وأن ينطلق من مرجعية محددة. فكل “مصلحة” هي نتيجة لجهة معينة رأت في ظروف أو نتيجة محددة أنها ذات فائدة. فإذا كانت الذهنية السياسية للشعب وسياسييه قد قبلت شخص الحاكم أن يندمج تماماً في مصطلح (المصلحة الوطنية) بحيث يكونان شيئاً واحداً، فإن النتيجة الحتمية لكل السياسات التي سوف يتبعها سياسيي هذه الدولة بالذات ما هي في الحقيقة إلا إنعكاس لمصلحة شخص الحاكم وليس الوطن أو الشعب. بل حتى وإن نتج عن هذه الذهنية مصلحة وطنية شاملة من نوع ما، فإن هذه المصلحة قد كانت نتيجة حتمية لمصلحة شخص الحاكم أولاً وإفراز لاحق لها. وكذلك هو الحال إذا استبدلنا (شخص الحاكم) بالقبيلة أو المذهب أو العرق، فإن النتيجة الحتمية لكل السياسات التي تنطلق من (عنصريات) محددة داخل النسيج الإجتماعي ما هي في الحقيقة إلا كوارث على الدولة والمجتمع.

 

فالكويت مثلاً تمتلك ديموقراطية غير كاملة، ولكن ليس هناك أيضاً ما يقترب من حرياتها المدنية المكفولة للفرد والشعب من المملكة المغربية غرباً وحتى سلطنة عمان شرقـاً. فالنموذج الكويتي الديموقراطي أفرز حالة من الحرية لا يضاهيها أية حالة في الوطن العربي خلال الستين سنة الماضية. هذه حقيقة لا يكابر عليها إلا أعمى. ولكن، وعلى الجانب الآخر، فإن الوضع الكويتي السياسي والإقتصادي هو أيضاً من السوء بحيث لا يرتفع إلا عن دول مثل الصومال وموريتانيا واليمن وليبيا. وهذه أيضاً حقيقة لا يكابر عليها إلا أعمى. بل الحقيقة إن هذه الدول على المدى البعيد سوف تتفوق على الكويت بسبب توفر العمق الجغرافي والموارد الطبيعية وأيدي العمل الرخيصة وغيرها من العوامل. فليس للكويت اليوم من ميزة إلاكمية المالالتي توزعها الدولة على مواطنيها كنتيجة لبيع سلعة واحدة ناضبة هي النفط، وبدون مقابل انتاجي فاعل ذو مردود اقتصادي على الوطن. لا يوجد أي ميزة حقيقية للفرد الكويتي، كعنصر فاعل منتج، على حتى هذه الدول الذي ذكرناها إلا بكمية المال الذي توزعه عليه الدولة. وهذه أيضاً حقيقة ثالثة لا يكابر عليها إلا أعمى. ولهذا السبب فإن القناعة (الوطنية) لدى الشعب الكويتي تركزت على منطق (الإستحواذ) على أكبر كمية من المال الناتج عن بيع هذه السلعة الوحيدة الناضبة. ولا يشذ عن هذا المنطق أية فئة من الشعب الكويتي أبداً، لأن حتى الممارسات السياسية والإقتصادية أصبح قبولها أو الهجوم على مبادئها ينطلق من هذا المبدأ أو المنطق. ولهذا السبب أيضاً فإن (الحرية) الكويتية الفريدة من نوعها تم تجييرها تماماً لصالح هذا الإستحواذ ولكنه ينطلق من (مصلحة) قبيلة أو طبقة أو مذهب أو عرق. فحتى المؤسسات الأكاديمية والبحثية العلمية التي صرفت عليها الدولة مئات الملايين من الدنانير هي من أسوء المؤسسات على مستوى الوطن العربي، ولم تنافس على مستوى العالم حتى على ترتيب الأربعة آلاف وما فوق، والسبب هو أساليب التعيين ومعايير الإختيار التي انغمست انغماساً في هذه (العنصريات) وفي سبيل (الإستحواذ) الذي يتبناه الشعب كمنطق. بل حتى ذهنية (الإستحواذ) هذه أصبحت تؤثر وبشكل ملفت للنظر حتى على المؤسسة القضائية وطريقة تعاملها مع السلطة التنفيذية. فأي دولة في العالم يقيم قاضي منشأة على أراض للدولة بغير ترخيص، وعندما تزيل السلطة التنفيذية مخالفته، يقاضيها لتحكم له مؤسسته نفسها بالتعويض(؟!) وأي دولة في العالم يقاضي القضاة السلطة التنفيذية في السبيل الحصول على مميزات مالية ضخمة ويكون الحال معهم كما قال الشاعر “فيك الخصام وأنت الخصم والحكم”(؟!) فمن قرر أن هذا الحق هو له، هو نفسه الذي سوف يحكم بمدى عدالته من عدمه!!

 

والحال في الدول العربية الأخرى هو حالة (اندماج) بين شخص الحاكم والوطن بحيث يصبح الشيئان شيء واحد لا انفصال لهما. و “المصلحة” الوطنية هي رؤية فردية لهذا الحاكم بحيث يتم تغليب المصلحة الشخصية له على باقي المصالح. إذ أن انعدام الإختيار الديموقراطي للحاكم، وعدم تبني وسائل نزيهة في التنافس الإنتخابي البرلماني، ودخول المؤسسات السياسية التابعة للحاكم كعنصر منافس في البرلمان (الحالة المصرية مثلاً) وغيرها من الصور، كلها أدت في النهاية إلى أن القرار السياسي هو ليس بالضرورة إنعكاس للمصلحة الوطنية، ولكنه إنعكاس لقناعة فردية ترى في مصلحة فرد هو مصلحة للوطن وليس العكس. ومن هذا المنطلق لا يوجد على الحقيقة شعب، ولكن يوجد حاكم. ولا توجد مؤسسة سياسية، ولكن توجد مشيئة حاكم. ولا يوجد مستقبل لوطن، ولكن استراتيجية لتوارث حكم وكرسي. ولا يوجد استطلاع لرأي الشعب، ولكن يوجد خطاب تلفزيوني يتم تبليغهم من خلاله. ولا توجد أموال دولة، ولكن هبات وعطايا وبقايا“. ولا يوجد انتخاب، ولكن يوجد تزوير ولا مبالاة.

 

إن إشكالية السياسة في الوطن العربي هي إشكالية ذات شقين، شعب وحاكم. ولا يوجد أي طريق للخروج من هذا المأزق إلا بالعمل والإصرار على رفض منح السلطات السياسية الفاعلة لكل فرد لا يتم انتخابه مباشرة بواسطة الشعب. وحتى الأسر الحاكمة عن طريق التوارث، فإن تطور المجتمعات من حولنا يفرض علينا أن نعيد النظر في السلطات السياسية الممنوحة لها في سبيل تغليب سلطة الأمة واختيارها على (المشيئة) الفردية للحاكم. فإذا كان الحاكم هو نتيجة لبروز انتخابي، فلربما عندها يتم تغليب مصلحة (الوطن) على ما سواه من أشخاص وعنصريات. وأيضاً فإن منطق ومنهجيةالإستحواذهي منهجية سوف تهدم الأوطان فوق رؤوس أصحابها. ولا سبيل إلى تغيير هذه المنهجية البائسة غير السوية إلا برجل دولة يستطيع أن يقول (لا).

 

 

فرناس

 

  

 

 

Subscribe to RSS Feed Rss