ملاحظة: هذه المقالة هي تطوير وإعادة بناء لجزء من إجابة لي على تساؤلات متعددة للزميل الفاضل Y M
يتميز الدين بطقوس وعقائد محددة ذات وجود واضح بارز ومتشعب، بينما تتميز الدولة بمظاهر وصفات محددة يحددها القانون وآليات التشريع فيها. وبسبب هذا التحديد الديني فإن “النص” يجب أن يلعب دوراً بارزاً في هذا التوصيف إذا أردنا أن نجعل شيئاً ما يدخل تحت مصطلح الدين. فالإسلام، مثلاً، هو في اعتقاد المسلمين وحي من الله أداه لنا النبي (ص)، وعلى هذا فكل ما بلغنا عن النبي (ص)، إذا كان في شأن الدين وليس الدنيا، هو من الإسلام كـ “دين” هدفه النهائي هو الخلاص الأخروي للفرد. وهذا الفصل بين الدين والدنيا قد نص عليه النبي (ص) عندما قال (أنتم أعلم بشؤون دنياكم)، وقد انتبه له الفقهاء قديماً وحديثاً وفصلوا بين ما أسموه (أمر إرشاد) عندما يأتي كلامه عليه السلام في الأمور الدنيوية، وذلك في مقابل (أمر التكليف) الذي يأتي منه (ص) في شأن الدين والشريعة. فأمر التكليف هو واجب أو مندوب، ولكن أمر الإرشاد، أي أمر الدنيا، هو منه (ص) ليس على معنى الوجوب أو الندب، بل هي من الآراء المحضة كما كان في رأيه (ص) في حادثة تأبير (تلقيح) النخل وتردده في حادثة الإفك على السيدة عائشة وعلى السيدة مارية. وعلى هذا فأمر الإرشاد ليس ملزماً للمسلمين بأي حال لأنه رأي محض في قضية دنيوية بحتة كما أشار الدليل من حياة النبي (ص) وسيرته.
إذن، النص المقدس يجب أن يلعب دوراً بارزاً ومحدداً في ادخال ما يراه ضمن دائرة “الدين” وفي نفس الوقت يترك ما سواه من شؤون الدنيا إلى المجتمعات حيث البشر أعلم بها وبظروفها وبحيثياتها وتفاصيلها. ولهذا السبب جاء القرآن وجاءت السنة النبوية لتصف أمور العقائد والعبادات وصفـاً يختلف في اسهابه من موضوع إلى آخر، ولكنها على الطرف الآخر وقفت موقفاً مناقضاً من حيث التوصيف والإسهاب من أمور الدنيا ومنها المسألة السياسية وإشكالاتها وتوصيفاتها المتعددة. وبسبب هذا نشأ مفهوم “البدعة”، أي ما هُو على خلاف “النص” من عبادات وعقائد، ولكن، وعلى خلاف ذلك، جاءت أمور الدولة والسياسة خالية تماماً من هذا التوصيف. ومن الملاحظ في الإسلام أنه حتى أمور الحرب والتخطيط العسكري لم يتدخل الوحي (النص المقدس) بصورة استباقية أو متقدمة على وقت المعركة في تنظيمها وارشادها وتوجيهها، هذا مع العلم أن مجتمع النبي (ص) كان مهدداً من الخارج في أغلب فترة حياته في المدينة. فقد روت لنا السيرة الشريفة أن النبي (ص) انزل جيشه موقعاً محدداً قبل معركة بدر، ولم يكن هذا الموقع مناسباً ولا متميزاً كما لاحظ أحد الصحابة، الحباب بن المنذر، في سؤاله النبي عن سبب اختياره لهذا الموقع بالذات. وعندما أشار الصحابي للموقع الصحيح لنزول جيش المسلمين، رأينا النبي يقبل منه رأيه ويأمر الجيش بالتحرك إليه. ورأيناه (ص) يشاورهم في أسرى بدر، واستقر على رأي عاتبه عليه القرآن لاحقـاً، وأشار الوحي بأن الصواب كان على خلاف إطلاقهم وأخذ الفدية كما فعل النبي (ص). ورأيناه في معركة أحد يقبل مشورة الصحابة في الخروج إلى العدو على خلاف رأيه (ص) في البقاء فيها، وكانت مشورة الصحابة ورأيهم غير سليمة. ورأينا كذلك في الخندق وفي صلح الحديبية وغيرها من الحوادث، لم يتدخل الوحي أبداً ليشير على النبي بما ينبغي فعله مما اضطره (ص) ليأخذ مشورة زوجته السيدة أم سلمة في حادثة صلح الحديبية مثلاً بعد خلاف الصحابة عليه، وأشارت عليه بالرأي الصحيح. وهذا بالمناسبة على العكس تماماً مما نراه في سفر أشعياء في العهد القديم حيث الوحي هناك يتدخل مباشرة في الأمور العسكرية والتخطيط لها عند اليهود.
