مرة أخرى أطلب من بعض القراء الكرام قبل أن يتشنجوا أو يغضبوا من مجرد قراءة السؤال، أن يهدأوا قليلاً، ثم لنحاول معاً أن نقرأ المقالة بهدوء إلى النهاية، وبعد ذلك من شاء أن يغضب أو يتشنج فليفعل ذلك بكل رحابة صدر.
تعتبر الإجابة، أو بتعبير أدق المحاولة للإجابة، على هذا السؤال نقطة محورية في الكثير من مسائل الإختلاف بين المنهج العلماني والفكر الديني في إدارة الدولة وشؤون السياسة. إذ أن النقطة المحورية للإجابة على هذا السؤال تتعلق بمسألة عصمة النبي (ص)، وهل هو معصوم إطلاقـاً في كل أموره، أو هو معصوم في مسائل التبليغ المتعلقة بالديانة والعبادات والعقيدة. فإذا تم إثبات أن النبي (ص) لم يكن معصوماً من النسيان والخطأ في أمور الدنيا، بينما هو معصوم في أمور الدين، فإن ذلك سوف يقودنا بالضرورة إلى النظر للقضية العلمانية كقضية منطقية بديهية ولازمة حتى من المنظور الإسلامي نفسه. فالفرق بين إدارة الدنيا وشؤون الدين والعبادة يصبح من الوضوح بحيث يصعب على رجال الدين الإصرار على التدخل في شؤون السياسة وتعقيدات إدارة الدنيا، وذلك لأن “العصمة” قد انتفت من الأساس في الكل البناء الفقهي اللاحق أحياناً بقرون كثيرة من وفاة النبي (ص) والذي يؤطر لخلط السياسة بالدين.
السؤال أعلاه هو موضوع هذا الإقتباس من كتاب (أضواء على السنة المحمدية). وكل ما أطلبه من القارئ الكريم أن يقرأ الإقتباس بتأني وروية، ثم يتفكر قليلاً. ولا أطلب منه أي شيء آخر اطلاقـاً.
فرناس
الإقتباس أدناه هو من كتاب:
أضواء على السنة المحمدية، محمود أبو رية، دار المعارف، الطبعة السادسة، القاهرة، ص 15-18
ما بين [ ] من إضافتي أنا إما للتعليق أو للتوضيح.
النقل أدناه هو مختصر حسب الحاجة، ومن شاء من القراء الكرام تفاصيل أكثر فليرجع إلى الكتاب.
من كتاب
أضواء على السنة المحمدية
محمود أبو رية
حكم كلام الرسول في الأمور الدنيوية
كلامه صلوات الله عليه في الأمور الدنيوية فإنه كما قالوا من الآراء المحضة ويسميه العلماء “أمر إرشاد”، أي أمر (ص) في أي شيء من أمور الدنيا يُسمى إرشاداً، وهو يقابل “أمر التكليف”. ومن القواعد الأصولية أن العمل بأمر الإرشاد لا يُسمى واجباً ولا مندوباً، لأنه لا يُقصد به القربة ولا فيه معنى التعبد. ومن المعلوم أنه لا دليل على وجوب أو ندب إلا بدليل خاص.
وما ذكره العلماء في ذلك إنما هو لأن الرسل غير معصومين في غير التبليغ. قال السفاريني في شرح عقيدته:
قال ابن حمدان في نهاية المبتدئين: وإنهم معصومون فيما يؤدونه عن الله تعالى وليسوا بمعصومين في غير ذلك من الخطأ والنسيان والصغائر. وقال ابن عقيل في الإرشاد: إنهم عليهم السلام لم يعتصموا في الأفعال، بل في نفس الأداء ولا يجوز عليهم الكذب في الأقوال فيما يؤدونه عن الله تعالى. وهذا ينكره علماء الشيعة فإنهم أجمعوا على أن الأنبياء لا يخطئون ولا يعتريهم السهو والنسيان، وهم مجمعون على أنهم معصومون في الكبر والصغر حتى في أمور الدنيا. [أقول أنا فرناس: ورأي السادة الشيعة هذا لا يصمد أمام الفحص لسيرة النبي (ص) وحوادث التاريخ، بل إنه لا يصمد حتى أمام آيات القرآن الكريم التي قصت علينا قصص الأنبياء مثل يونس وآدم، ولا يصمد أمام فحص آيات العتاب التي وجهها الرب تعالى إلى النبي (ص). بل إن كتبهم نفسها تناقض هذا الرأي كما سوف نرى أدناه عند قصة الإفك على السيدة مارية القبطية وكلام الشريف المرتضى عن الأحكام المستفادة منها. إنتهى].
وقد ثبت أن النبي كان يُصدّق بعض ما يفتريه المنافقون كما وقع في غزوة تبوك وغيرها، وصدّق بعض أزواجه، وتردد في حديث الإفك وضاق صدره به زمناً حتى نزل عليه آيات البراءة فكشفت له الغطاء عن الحقيقة. [أقول أنا فرناس: وقد استشار النبي (ص) في السيدة عائشة إثنان من الصحابة، فأشار أحدهما عليه بطلاقها وأشار الآخر بسؤال الجارية التي معها. إنتهى].
قال القاضي عياض: أما أحواله (ص) في أمور الدنيا فقد يعتقد الشيء على وجه ويَظهر خلافه، أو يكون منه على شك أو ظن بخلاف من أمور الشرع [يقصد فيما عدا أمور الشرع].
