علينا دوماً أن نبحث في الإنسان قبل أن نبحث في الأحداث، فكما يكون الإنسان تكون الأحداث، وليس كما تكون الأحداث يكون الإنسان. إن الوطن أعز من أن يهدموا وحدته بدعاوى التعصب. وإن المستقبل يصنعه القلم لا السواك، والعمل لا الإعتزال، والعقل لا الدروشة، والمنطق لا الرصاص. والأهم من ذلك كله أن يدركوا حقيقة غائبة عنهم، وهي أنهم ليسوا وحدهم جماعة المسلمين. وليس هناك خطوط حمراء غير خطوط الدم الإنساني

حافظ الجمالي وفرج فودة

أفضل هدية في عيدها أن نتصارح مع الكويت

Filed under Uncategorized by فرناس on 25-02-2009

Tags :


 

 

عندما تلبس الكويت أثواب العيد الزاهية لا يمكن لأي إنسان أن يخطيء نظرات الحزن في أعينها. فما الأعياد عند حزين الفؤاد إلا حالة مضاعفة من حالات الإغتراب، يتصنع الفرح، ولكن جرح الروح يثقل ابتسامة الشفاه وتقاسيم الوجه. وعندما يكون هذا الحزين أماً أو أختاً أو زوجة أو حبيبة أجد نفسي مدفوعاً دائماً لأن أحتضنها، أمسح على رأسها، أقبّلها، ثم أصارحها بالحقيقة كما هي، حتى إذا فاضت الدموع خفق القلب بالغضب، ربما، أو بالتمرد، ربما، أو بالصمت، ربما، ولكن دائماً بعد تلك العاصفة يكون السكون وربما الفكرة والعبرة والعمل. فإذا كان هذا هو حال المرأة العزيزة على قلبي، فما بالك بوطن؟

 

الكويت، كما هي اليوم، وطن بدون مستقبل. هذه هي الحقيقة، ولا يكابر عليها إلا واهم. فالكويت بعد أكثر من نصف قرن من اكتشاف النفط وتصديره، لم تستفد من عوائد هذه الثروة التي سوف تنضب عاجلاً إلا من حيث استيراد “مظاهر” للمدنية، يبيعها لنا أصحاب “الحضارة” من بعيد من دون أن ينعكس هذا على الإنسان الكويتي. فلا يبدو أن حقيقة الكويت التي لا تملك عمقاً جغرافياً كافياً، ولا تملك موارد زراعية أو معدنية، ولا مياه، ولا موارد أولية أياً كانت، ولا أيدي عاملة رخيصة، ولا مؤسسات علمية وأكاديمية قادرة على التطوير والإختراع أو حتى الإعتماد عليها في رأي تخصصي، ولا صناعة فاعلة، ولا مؤسسات استثمارية محترفة تكون قرارتها بمعزل عن الأهواء السياسية، ولا تملك “إنسان” منتج فاعل، ولا إدارة تشريعية ناضجة سياسياً، ولا جهة تنفيذية مؤهلة في الإدارة وبعيدة عن التمصلح الذاتي، كل هذا، ضمن أشياء أخرى أيضاً، لا يبدو أنه يُقلق الإنسان الكويتي أو حتى الهرم السياسي فيها. إذ لا يبدو أن سؤال (ماذا بعد النفط؟) قد مر على ذهن رجال الكويت ونسائها الفاعلين سياسياً في التشريع والتخطيط للدولة بصورة جدية وذو أولية قصوى، وخصوصاً أن المسألة هي مسألة حياة أو موت، حياة وطن أو موته. ولا عجب ولا غرابة هنا، فهم أصلاً مخرجات للذهنية القبلية بكل بؤسها المنافي للمواطنة والتعلق بقيمة الأرض خارج حدود (الريع والمرعى)، وهم أيضاً مخرجات للذهنية الطائفية التي ترى في الآخر المخالف على أن “عدو” تجب محاربته، خفية أو علناً، وإن أمكن تصفيته فلا مانع، وهي أيضاً مخرجات للذهنية المصلحية الفردية الذاتية التي تؤمن بالحكمة الخالدة لكل خائن ومنافق ولص (أنا ومن بعدي الطوفان).

 

تتشابك المفاهيم والمصطلحات في هذا الوطن، فلا يعود ما يدل عليه الخطاب السياسي الناضج في الدول المتحضرة مفهوماً عندنا. فعندما يتكلم سياسيو العالم الأول عن “حزمة الإنقاذ الإقتصادي” فإنهم يتكلمون عن الصناعات والميزان التجاري والصادرات والواردات وفرص العمل ومراقبة نسب البطالة وإنقاذ صناعات وطنية توظف عشرات وربما مئات الآلاف من مواطنيهم، ولكننا في الكويت عندما يتكلم السياسيون عن “الإنقاذ الإقتصادي” فإنهم يتكلمون عن محفظة مليارية، من أموال النفط الناضب، أموال الأجيال القادمة، سوف تدخل البورصة لتشتري أسهم. الأسهم التي سوف يشتريها أغنياء الكويت رخيصة وحالما تدخل (المحفظة المليارية) ويرتفع السعر قليلاً سوف يقذفونها في أحضان الحكومة لينخفض السعر مرة أخرى ويعيدوا شرائها، وهكذا دواليك. ولا عجب ولا غرابة، فإن العوائل التجارية المتمصلحة مباشرة من هذه الأموال في مضارباتها في البورصة وفي شركاتها الخاصة تملك ممثلين عنهم في البرلمان (أشخاصهم، أبنائهم، أبناء أخواتهم، انسبائهم..الخ) في نفس هذا البرلمان الذي من المفترض أن يقف حامياً لهذه الأموال، وهؤلاء هم عناصر غير محايدة أصلاً ولا تملك أن تُغلّب مصلحة وطن على مصلحة عائلة. ولم يعترض شعب، ولم تعترض حكومة، ولم يعترض مجلس أمة، ولم تعترض صحافة، ولم يعترض تيار وطني. أيكون هذا بلد ذو مستقبل وحياة؟!

