كتابي الثاني – تــشــريـح الـفـكـر الـسـلـفـي الـمـتـطـرف
Filed under عـــام by فرناس on 28-07-2009
Tags : كــتــابــي الـثـانـي
تـشـريـح الـفـكـر الـسـلـفـي الـمـتـطـرف
عدد الصفحات : 653 صفحة
دار الحصاد
الطبعة الأولى - دمشق
2009
(اعتذر عن نوعية الصورة لأنه لم يتوفر لي ماسحة رقمية حيث لا ازال أقضي أيام إجازتي بعيداً عن الكويت. وهذه الصورة للغلاف التقطتها بكاميرتي الشخصية)
الـــمـــحـــتـــويـــات
مقدمة
الرموز المستخدمة في متن الكتاب
الفصل الأول
تعريف مختصر بشخصيات الكتاب
-
مدخل
أسامة بن لادن
أيمن الظواهري
أبو مصعب الزرقاوي
أبو قتادة الفلسطيني
يوسف صالح العييري
أبو جندل الأزدي
الفصل الثاني
المنهج العام للفكر السلفي المتطرف
-
مدخل
المنهج السلفي
أسامة بن لادن
أيمن الظواهري
أبو مصعب الزرقاوي
أبو قتادة الفلسطيني
يوسف صالح العييري
أبو جندل الأزدي
الفصل الثالث
الطاغوت والولاء والبراء والعمليات المسلحة
-
مدخل
الولاء والبراء
الطاغوت والحاكم والحكم بغير ما أنزل الله
العمليات المسلحة
أسامة بن لادن
أيمن الظواهري
أبو مصعب الزرقاوي
أبو قتادة الفلسطيني
يوسف صالح العييري
أبو جندل الأزدي
الـمـلاحـــق
-
(———————————)
فقرات من مواضع مختلفة في مـقـدمـة الـكـتـاب
التطرف السلفي هو إشكالية منهج ونص، معاً، يتفاعلان لينتجا موقفاً يبدو شاذاً على السياق العام المعاصر. ولكن الحقيقة، كما يحاول هذا الكتاب أن يبينه، أن التطرف السلفي قد لا يبدو بالضرورة شاذاً إذا ما أرجعناه إلى أساسيات المنهج السلفي ومصادره التي يستقي منها نصوصه ومواقف وفتاوى شيوخه سواء منهم القدماء أو المعاصرين. فالمسألة مع المنهج السلفي المتطرف تبدو طارئة من وجهة النظر المعاصرة لأنها، فقط، برزت وانتشرت بسبب الدعوة السلفية ذات الطابع الرسمي والمنظم خلال الخمسين سنة الماضية والتي مولتها حكومات محددة من أموال النفط، وإلا فإن اتباع المنهج السلفي كانوا دوماً أقلية صغيرة جداً في كل المجتمعات الإسلامية وبلا استثناء. ولكن قلتهم التاريخية هذه لا تعني أبداً غياب النصوص المؤصلة للتطرف، ولا تعني أيضاً غياب المنهج الذي يقود إليه، ولكنها تعني أن من كان يتبنى هذا المنهج ويدعو له في الماضي هم قلة قليلة جداً غير مؤثرة في المجموع العام، أو أنهم كانوا محصورون ضمن رقعة جغرافية مدنية ضيقة ضمن محيط أكبر من البادية والقبائل، أما اليوم فهو منهج دول ذوي ثقل رأسمالي لا يجد أية غضاضة في أن يوجه فائض رأس المال هذا في سبيل المنهج ومصادر نصوصه.
(……………………………..)
