علينا دوماً أن نبحث في الإنسان قبل أن نبحث في الأحداث، فكما يكون الإنسان تكون الأحداث، وليس كما تكون الأحداث يكون الإنسان. إن الوطن أعز من أن يهدموا وحدته بدعاوى التعصب. وإن المستقبل يصنعه القلم لا السواك، والعمل لا الإعتزال، والعقل لا الدروشة، والمنطق لا الرصاص. والأهم من ذلك كله أن يدركوا حقيقة غائبة عنهم، وهي أنهم ليسوا وحدهم جماعة المسلمين. وليس هناك خطوط حمراء غير خطوط الدم الإنساني

حافظ الجمالي وفرج فودة

يا أحمد المليفي … إما نحن الساذجون أو أنت الساذج

Filed under Uncategorized by فرناس on 08-02-2009

Tags :


 

 

من المتعارف عليه عند السياسيين أن الكلام الصريح والمباشر في الخطاب السياسي، في الأغلب الأعم، مضر بصاحبه. إذ السياسة في جزء منها هي دغدغة عواطف الجمهور بأوهام المستحيل. وعلى هذا فإن الخطاب السياسي يجب أن يتضمن خطوط رجعة أو كلمات تتحمل أكثر من معنى وتفسير حتى يضمن السياسي الخروج من خطاب الأوهام والمستحيل بأقل الخسائر الممكنة. وضمن هذه الإستراتيجية في الخطاب السياسي يجب أن نقرأ الكثير من الوعود والمطالبات والتفاعل السياسي-الشعبي سواء في داخل أو خارج الكويت. بالطبع، فإن الداخل الكويتي في معظمه هو أكثر سذاجة من الدول الأخرى، وإلا على أي معنى يمكن تحميل المطالبات المتكررة لإسقاط القروض الإستهلاكية للمواطنين أو وعود التشريع القانوني لمخالفات الإستيلاء على أراضي الدولة أو محاولات زيادة القروض الإسكانية، ضمن مطالبات أخرى، وكل هذا في وقت هبوط أسعار النفط ودخول أغلب دول العالم في حالة ركود اقتصادي وبروز شبح العجز في ميزانية الدولة.

 

ولا يشذ عن تلك “السياسة” النائب أحمد المليفي. فعندما تقدم بتهديده لإستجواب رئيس مجلس الوزراء في اكتوبر من العام الماضي بسبب مصاريف مكتبه الفلكية اتهمه البعض بأنه ينفذ “أجندة سياسية خفية من خارج المجلس”، وأن المقصود ليس المصاريف أو سوء الإدارة للدولة ولكن أشياء أو “صفقات” أخرى. بالطبع كل شيء وارد في هذا البلد، ولكن يومها لم يكن كل هذا يهم على الحقيقة، لأن الأمر بدا خارج حدود المعقول والمقبول من جانب رئيس مجلس الوزراء في تصرفه بأموال الدولة. ومن هذا المنطلق كان الحماس لما يحاول أن يفعله أحمد المليفي ظاهرياً على الأقل. بالطبع مهلة العشرة أيام التي أعطاها أحمد المليفي “لنفسه”، مثل مهلة الستة أسابيع لجماعةحدس“، جعلت الكثير يشكك في نواياه الحقيقية، ولكن هذا أيضاً لم يكن يهم لأن الهدف كان حاجزاً سياسياً في الحياة البرلمانية الكويتية كان على وشك أن يتم هدمه. وبعد عشرة أيامه هذه خرج علينا أحمد المليفي بمؤتمر صحفي، لم يلوح للصحفيين فيه هذه المرة بأوراقه ووثائقه، ليعلن لنا أن استجوابه هذا قد تم تأجيله لمدة ثلاثة أشهر. في مقابل هذا التأجيل تم سحب الجنسية الكويتية من بعض المواطنين الكويتيين وتشكلت لجنة من داخل مجلس الوزراء للتحقيق في مصاريف رئيسها، ويومها كتبت هذا:

 

هناك احتمال أن يتراجع النائب أحمد المليفي عن استجوابه الذي ينوي أن يقدمه اليوم. وإن فعل ذلك، تحت أية حجة كانت، فإنها هي الخطيئة التي سوف يطعن بها خاصرة هذا الوطن. لا يهمني في الحقيقة ما سوف يبرر النائب أحمد المليفي موقفه في حال تراجعه، فكل شيء سوف يقوله ليبرر به موقفه هو في الحقيقة مردود عليه. إذ أن “اللجنة” التي تكونت من قرار مجلس الوزراء هي لجنة لن، لن، وأكرر “لن”، تشير إلى المتسبب الأصلي، ولن تستعلم وتنشر عن من باع هذه الهدايا إلى الديوان، ولن تتجرأ بأن تستفسر عن أسماء من تلقوا هدايا بعشرات الآلاف من الدنانير لكل واحد على شكل مجوهرات و”بزمات”، ولن تقول لنا لماذا اشترى الديوان “ماي باخ” أو “رنج روفر”، وأيضاً لن تقف موقف الشاك المستريب من صرف مبلغ خمسين مليون دولار في سنة واحدة على بند الهدايا. إنها لجنة سوف تبحث عنكبش فداء” وحشو كلام ووعود بإصلاح الخلل المحاسبي في ديوان سمو رئيس مجلس الوزراء وربما إضافة بنود ادارية ومحاسبية في بيروقراطية الديوان وكفى الله المؤمنين القتال وليقفل هذا الموضوع نهائياً تحت وهم تحقيق الإصلاح وأخذ محاور الإستجواب بعين الإعتبار”. للمقالة كاملة، رجاءً إضغط هنا.