 

وعندما يتكلم سياسيو الدول المتحضرة عن التخطيط السياسي والإقتصادي، فإنهم يتكلمون عن “مؤسسات” تضطلع بهذا الدور الخطير في حياة الأمم لأنها تتعلق بمستقبلهم ومستقبل أبنائهم. فكل شيء، كل شيء بلا استثناء، يخضع للمشورة والدراسة والتخطيط القصير والمتوسط والطويل المدى، ويتم تنقيحها بإستمرار تبعاً لتغير الظروف والمصالح. ولكن عندنا في الكويت، مع فقداننا لهذه المؤسسات الناضجة الأكاديمية المهنية المتخصصة والمحايدة للتخطيط، فإن هذا التخطيط إن تم سوف يتم نسفه من أساسه بسبب “مشيئة” فرد أو عدة أفراد. وهذه “المشيئة” سوف تتغلب على آراء كل المستشارين الذين تم اختيارهم على أساس المعرفة الشخصية أو العرق أو الأصل وربما المذهب أيضاً. أيكون هذا بلد ذو مستقبل وحياة؟!

 

وعندما يتكلمون هناك عن “الإرتقاء بالمجتمع والفرد” فإن يتكلمون عن تفاعلات إقتصادية وإجتماعية يكون فيها الفرد ضمن المجموع عنصراً أكثر إنتاجية وأكثر انسجاماً مع النسيج الإجتماعي. فهم يتكلمون عن ضرورة القبول والتعايش ضمن بيئة تتعدد فيها الأديان والمذاهب والثقافات والأعراق والأفكار، ويتكلمون عن ضرورة تساوي الفرص، ويتكلمون عن التفاضل المهني بغض النظر عن أي شيء آخر، ويحاربون التمييز ويشمئزون من دعاوى التصفية والتكفير والإنقسام على أساس الأعراق والأديان والمذاهب. ولكن عندنا في الكويت فإن “الإرتقاء بالمجتمع والفرد” يقصدون بها إسقاط قروض إستهلاكية عن مواطنين إشتروا منتجات وسيارات ومنازل فاخرة أو استغلوا هذه القروض لإجازات خارج الكويت، ويقصدون بها إنتخابات فرعية قبلية عنصرية، ويقصدون بها إعطاء مجانينسادة” الشيعة و “شيوخ” السنة حق الكلام في السياسة وتأليب عواطف العامة وطعن الآخر المختلف بالتلميح تارة والتصريح تارة أخرى، ويقصدون بها تفتيت المجتمع لقبائل وأعراق وطوائف. فأي مجتمع في العالم، مجتمع يحترم نفسه ويريد أن يعيش ويستمر، يسمح لمؤسساته الجامعية والأكاديمية والتطبيقية أن يكون إختيار بعض مرشيحها على أساس انتخابات قبلية عنصرية؟! أيكون هذا بلد ذو مستقبل وحياة؟!

 

كل شيء في هذا الوطن يدور حولالإستحواذبطريقة أو بأخرى، الأستحواذ على الثروات الوطنية، الإستحواذ على المناصب بالحق وبالباطل للإستنفاع وللتنفيع، الإستحواذ على الأموال من دون انتاجية. لا شيء أبداً يدور حول المستقبل، أو يدور حول ما بعد النفط، أو يدور حول من سوف يولدون في الزمان القادم. فكل منصف يعلم أن المجتمع الكويتي اليوم، بحالته هذه، لن يستطيع أن يعيش يوماً واحداً بعد نضوب النفط، لن يستطيع أن ينفق على أبناءه القادمين، لن يستطيع أن يوفر لهم ما يوفره اليوم من دون حساب لشعب المميزات الريعية، لن يستطيع أن يعطي قرضاً بسبعين ألف دينار، لن يستطيع أن يمنح سكن لكل فرد، لن يستطيع أن يوظف كل مواطن، لن يستطيع أن يستمر في العلاج في الخارج، لن يستطيع أن يدعم الماء والكهرباء والوقود، لن يستطيع أن يبقى من دون فرض ضريبة. وكل منصف يعلم أيضاً أن أكثر من ينادون اليوم بشعارات “الوطنية” و “حب الوطن” عند كل مشروع ريعي أو استهلاكي أو حتى مشبوه ويتبنى منهج توزيع أموال الدولة على المواطنين بدون مقابل، هُم أول من سوف يغادر هذا الوطن لأرض الله الواسعة عند أول بوادر نهاية عهد النفط.

 

الكويت بلد مهدد في كيانه، في وجوده، في استمراريته، وسوف يذوب فيكيانآخر لا محالة إذا استمر هذا الوضع على ما هو عليه. فلا شيء في الكويت اليوم إلا النفط، والنفط فقط. وكل خلاف الدولة بمؤسساتها ومواطنيها على أوجه الصرف الريعي والبطالة المقنعة، على من يأخذ أكثر.

 

الكويت، كما هي اليوم، وطن بدون مستقبل.

 

 

فرناس

 

   

  

 

 

Subscribe to RSS Feed Rss