إشكالية الفقه الإسلامي بصورة عامة مع المفاهيم الحضارية الحديثة تتبدى في أمور متعددة، ولكن أبرزها هي مسألة (الولاء والبراء) ومسألة (الجهاد). فعلى العكس من قناعة المجموع العام للمسلمين، فإن الفقه الإسلامي في بعض جوانبه يحمل رفضاً قاطعاً لذلك الآخر المخالف له في العقيدة. هذا الرفض تترجمه نصوص الفقه الإسلامي إلى شكل عنيف متصادم بالضرورة مع المفاهيم الحضارية المعاصرة كما يفهمها نفس هذا المجموع العام للمسلمين اليوم. ولا يبدو أن الحراك الفقهي الإسلامي الحديث معنياً أو مهتماً بهذا التعارض والتصادم، فهو يتصرف وكأنه يريد أن يتحاشى الكلام والبحث في هذه المسائل بأي ثمن إلا من جانب العموميات التي لا تدخل تحت مسمى “الفتاوى” الملزمة. فالسياق العام للمجتمعات المسلمة يحمل في جوهره خطاب متناقض. فهو من ناحية الخطاب السياسي والدعائي، وربما الاجتماعي أيضاً، يشرح مفاهيم الولاء والبراء والجهاد على أنها محصورة ضمن نطاق محدود داخل العقيدة الإسلامية بحيث يبدو معها الآخر المختلف وكأنه بمأمن منها. ولكن من ناحية أخرى، فإن الخطاب الفقهي القابع في بطون الكتب التي تمتلئ بها المكتبات في أسواق نفس هذه المجتمعات تحمل رأياً آخر مباين تماماً لهذا الخطاب الدعائي ولا يمت له بصلة أبداً. بالطبع، فإن أول من يعرف هذا التناقض الشديد هو الفقهاء وشيوخ الدين والمؤسسات الشرعية والفقهية، ولكنهم يصمتون. ولكن من يتكلم بصوت مسموع هم من نسميهم اليوم بـ “المتطرفون”. وهؤلاء، في الحقيقة، لم يفعلوا أكثر من أن يرجعوا إلى هذه المصادر الفقهية التي تمتلئ بها المكتبات ليستخرجوا هذه النصوص ليستدلوا بها على مواقفهم.
(……………………………..)
هذا الكتاب هو محاولة للتشريح، تشريح الفكر السلفي المتطرف. ولا تستقيم أية محاولة للتشريح إلا ببقر البطن ثم النظر إلى الداخل، حيث يختبئ القلب الذي ينبض والرئة التي تتنفس والمعدة التي تهضم والإمعاء التي تنقل. والتشريح بطبيعته يبرز ما كان يجب أن يكون خافياً محتجباً عن أعين الناس لأنه قد يثير مشاعر سلبية من نوع ما لديهم. ومن قال أصلاً أن أية عملية للتشريح هي عملية سارة جميلة(؟!) بل على العكس، هي عملية قد تثير اشمئزاز البعض، وقد تثير اعتراض البعض، وقد تثير غضب البعض وثورتهم، بل هي في الحقيقة لا يرتاح لها فاعلها نفسه وينفر منها بسبب خوضه في (الرفث والدم). ولكن في النهاية هي ضرورية، لأن الفهم الذي نجنيه من أية عملية للتشريح تعمق فهمنا للحياة من جهة، ولكنها من جهة أخرى، وهي الأهم، فإنها تحفظ الحياة بشكل أكثر صحة لأنها عمقت فهمنا لآليات المرض وكيفية تفاعله وانتشاره.
(……………………………..)
هذا الكتاب هو محاولة للبحث في التربة الخصبة، في الجذور، في الماء الذي يتسرب قطرة قطرة خلالهما ليسقي فكر هؤلاء ومنهجهم. وأنا أعلم مقدماً أن كِلا الطرفين، السلفيون المتطرفون والسلفيون الذين يقفون على النقيض منهم، سوف يرون هذا الكتاب كمحاولة للنيل من منهجهم وفكرهم وعقائدهم. وإن كان الغرض الأصلي من الكتاب هو كشف الفكر المتطرف، بغض النظر عن صفته، إلا إنني أقول: “هذه نصوصكم كما أتت في مصادرها، هي التي تتحدث إليكم وإلى القارئ، فإن كانت خطأ فهو ذنب من كتبها، وإن كانت صحيحة فما ظلمناكم”.