وأيضاً، وعلى هذا المنوال، فإن آليات الدولة (استخلاف، شروط خلافة، صلاحيات الخليفة، امكانية عزله، مدة ولايته، مدى الزام الشورى له، الهيكل الإقتصادي للدولة، التوصيفات الإدارية، المؤسسات المدنية، النظم التعليمية، مفهوم الشعب والمواطنة، الحقوق والواجبات المدنية…الخ) كل هذه قد أتى “النص المقدس“، كقرآن وسنة نبوية، خالية تماماً من توصيفها. فإذا عرفنا أن القرآن ينص صراحة في سورة المائدة ﴿اليوم أكملت لكم دينكم وأتممت عليكم نعمتى ورضيت لكم الإسلام دينا﴾، فإن كمال الدين وتمام النعمة تستدعي بالضرورة استيفاء التشريع، أكرر، التشريع، نصاً. فإن غاب أي موضوع عن هذا النص فإنه بالضرورة لا يدخل في أمور الدين ولكن الدنيا. وبالتالي فإن المجتمعات وأفرادها أعلم بها وبشؤونها.
وهنا تبرز قضية تفاعل التشريع الإسلامي، كما في مسألة الحدود، مع القوانين المدنية التي يفرزها التفاعل التشريعي للمجتمعات. ففي قطع يد السارق على سبيل المثال، هل المهم أن نأخذ الهدف، وهو عقاب السارق، اختلاف طريقة العقوبه، السجن مثلاً بدلاً من قطع اليد، أم يجب تطبيق ما جاء بالقران حرفياً؟
في البداية يجب أن نقرر أن محتوى هذا السؤال يتطرق إلى قضية الإجتهاد مع وجود النص الجلي الواضح غير القابل للتأويل أو التفسير خارج حدود معنى ألفاظه المباشر وذلك لمسايرة ظروف وقتية محددة. ويجب أن نعترف هنا أن هذا التوجه، أي الإجتهاد مع وجود النص، سوف يؤدي في نهاية المطاف إلى أن الدين سوف يفقد صفة الإلزام حتى في أبسط أموره. بل سوف يتعداه إلى فقدان الهوية المميزة له ليذوب في النهاية في المتغير والوضعي. ببساطة، هو لن يكون “ديناً” بالمعنى المتعارف عليه، بل قانوناً وضعياً تم تشكيله وإعادة تركيب وبناء محتواه من “النص” المقدس بحيث فقد المعنى الأصلي لـ “النص” أي صفة الزامية له. وهذا يستدعي، في حال مخالفة النص المنقح والمُعدل، عقاباً “دنيوياً” لا غير. وهذا بالتالي سوف يعرض مفاهيم أخروية هامة للتنظير والتهميش والتي هي جزء لا يتجزأ من المفهوم الإسلامي للدين. [انظر كتابي: السلفية والعلمانية]. فالإجتهاد مع وجود النص الواضح الجلي غير القابل للتأويل سوف يعرض الدين، بالضرورة، إلى حالة ذوبان وموت، وهذا توجه، كما هو واضح، غير واقعي فيما يخص الإسلام بالذات.