عن رافع بن خديج قال: قدم رسول الله (ص) المدينة وهم يأبرون النخل [أي يلقحون النخل]، فقال: ما تصنعون؟ قالوا: كنا نصنعه [أي نلقحه]. قال النبي (ص): لعلكم لو لم تفعلوا كان خيراً. فتركوه فنفضت [أي تركوا تلقيح النخل ففسد محصولهم]. فذكروا ذلك له [أي استفسروا منه وسألوه عن السبب]. فقال النبي (ص): إنما أنا بشر، إذا أمرتكم بشيء من دينكم فخذوا به، وإذا أمرتكم بشيء من رأيي فإنما أنا بشر. وفي رواية أنس “أنتم أعلم بأمر دنياكم“. وفي حديث آخر “إنما ظننت ظناً فلا تؤاخذوني بالظن”. وفي حديث ابن عباس في قصة الخرص فقال رسول الله “إنما أنا بشر، فما حدثتكم عن الله فهو حق، وما قلت فيه من قبل نفسي فإنما أنا بشر أخطئ وأصيب“.
وهذا على ما قررنا فيما قاله (ص) من قِبل نفسه في أمور الدنيا وظنه من أحوالها.
ولما نزل بأدنى مياه بدر، قال له الحباب بن المنذر: أهذا منزل أنزلكه الله ليس لنا أن نتقدمه أم هو الرأي والحرب والمكيدة؟ قال (ص): لا بل هو الرأي والحرب والمكيدة. قال الحباب: فإنه ليس بمنزل، انهض حتى نأتي أدنى ماء من القوم فننزله، ثم نغوّر ما وراءه من القُلب [أي آبار] فنشرب ولا يشربون. فقال (ص): أشرت بالرأي. وفعل ما قاله [الحباب]. وأراد (ص) مصالحة بعض عدوه على ثلث تمر المدينة [أي يعطي أعداءه ثلث محصول تمر المدينة على أن يرجعوا ولا يحاربوه]، فاستشار الأنصار، فلما أخبروه برأيهم رجع عنه. فمثل هذا وأشباهه من أمور الدنيا التي لا مدخل فيها لعلم ديانة ولا اعتقادها ولا تعليمها يجوز عليه فيها ما ذكرناه [أي الخطأ والنسيان].
وقال [القاضي عياض]: فأما ما تعلق منها (أي معارف الأنبياء) بأمر الدنيا، فلا يشترط في حق الأنبياء العصمة، من عدم معرفة الأنبياء ببعضها أو اعتقادها على خلاف ما هي عليه، ولا وصم [أي لا شائبة] عليهم فيه.
قال الوزير اليماني في الروض الباسم:
غير خاف عمن له أنس بقواعد العلماء أن أفعال النبي (ص) عند المحققين لا تدل بنفسها على الوجوب ولا على الندب، وإنما تدل على الإباحة، والقدر المقطوع به أنه [أي النبي] لم يكن يفعل المعاصي المحرمة، فإن فعل شيئاً من الصغائر سهواً لم يُقر عليه وبيّنَ الله تعالى ذلك. وقال المحققون: إذا فعل فعلاً نظرنا، هل دلت القرائن على أنه فعل ذلك متقرباً به إلى الله تعالى أو لا، فإن لم تدل القرائن على ذلك لم يستحب التأسي به وكان من فعله على الإباحة، من شاء فعله ومن شاء تركه. ومن ذلك إقراره لعمر بن الخطاب على مخالفة رأيه في قصة أسرى بدر [كان رأي النبي (ص) هو اطلاق الأسرى مقابل أخذ الفدية، بينما رأي عمر هو قتلهم، ونزلت بعد إطلاقهم آيات من القرآن تعاتب النبي على اطلاقهم].
روى محمد بن الحنفية رحمه الله عن أبيه أمير المؤمنين عليه السلام [يقصد علي بن أبي طالب] قال: كان قد كثر على مارية القبطية أم إبراهيم في ابن عم لها قبطي كان يزورها ويختلف إليها، فقال لي النبي (ص): خذ هذا السيف وانطلق، فإن وجدته عندها فاقتله. قلت: يا رسول الله، أكون في أمرك إذا أرسلتني كالسكة المحماة أمضي لما أمرتني [يقصد أأقتله إذا وجدته من دون إعمال أية روية أو فكر]، أم الشاهد يرى ما لا يرى الغائب؟ [يقصد أن استخدم تقديري فيما أراه]. فقال لي النبي (ص): بل الشاهد يرى ما لا يرى الغائب. فأقبلتُ متوشحاً بالسيف، فوجدته عندها، فاخترطت السيف. فلما أقبلتُ نحوه، عرف أني أريده، فأتى نخلة فرقي عليها [أي صعد على النخلة]، ثم رمى بنفسه على قفاه وشغر برجليه، فإذا به أجب أمسح، ما له مما للرجال قليل ولا كثير. فغمدت السيف ورجعت إلى النبي (ص) فأخبرته فقال: الحمد لله يصرف عنا أهل البيت.
قال الشريف المرتضى في تعليقه على هذا الخبر:
ومما فيه من الأحكام اقتضاؤه أن مجرد أمر الرسول (ص) لا يقتضي الوجوب، لأنه لو اقتضى ذلك لما حسنت مراجعته ولا استفهامه. وفي حسنها ووقوعها موقعها دلالة على أنها لا تقتضي ذلك.