فقرات مختلفة من مدخل الفصل الثاني
طرح الإمام الفخر الرازي إشكالية رواية لفظ الحديث في معرض إيراده لملخص حجج الخوارج في مسألة عدالة الصحابة. والحقيقة أن تلخيص الرازي هذا يضع الإشكالية في إطارها الواقعي الإنساني، منتزعاً إياها من المحيط “المتعالي” الذي يتعدى حدود القدرات الإنسانية الطبيعية في بعض محاوره والذي يتبناه الطرح السلفي عند تطرقه للصحابة ولمن نقل الحديث الشريف. يقول الإمام الرازي ملخصاً حجة الخوارج:
“إنا نعلم بالضرورة أن الرسول (ص) متى كان يشرع في الكلام، فالصحابة ما كانوا يكتبون كلامه من أوله إلى آخره لفظاً، وإنما كانوا يسمعونه ثم يخرجون من عنده، وربما رووا ذلك الكلام بعد ثلاثين سنة. ومن المعلوم أن العلماء الذين تعودوا تلقف الكلام ومارسوه وتمرنوا عليه، لو سمعوا كلاماً قليلاً مرة واحدة فأرادوا إعادته في تلك الساعة بتلك الألفاظ من غير تقديم ولا تأخير لعجزوا عنه، فكيف الكلام الطويل بعد المدة المتطاولة، من غير تكرار ولا كتابة. ومن أنصف قطع بأن هذه الأخبار التي رووها ليس شيءٌ من ألفاظها لفظ الرسول (ص). ثم مَن يُعيد الكلام بعد هذه المدة لا يمكنه أن يعيد معناه بتمامه، فإن الإنسان مظنة النسيان، بل لا يعيد إلا بعضه. وإذا كان كذلك، لزم القطع بسقوط الحجة عن هذه الألفاظ، لا سيما وقد جربناهم، فرأيناهم يذكرون الكلام الواحد، في الواقعة الواحدة، بروايات كثيرة مع زيادات ونقصانات” .
وكأن الإمام الرازي أحس بقوة الحجة هنا، فلم يعلّق عليها إلا بقوله “لما ثبت أن الظاهر من حال الراوي العدالة، وقد أخبر بأنها ألفاظ الرسول (ص)، وجبَ تصديقه فيه ظاهراً، والله أعلم” .
عقد عبد القادر البغدادي في كتابه خزانة الأدب ولب لباب لسان العرب فصلاً تحت عنوان “في الكلام الذي يصح الاستشهاد به في اللغة والنحو والصرف” ناقش فيه سبب ترك أئمة اللغة العربية المتقدمين الاستشهاد بنصوص الحديث الشريف في اللغة. فقد أورد أن حجة الذين امتنعوا عن الاستشهاد بالحديث الشريف هو أن “الأحاديث لم تُنقل كما سُمعت من النبي (ص)، وإنما رويت بالمعنى. وثانيهما أن أئمة النحو المتقدمين من المصريين لم يحتجوا بشيء منه” . وعندما أورد البغدادي الردّ على جزئية أن الحديث إنما نُقِلَ لنا بالمعنى دون اللفظ، لم ينفه، ولكن لم يزد الحجة إلا تثبيتاً، فقد قال “ورُدّ الأول، على تقدير تسليمه، بأن النقل بالمعنى إنما كان في الصدر الأول قبل تدوينه في الكتب، وقبل فساد اللغة، وغايته تبديل لفظ بلفظ، يصح الاحتجاج به، فلا فرق”. ثم أورد البغدادي عدة أخبار حول ها السياق سوف أورد بعضها هنا.
(……………………………..)