ولكن من جهة أخرى فإن التشريع، ومنها نظام العقوبات، في المجتمعات الليبرالية تخضع بالدرجة الأولى إلى تشريع ديموقراطي من خلال المجالس التشريعية. والديموقراطية ومجالسها التشريعية تستدعي بالضرورة الأخذ برأي الأغلبية فيما يشاؤون أن يتم تقييد حرياتهم به، كما أتى تماماً في توصيف العقد الإجتماعي. فالعقد الإجتماعي هو ميثاق بين المؤسسة السياسية وأفراد الشعب، كأغلبية، يتم بموجبه حكم الشعب من جهة ومن جهة أخرى تخضع المؤسسة السياسية للمشيئة الشعبية. وعلى هذا إذا أتى في البرلمان أغلبية تريد أن تطبق العقوبات الإسلامية على المجتمع، فيجب الإفتراض هنا بأن أغلبية هذا الشعب يريدون أن يتم تطبيقه عليهم والخضوع لمحتوى النص المقدس في شأنه. وبالتالي، وكنتيجة للعقد الإجتماعي، فإن الأقلية يجب أن تلتزم بنتائج الديموقراطية وأن تسعى في نفس الوقت لتغيير التشريع بالطرق القانونية وذلك عن طريق الإقناع والدعاية. ولكن، إن كان أغلبية أعضاء البرلمان المنتخب في المجتمعات الليبرالية لا تريد تطبيق هذه العقوبات، فهذا يعني أن الشعب بأغلبيته لا يقر ولا يعترف بسلطة هذا النص عليه. وهذا يعني بالضرورة أن الدين أصبح يواجه إشكالية حقيقية ضمن هذا الشعب بالذات. وبالتالي فإن أولوياته، منطقياً، يجب أن تكون مختلفة تماماً عن مسألة تطبيق الحدود لأنه، ببساطة، هو أمام شعب لا يؤمن في أغلبيته بسلطته عليه، واصبح اتباعه أقلية فيه. فيجب على اتباع هذا الدين أن يلجأوا إلى أساليب الدعوة والدعاية في هذا المجتمع الليبرالي لتأمين الأغلبية المطلوبة ضمن قطاعات الشعب لتأمين إمرار مثل تلك القوانين.
تبقى مسألة مواد حقوق الإنسان وما أتى فيها من معارضة للعقوبات الجسدية، وهي جزء أصيل من ثوابت المجتمعات الليبرالية. هنا بالذات، وهذا رأي شخصي، يجب أن نقبل حقيقة أن من حق أي مجتمع، كأغلبية فيه وضمن رقعة جغرافية محددة، أن يقنن ويشرع ما يراه مناسباً لحكم نفسه عن طريق التشريع الديموقراطي. فإذا نتج عن هذه الديموقراطية، الحرة النزيهة، قبول لمثل هذه العقوبات فإنه ليس من حق أي معيار أخلاقي خارجي أن يفرض نفسه فرضاً على هذا المجتمع. إذ أن الأساس هو القبول الطوعي وليس الجبر والغصب، وإلا بماذا يختلف الديكتاتور عن الديموقراطي. ولذلك فإنني أرى بأنه لا عبرة بإعتراض أي معيار خارجي إذا نشأ القبول الحر، أكرر: الحر، داخلياً بمعيار محدد ولكنه مخالف لهذا المعيار الخارجي. وقد يثور اعتراض هنا بحقوق الأقليات، ولكن الجواب على هذا الإعتراض هو أن الأقليات الوطنية هي ملتزمة أصلاً بهذا العقد الإجتماعي من الأساس وأعلنت قبولها به من خلال عدم ممانعتها لأساسيات المنهج الديموقراطي، وبالتالي فإن مسألة اعتراضهم تخضع لنفس الآلية الديموقراطية والتي أشرت إليها أعلاه. وبالتالي فإن هذه الأقليات يجب أن تسعى إما لتستثني نفسها من مثل هذه القوانين، أو أن تسعى لتغييرها بالوسائل الديموقراطية القانونية. ولا سبيل غير هذا. إذا السؤال المضاد لمثل هذا الإعتراض هو: وهل كل تشريع في الدول الديموقراطية الأصيلة في أوروبا الغربية وأمريكا الشمالية قد خضع لقبول وموافقة الجميع وبلا استثناء؟!
المجتمعات الليبرالية هي مجتمعات ديناميكية تعكس بالضرورة آراء الشعب ومواقفه وقناعاته. وبالتالي هي انعكاس صحيح لصحة ومرض هذه المجتمعات، مع تأكيد على نسبية المعنى للمرض. والدين، كمنهج، لا يجب أن يشذ في تفاعلاته ضمن المجتمع الليبرالي عن أساسيات المناهج الديموقراطية وافرازاتها ضمن المجتمع.
فرناس