 

 

كان ذاك ما كتبته يومها، واليوم يتراجع أحمد المليفي عن المضمون الأساسي لاستجوابه الأصلي الذي خرج علينا به منذ ثلاثة أشهر سابقة. فأحمد المليفي خرج علينا يوم الخميس الماضي بعد انتهاء مهلته ليقول لنا الآتي:

 

 

“قطع النائب أحمد المليفي أمس الطريق على استجواب «حدس» بتلويحه مجدداً باستجواب سمو رئيس الوزراء، وأعطاه مهلة اسبوع واحد فقط لاتخاذ عدد من الخطوات الواضحة اشترطها بشأن قضيتي التجنيس ومصاريف ديوان رئيس الوزراء لتراجعه عن الاستجواب (…) وفي ما يخص المصروفات أكد المليفي ان هناكمسؤولية يتحملها أشخاص معنيون في مكتب الرئيس“، مطالبا بإحالة التقرير الى النيابة ومحاسبة المتجاوزين”. للمصدر، رجاءً إضغط هنا.

 

 

من الواضح أن أحمد المليفي يراهن على سذاجتنا وقصر ذاكرتنا. فهو الآن يريد أن يقول لنا أن مصروفات مكتب رئيس الوزراءيتحملها أشخاص معنيون في مكتب الرئيس” (!!!) وليس، أكرر، وليس رئيس مجلس الوزراء نفسه. ممتاز جداً، فإذا كان هذا المنطق يا أحمد المليفي الذي تريد أن تخاطبنا فيه، فإننا في المقابل يحق لنا أن نسألك أسئلة “ساذجة” أو باللغة العامية (بايخة) على وزن هذا المنطق الذي تستخدمه معنا:

 

هل تعتقد يا أحمد المليفي أن سيارتين ماي باخ مصفحة قيمتهما 900 الف دينار (أكثر من 3 ملايين دولار) كانت مفاجأة من (الأشخاص المعنيون في المكتب) لرئيس مجلس الوزراء بمناسبة عيد ميلاده مثلاً؟!

 

هل تعتقد يا أحمد المليفي أن 28 سيارة مرسيدس مصفحة قيمتها أكثر من 6 ملايين دينار خلال سنة واحدة كانت اجتهاد شخصي من (الأشخاص المعنيون في المكتب) لأن “الخيط والمخيط” بيدهم بسبب “كرت دوام الرئيس” يمر من خلالهم وإن إعترض فسوف يخصمون من راتبه بسبب التأخير في (طقة الكرت)؟!

 

هل تعتقد يا احمد المليفي أن شراء (الأشخاص المعنيون في المكتب) مليون ونصف دينار كويتي عداً ونقداً من “البخور والعود” من محل أحد نواب البرلمان بالتحديد هو بسبب أن “محلات السوق كلها مثل بعض” و “هو قالهم خذوا الكسرة اليمين أول ما تدشون السوق ولكنهم ما طاعوه أو يمكن ضيّعوا ولفوا يسار”؟!

 

هل تعتقد يا أحمد المليفي أن الهدايا من المجوهرات و “البزمات” بملايين الدنانير والرفض القاطع عن الإفصاح عن من استلم هذه الهدايا والرفض القاطع عن مصادر شراء هذه الهدايا لأن (الأشخاص المعنيون في المكتب) “معارفهم وحبايبهم وايد والرئيس يهاوشهم دايماً بس هم ما يسمعون الكلام”؟!

 

 

فمنطق مثل الذي تحدثنا فيه يستحق في مقابله أسئلة لك من مثل هذا النوع وبهذا الإسلوب بالذات.

 

أنا يا أحمد المليفي وأنت، وكل الشعب الكويتي، نعلم أن كل هذه الأمور تمت بمعرفة وأمر وتوجيه وإشراف رئيس مجلس الوزراء. ولكنك أنت يا أحمد المليفي تريدكبش فداء” للخروج من مأزق الإستجواب الذي وضعت أنت نفسك فيك بخطابك المباشر والذي لا يحتمل التأويل قبل ثلاثة أشهر.

 

يا أحمد المليفي أنت في الحقيقة لا تريد استجواب الرئيس.

 

لا تريد استجواب الرئيس، أليس كذلك يا أحمد المليفي؟

 

لقد تراجعت عن الإستجواب من أول يوم خرجت علينا بمهلة الثلاثة أشهر، وربما مع مهلة العشرة أيام الأولى، مع علمك الأكيد بما سوف تتفتق عنه “لجنة” الحكومة وما نتج عنه من سحب جنسيات بعض المواطنين وهذا كما يبدو لنا على الظاهر فقط. ولن أعلق على موضوع مطالبتك ديوان المحاسبة بالتحقيق في موضوع منح الجنسية الكويتية، فقد كفانا ذلك الزميل سيفوه في مدونته، هنا.

 

ولكن، وعلى أضعف الإيمان، احترم ذكائنا، ولا تجعلنا نتسائل معك:

 

نحن الساذجون أم أنت الساذج يا أحمد المليفي ؟”.

 

 

 

فرناس

 

 

  

 

Subscribe to RSS Feed Rss