الإشكالية في النقل على المعنى تتبدى من جهتين. الأولى أنها تعتمد بدرجة أساسية على فهم المتلقي لحديث النبي (ص) ومراده ومقصده، وهذا، كما هو واضح لا يمكن ضمانه تماماً. إذ أن الاحتمال يتطرق إلى أن الراوي بالمعنى عندما يُبدل لفظاً مكان لفظ إنما ينقل لنا فهمه هو (هي) لما أراده النبي (ص)، وهو يفترض بأن هذا اللفظ بالذات يؤدي مراد النبي (ص) تماماً كما أراده من حديثه الأول، ولكن من المحتمل أن ما أراده النبي (ص) قد يكون مبايناً لفهمه. وبالتالي فإن ما نقله لنا لا يفيدنا بمراد النبي ولكن يفيدنا فقط عن ماذا فهم الراوي من قول النبي (ص). والإشكالية تتطور إذا علمنا أن الصحابة كانوا يروون بالمعنى أيضاً، ثم أخذ منهم رواة آخرون رووها بالمعنى بدورهم، وهكذا حتى تم تدوينها في الصحاح والمسانيد والسنن. فإذا كان هناك حديث بين تدوينه والنبي (ص) أربعة رواة أولهم الصحابي، فإننا نقرأ اليوم في كتب الحديث فهماً عن فهم عن فهم عن فهم لحديث النبي (ص)، أو رواية بالمعنى لحديث بالمعنى لحديث بالمعنى لحديث بالمعنى لحديث النبي (ص). وهذا كما هو واضح إشكال خطير خصوصاً إذا تعلق هذا بأحاديث الأحاد، والتي سوف نتطرق لها أدناه، فيما يتعلق بالعقيدة والعمل وكما يصر على تبنيها السلفيون ويؤكدون على حجيتها في العلم. قال طاهر الجزائري الدمشقي “إلا أنه بعد البحث والتتبع تبين أن كثيراً ممن روى بالمعنى قد قصّر في الأداء، ولذلك قال بعضهم ينبغي سد باب الرواية بالمعنى لئلا يتسلط من لا يُحسن ممن يظن أنه يُحسن كما وقع لكثير من الرواة قديماً وحديثاً”. بل إن الإمام الفخر الرازي يقول إنّ سبب الكذب في حديث النبي (ص) قد جاء من السلف والخلف، أما السلف “فهم منزهون عن تعمد الكذب، إلا أنه لو وقع ذلك لوقع على وجوه. أحدها أن يكون الراوي يرى نقلَ الخبر بالمعنى، فيُبدل مكان اللفظ آخَرَ لا يُطابقه في معناه وهو يرى أنه يقوم مقامه. وثانيهما أنهم لا يكتبون الحديث في الغالب، فإذا قَدِمَ العهد، فربما نسيَ اللفظ فأبدلَ به لفظاً آخر وهو يرى أن ذلك اللفظ هو المسموع، وربما نسيَ زيادة يصِحُّ بها الخبر” .
(……………………………..)
ومع كل تلك الإشكاليات في متن الحديث الشريف، والنقل بالمعنى، وجواز الخطأ وعدم فهم مراد النبي (ص) وغيرها من الإشكاليات، إلا أن المنهج السلفي قد طور إصراراً على التقيد بألفاظ الحديث كما وردت تماماً، والرفض القاطع لاستخدام أي مصطلحات يتم تطويرها لاحقاً في سبيل تسهيل الوصف الشرعي وعلى أنها (اصطلاحات مُحدثة). فـ “بدعة الألفاظ” هيمنت بصورة أو بأخرى على الوعي السلفي ملغية معها كل إشكالات الحديث، مع التغييب المتعمد في الخطاب العام لحقيقة أن تلك الألفاظ التي يصرون على التمسك بها هي ليست بالضرورة الفاظ النبي (ص)، وربما لم يتلفظ بها قط في حياته. بل تعدوا ذلك إلى الإصرار على أن “الفاظ النصوص معصومة” كما أكد ابن القيّم. فالمبدأ السلفي هو أن المصطلحات مهما كانت غير مهمة ولا تبدو أن لها أي تأثير على السياق العقائدي أو الشرعي، إلا أن حقيقة عدم وجود هذه المصطلحات (الكلمات) بالذات في كتب الحديث، أو ما استخدمه “السلف” وتلفظوا به، يلزمنا بعدم استخدامها ونبذها ورفضها أيضاً. يقول ابن قيم الجوزية:
