علينا دوماً أن نبحث في الإنسان قبل أن نبحث في الأحداث، فكما يكون الإنسان تكون الأحداث، وليس كما تكون الأحداث يكون الإنسان. إن الوطن أعز من أن يهدموا وحدته بدعاوى التعصب. وإن المستقبل يصنعه القلم لا السواك، والعمل لا الإعتزال، والعقل لا الدروشة، والمنطق لا الرصاص. والأهم من ذلك كله أن يدركوا حقيقة غائبة عنهم، وهي أنهم ليسوا وحدهم جماعة المسلمين. وليس هناك خطوط حمراء غير خطوط الدم الإنساني

حافظ الجمالي وفرج فودة

استجواب ناصر المحمد ومسمار جحا البرلماني

Filed under Uncategorized by فرناس on 05-02-2009

Tags :


 

 

منذ أن عرفنا كلمة السياسة في هذا الوطن الصغير المنكوب بأبناءه، عرفنا أن أقصر الطرق إلى قلوب الشعب الكويتي أن تكون (معارضة). والمعارضة في المفهوم الشعبي هي أن تكون معاكساً لكل شيء تقوله أو تفعله الحكومة أو من يكون محسوباً عليها. فإذا قالت الحكومة اليوم صباحاً “لنذهب إلى اليمين” فيجب على المعارضة أن تقول مباشرة “لا…إلى اليسار”، ثم إذا غيرت رأيها الحكومة في نفس اليوم مساءً وقالت “حسناً، لنذهب إلى اليسار”، فإن على المعارضة أن تفعل أحد شيئين، إما أن تنتقدها وتهاجمها وتلعن (سلسفيل سلسفيلها) على أساس أنها ضائعة وتعيش في تخبط ولا تملك أي منطق أو فهم أو عقلانية مع كمية لا بأس بها من الصراخ والعويل و(الزبّاد) وما يناسب الحال من كلمات الإهانة والتجريح، أو كخيار ثاني، على المعارضة أن تفكر قليلاً ثم تقول “لا..لنذهب إلى اليمين”. فكل عملالمعارضةفي السياسة الكويتية هو أن (تعارض) ولا شيء غير هذا. فلم نسمع أبداً في بلدنا هذا أن هذه (المعارضة) قد تقدمت بمشاريع تنموية أو اقتصادية أو حتى ثقافية، ولكنها في الطرف المقابل ممتازة جداً في تقديم المشاريع الإقتصادية والتنموية التي تتفتق عنها الذهنية العبقرية الطفولية للمرحلة الإبتدائية من على وزن اسقاط القروض ومنع عمل المرأة بعد الثامنة مساءً وتشديد الرقابة على الكتب وكأنهم لم يسمعوا ابداً بالإنترنت والنشر الرقمي الإلكتروني والمطالبة بتشريع المخالفات القانونية والإستيلاء على أملاك الدولة. فـ (المعارضة) ليس هدفها مستقبل بلد ووطن، لأنها لا تفقه فيه أصلاً ولا تفهمه، ولكن هدفها صندوق اقتراع ونتائج انتخاب، ولا شيء غير هذا. وماذا يتوقع الإنسان من شعب يختار على أساس قبلي عرقي طائفي طبقي ثم لتكون مخرجاته من على شاكلة جاسم الخرافي وحسين القلاف وخلف دميثير ورجا حجيلان وسعدون حماد وصالح عاشور وضيف الله بو رمية وعبدالله راعي الفحما وعسكر العنزي وعصام الدبوس وأمثالهم.

 

ومن هذا المنطلق فإن حسابات الربح والخسارة السياسية لأعضاء مجلس الأمة لابد وأن تخضع إلى موازنة بين تمرير المصالح للقبيلة أو الطائفة أو الطبقة من ناحية، وبين كمية لا بأس بها من ممارسة لـ (المعارضة) لزوم التلميع الشخصي الإنتخابي من ناحية أخرى. فإذا أحس عضو مجلس الأمة، أو حتى الحزب السياسي، بأن أسهمه الإنتخابية باتت مهددة لسبب أو لآخر، فما عليه أن يفعل إلا أن يزيد كمية الـ (معارضة) بطريقة ما، أو أن يزيد جرعة تمرير المصالح للقبيلة أو الطائفة بالتعاون ليلاً مع الحكومة التي يعارضها نهاراً. هذه الإستراتيجية هي الف – باء السياسة في وطني الصغير المنكوب بأبنائه.