فقرات مختلفة من مدخل الفصل الثالث
درجة المواجهة مع المجتمعات عند السلفي الملتزم يغذيها فتاوى لا أول لها ولا آخر، تبدأ من مسائل العقيدة وقد لا تنتهي عند ما تراه المجتمعات بأنه أمر بسيط لا يجب أن يشغل البال كثيراً. ولكنها كلها عند السلفي أمراً بدعياً، على السلفي أن ينكره أو، على أبسط الأحوال، أن يبين للمجتمع وجه “السنة” فيه. ولكن القضية السلفية مع المجتمعات هي قضية تراكمية بطبيعتها، لا يزيدها الزمن إلا تضخماً وورماً بسبب تراكم مواضيع الصراع وتشعبها وتفرعها. فتوالي الزمان هو عدو السلفيين الأول، الذي لولاه لاستراح السلفي في محيط مكانه الثابت تماماً كما عاش به وحوله وعليه السلف الصالح. فعندما كتب ابن تيمية مثلاً في مجموع فتاويه “أكل الشوي والشريح جائز، سواء غُسل اللحم أو لم يُغسل، بل غسل لحم الذبيحة بدعة” فإنه في الحقيقة قد ارتفع في مواضيع مواجهة السلفي مع مجتمعه درجة إضافية لتحوي أموراً لا تخطر بالضرورة على بال من أراد أن يدعو سلفياً إلى دعوة شواء. ولن يقف التراكم “البدعي” للمجتمعات مع رأي ابن تيمية هذا، بل إن الزمن سوف يزيد مواضيع المواجهة بسبب استمراريته وتغير الظرف الذي كان محيطاً بـ “السلف الصالح”، من خلال فتاوى بدع العادات التي ينكرها المنهج السلفي ابتداءً، ليزيد معها مسؤوليات السلفي تجاه عقيدته زيادة طردية كبيرة سوف تثقل كاهل فكره وهمه. فالفتاوى التي تحرم لبس المرأة للكعب العالي (لأنه يُعرّض المرأة للسقوط…كما أنه يُظهر قامة المرأة وعجيزتها بأكثر مما هي عليه، وفي هذا تدليس وإبداء لبعض الزينة)، وتحرم إهداء الزهور للمريض لأنه (ليس من هدي المسلمين على مر القرون إهداء الزهور الطبيعية أو المصنوعة للمرضى في المستشفيات أو غيرها، وإنما هذه عادة وافدة من بلاد الكفر، نقلها بعض المتأثرين بهم من ضعفاء الإيمان)، وتحرم إحتفال أطفال دول الخليج العربي بمنتصف شهر رمضان بما يُعرف عندهم باسم “قرقيعان” بواسطة ترديد الأناشيد لبيوت جيرانهم مقابل حلوى أو مبالغ قليلة رمزية لأنه (بعد دراسة اللجنة للاستفتاء المذكور أجابت عنه بأن الاحتفال في ليلة الخامس عشر من رمضان أو في غيرها بمناسبة ما يسمى مهرجان القرقيعان بدعة لا أصل لها في الإسلام، وكل بدعة ضلالة، فيجب تركها والتحذير منها ولا تجوز إقامتها في أي مكان لا في المدارس ولا في المؤسسات أو غيرها)، مثل هذه الفتاوى، وغيرها كثير جداً، سوف تؤسس للسلفي الناشيء مبدأ الرفض لأحوال مجتمعه وعاداته وعقائده وأحوال أفراده، ثم ليبدأ، بعضهم على الأقل، الفكر الجاد في كيفية الرجوع بهم جميعاً إلى أحوال السلف الصالح. كما أنها ترسخ مفهوم الشك والريبة في كل ما يتبناه المجتمع حوله من عادات أو مفاهيم بسبب تباين الأحوال وتوالي الزمان، وليلجأ إلى أحوال وظروف ورأي وعقل ومنطق السلف ليعرف “حكم الإسلام” فيه. هذا الشك وتلك الريبة هي التي الغت تماماً في الذهنية الإسلامية بصفة عامة المبدأ النبوي الأصيل الذي قرره على مرأى ومسمع الأنصار في المدينة (أنتم أعلم بشؤون دنياكم)، وليكون (ص) أول وآخر إنسان في كل هذا التراث الإسلامي يفتي بهذه الفتوى.
(……………………………..)
ومن هنا نشأت الإشكالية بكل تفريعاتها المدمرة والمتعددة الأوجه. نشأت لأن “الدولة”، بمؤسساتها الرسمية والدينية، تتبنى نفس الطرح المتطرف من دون أن تعي ذلك. إنها تتكلم من نفس منطلق هذه الجماعات، ومن نفس أدبيات هذه الجماعات، ومن نفس مصادر هذه الجماعات، وتتبنى نفس منهج هذه الجماعات، وتتكلم بلغة مشابهة لهذه الجماعات. الفرق هو أن “الدولة” تريد أن تمارس انتقائية واضحة التهافت في تفسير ما ورد في هذه المصادر والأدبيات السلفية والتي تعترف هي رسمياً بأن محتواها هو منهج “السلف الصالح” وأنها الإسلام كما أنزل على محمد (ص). هذه المصادر التي تطبعها بعض الدول على نفقتها لتغرق بها مكتبات الشرق والغرب على أنها مصادر المنهج السلفي، ما هي في الحقيقة إلا الأدبيات السلفية المتطرفة نفسها، والتي تصرف نفس هذه الدول مئات الملايين من الدولارات لمنعها ولملاحقة متبنيها والداعين لها. الفرق الوحيد هو أن المحتوى المتطرف أتى غارقـاً وسط آلاف الصفحات التي تتكلم عن مواضيع شتى، بينما الأدبيات المتطرفة قد استخرجت هذا المحتوى وصاغته بأسلوب مركز في صفحات يسيرة حتى يسهل الرجوع إليه. المصدر واحد، وهو متوفر بكل سهولة ويُسر، ويُدرّس في بعض الجامعات، ويُشرح في المساجد والمجالس، ويُحفظ في البيوت، ويُرجع إليه من خلال صفحات الإنترنت، وتستشهد به بعض الدول من أول فرد فيها إلى آخر موظف صغير في هيئة دينية أو تعليمية أو اجتماعية أو حتى اقتصادية. إنه نفس الخطاب، الفرق فقط بأوهام التفسير عند “الدولة” وادعاء الصواب عند المتطرفين والدولة.
(……………………………..)
من الجدير بالإشارة إلى أن النزعة التكفيرية عند التوجهات السلفية قد طالت حتى ما يعتبرهم السياق الإسلامي العام كـ “أئمة”. الإشكالية هنا هي ليست في أشخاص قد توفاهم الله منذ أكثر من ألف عام، ولكن الإشكالية الكبرى تتبدى في ما يستتبعه هذا الموقف التكفيري من احتمال ردود أفعال تجاه من يعتبرونهم اليوم أتباع هؤلاء الأشخاص في الفكر أو المذهب. ومن الملفت للنظر أن بعض أصحاب هذه النزعة التكفيرية لا يزال، ضمن المحيط السلفي الرسمي، يتم ترسيخهم على أنهم “شيوخ” المنهج السلفي المستقيم الخالي من البدع ورؤوس الفرقة الناجية المنصورة. قال الشيخ محمد الغزالي رحمه الله في كتابه (سر تأخر العرب والمسلمين):
“إن زعيم السلفية الأسبق في مصر الشيخ حامد الفقي حلف بالله أن أبا حنيفة كافر، ولا يزال رجال ممن سمعوا اليمين الفاجرة أحياء. وقد نددتُ أنا في كتاب لي بمحاضرة ألقيت في حيِّ الزيتون بالقاهرة تحت عنوان (أبو حامد الغزالي الكافر)، والمكان الذي قيلت فيه هو مقر السلفية. والطلبة السلفيون هنا، في جامعة الأمير عبد القادر بالجزائر، يقولون عن مالك بن أنس إنه يُفضّل عملَ أهل المدينة على حديث رسول الله” .