 

الف – باء السياسة الكويتية هذا هو الذي دفع، ولا يزال، بقضية استجواب الشيخ ناصر المحمد إلى السطح. ابتدأت مع أحمد المليفي والحاجة إلى عقد الصفقات كما يقال ويشاع، وأنتهت مع الحركة الدستورية الإسلامية والحاجة إلى رفع الرصيد الشعبي في صناديق الإقتراع بعد الهزيمة الساحقة لها في الإنتخابات الماضية. فـالمعارضةهي وسيلة بالدرجة الأولى عندنا ولا تملك أي مضمون حقيقي خارج نطاق المصلحة الضيقة. ولهذا السبب فإن أحمد المليفي عندما أراد أن يستجوب رئيس الوزراء بسبب مصاريف مكتبه الخيالية فإذا به ينتهي بسحب الجنسية من حفنة من المواطنين، ثم تقدم السلفيون بإستجواب لرئيس الوزراء بسبب المصاريف ودخول رجل دين شيعي البلاد متهم بسب الصحابة فإذا الحكومة تستقيل ثم تعود مرة أخرى كما هي تماماً إلا من (محلل الطلقات الثلاث) لزوم إسم (الحكومة الجديدة) وليسكت السلفيون، والآن الحركة الدستورية الإسلامية (حدس) فإنها “حدست” أنها إذا تحولت ناحية “المعارضة” فإن أسهمها الشعبية سوف تزداد في الإنتخابات القادمة. وقد يعترض معترض هنا بأن الإنتخابات القادمة لا تزال بعيدة، ولكن الحقيقة هي أنإشاعةالحل الدستوري أو غير الدستوري باتت من القوة بحيث أصبح الكثير من أعضاء مجلس الأمة واحزابه يتوقعونه بين ليلة وضحاها. ولهذا السبب قفزت “حدس” نحو خانة المعارضة بنسبة مئة بالمئة وليس بنسبة ثمان وتسعين بالمئة كما كان يشير مؤشر الحمل الكهربائي أيام وزيرهم في حكومة ناصر المحمد.

 

مؤسسة الإمارة على الجهة الأخرى ولسبب مجهول تبدو مترددة في أن تنهي، وبحزم، مسألة استجواب رئيس مجلس الوزراء. فإما أن تقبل بصعوده على المنصة وينتهي هذا الأمر، أو أن تقول للجميع وبصراحة ووضوح (لن يصعد رئيس مجلس الوزراء إلى المنصة ولو اضطررنا إلى حل المجلس الف مرة). فالجميع يعلم أن هاجس حل مجلس الأمة دستورياً يرعب الأغلبية الساحقة من اعضاءه. ولو عرفوا أن حل مجلس الأمة سوف يأتي في نفس اليوم الذي يتم تقديم الإستجواب فيه إلى أمانة المجلس فإنهم سوف يلتفتون إلى أمور أخرى قد تكون ذات فائدة أكبر للبلاد بدلاً من الخسائر المالية التي سوف يتكبدونها ولا أول لها ولا آخر، وبدلاً من الفرعيات التي يهرب منها ابطالها كـ “الغزلان” عند رؤيتهم “عصي” قوات مكافحة الشغب، وبدلاً من الصياح والتوسل على المنصات (تكفون يا أهل العطفا). فلا يوجد خيار عند مؤسسة الإمارة، على الحقيقة، إلا هذين الخيارين، ولننتهي.

 

سوف تبقى مسألة استجواب رئيس مجلس الوزراء كمسمار جحا الذي تركه في بيته الذي باعه حتى اضطرهم في النهاية إلى الهروب من البيت. ومسمار جحا هذا سوف يستخدمه كل عضو وكل تكتل وكل حزب وكل طائفة وكل قبيلة وكل طبقة وكل من يعتقد في نفسه أنه “عبقري” اقتصاد وسياسة واجتماع وشريعة وإن كان دكتور فيالولادة“، سوف يستخدمه هؤلاء كلهم كلما شعروا أنهم بحاجة إلى “صفقة” أو زيادة رصيد شعبي، إلا إذا كانت النتيجة معروفة لهم سلفاً ومعاكسة لما يريدونه ويتوقعونه. فالأمر لا يحتاج إلى أكثر من “قرار” واضح وصريح وعلني وجدي وينتهي هذا الأمر إلى فترة قادمة لا بأس بها.

 

كلي رجاء أن تنزع مؤسسة الإمارة هذا المسمار من حائط مجلس الأمة ثم لتقذفه في وجوه الحركة الدستورية الإسلامية أولاً وفي وجوه الباقين من أول أحمد المليفي إلى آخر عضو في هذا البرلمان البائس ثانياً، ثم لتشير بإصبعها إلى وجوه كل أعضاء مجلس الأمة لتقول لهم (التفتوا إلى مستقبل هذا الوطن الذي بات على شفا الإنهيار، هذا أفضل لنا ولكم).

 

 

فرناس

 

 

 

 

 

Subscribe to RSS Feed Rss