لاحظ هنا أن الشيخ محمد الغزالي قد كتب ما كتبه أعلاه قبل وقت طويل جداً من الأحداث الدموية في الجزائر والتي استُخدمت فيها الفتاوى التكفيرية لتبرير قتل النساء والأطفال والأبرياء. إذ لا شيء يظهر فجأة، كما أن لا شيء، فكري أو منهجي أو عقائدي، سوف يغوص في العدم ويختفي فجأة حين يظهر.
(……………………………..)
هذا الموقف السلفي الرسمي كان من المبالغة بحيث تعرض إلى انشقاقات من داخل صفوفه على أساس الرفض البديهي لمبدأ الخضوع للعسف والظلم من جانب السلطة الحاكمة ومن دون أية معارضة أو تساؤل . وأيضاً، فإن الممارسات القمعية للسلطة الحاكمة في بعض الدول، مع الاتهامات بالفساد والرشاوى والاستيلاء على ثروات الدولة والشعوب، ساهمت وبشكل كبير في وضع السياق السلفي الرسمي تحت المسائلة والنقد والتفنيد والشك. ولكن بسبب الصعوبة التي يواجهها اتباع المنهج السلفي في التحرر من النص، وخصوصاً الحديث النبوي كما هو موجود في مصادره، فإن التوجهات السلفية المتطرفة اختارت بدلاً من نقد متن النصوص المنسوبة إلى النبي (ص) في هذه المصادر مع النظر إلى الإشكالات المتعددة التي واجهت الرواة الأوائل فيها، أن تجنح نحو إثبات تكفير السلطة الحاكمة وكل من يساند سلطانها. إذ أن من خلال إثبات مسألة التكفير هذه، أي الكفر البواح الذي عندهم فيه من الله سلطان، سوف يكون باستطاعتهم الإبقاء على سلطة النص كما هي للعمل من خلالها كوسيلة تبريرية تُشرع لهم منهجهم، وفي نفس الوقت السعي الحثيث إلى الانقلاب على السلطة. فكأن السياق السلفي الرسمي، من خلال مبالغاته في تحصين ذات الحاكم قد ساهم بشكل مباشر ورئيس في الانقلاب ضده. إذ أن الحصانة، أي حصانة، من دون رقابة مسؤولة ذات سلطة عليها سوف تكون لا محالة طريقـاً ممهداً للفساد والتسلط. وهذا ما حدث تماماً مع المنهج السلفي الرسمي ومن يتولى رعايته.
(……………………………..)
هذا التمرد المنهجي، كما التمرد المتطرف، كان في الأصل ردة فعل على التوجهات السلفية الرسمية التي اختارت الانغلاق على حرفية النص المنسوب إلى النبي (ص) من دون النظر في البُعد الإنساني لأي مجتمع ولأي دين، ومن دون بُعد نظر حكيم في العواقب الوخيمة التي تجرها الديكتاتوريات على الناس والأمة. فكأن كل دروس التاريخ، من وقت بروز هذه النصوص فجأة على الساحة الحفظية والتدوينية في فضاء أهل الحديث بعد مقتل علي بن أبي طالب وحتى وقتنا الحاضر، لم تساهم بأي درجة في مسائلة السلفيين أنفسهم، كمجموع عام منضو تحت مظلة الرعاية الرسمية، عن مدى جوهرية مضامينها في المجتمعات الإنسانية بصفة عامة. هؤلاء المتطرفون الذين خرجوا على مجتمعاتهم، وبغض النظر تماماً عن حقيقة أن المصادر السلفية الرسمية ذاتها تشرعن لأفعالهم من جهة ثانية وكعامل أساسي في بعض التوجهات المتطرفة، إلا أنهم نتاج مباشر لهذه البيئة الرسمية، في بعض المجتمعات، التي تضغط على البديهيات الإنسانية لهؤلاء، باسم الدين والسلف، حتى تحاول أن تسلبهم آخر ما تبقى من حقوقهم وإنسانيتهم لصالح حاكم أو رئيس أو ملك يمثل شذوذاً على كل قيمة عليا أتى بها أي دين. إنهم خارجون من رحم هذه المجتمعات، وباسم السلف، ليقاتلوا حاكم أو رئيس مجتمع السلف، وبسبب شيوخ وفقهاء السلف.


مبروك ومنها للاعلى ووصيت على الكتاب من سوريا:)
مت وانة اعيد كتابة التعليق ويعطيني خطا
شصاير بمدونتك:(
العزيز فرناس الف مبروك ومنها للاعلى انشالله
تحياتي ..
Y.M
مبروك على الكتاب وانشالله اقدر اقراه ويوصل الكويت بالسلامه دون ان تمنعه الرقابه عزيزي فرناس اتمنى زيارتك الى مدونتي
العزيز فرناس
مبروك صدور الكتاب
السؤال المهم
وين نحصل الكتاب بالكويت
مبروك الكتاب
وبدون مجاملة انت مصدر الهام وتشجيع لي والي حولي
مبروك مرة ثانية
العزيزة المستبدة
تحية حارة لكِ
لكِ جزيل الشكر يا عزيزتي، وأسفي الشديد على هذه الفوضى في المدونة. لقد شرحت السبب في بوست اليوم.
تحياتي الحارة
فرناس
Y M زميلي العزيز
جزيل الشكر والامتنان يا عزيزي على تفضلك بالتعليق
تحياتي الحارة
فرناس
Mimo زميلي العزيز
تحية حارة لك
اتشرف بزيارة مدونتك يا عزيزي، ولكن اذا امكن أن تضع رابط المدونة. فقد بحثت تحت اسمك الرمزي ولم استطع العثور على رابط المدونة
تحياتي الحارة يا عزيزي
فرناس
esetch زميلي العزيز
تحية حارة لك
جزيل الشكر والامتنان على تفضلك بالتعليق يا عزيزي. الكتاب لا يزال غير متوفر في الكويت حيث يلزمنا أولاً موافقة الرقابة عليه
تحياتي الحارة يا عزيزي
فرناس
العزيز موسى
تحية حارة لك
جزيل الشكر والامتنان على تفضلك بالتعليق واسعدني جداً أنني بهذه المنزلة عندك
تحياتي الحارة
فرناس
أريد أولاً سيد فرناس أن أسجل تحياتي لك
وتبريكاتي للنساء الكويتيات بمناسبة رفض المحمكمة الدستورية في الكويت طلب إسقاط عضوية السيدتين الفاضلتين أسيل العوضي ورولا الدشتي بحجة عدم ارتداء الحجاب، وأيضاً بمناسبة السماح للنساء في الكويت باستصدار جواز سفر دون إذن الزوج.
إلا أنني أتمنى ألا تكون هذه الخطوات مجرد مغازلة من قبل الحكومة للتيار الحداثي العلماني، مماشاة من الحكومة الكويتية للجو العالمي الذي فرض في الآونة الأخيرة على الحكومات العربية التصدي للتطرف الإسلامي.
وأتمنى أن أتمكن من الحصول قريباً على نسخة من كتابك الجديد من دار الحصاد في سوريا.
العزيز لؤي الرنتيسي
سعيد جداً بتعليقك هنا يا عزيزي
تحياتي الحارة
فرناس
تتوقع لو قرأ ابو اسحق الحويني كتابك شنو بتكون ردة فعله؟
sarabi العزيز
تحية حارة لك
في الحقيقة لا أدري بالضبط، ولكن أرجوا أن يهديه الله بعد قراءته
تحياتي الحارة يا عزيزي
فرناس
اريد ان اسال يا فرناس الكتاب الأول نفذ ولا يوجد في مكتبة الربيعان فهل سوف يكون هناك نسخ اخرى ام لا
وهذا الكتاب هل هو في نفس المكان ام في مكتبة اخرى
وعندي راي وانت في الخيار
لماذا لا تنشره في مكتبة العروبة او توزعه لك هذه المكتبة
وشكرا
الزميل نواف السعد
تحية لك
كتابي الأول (السلفية والعلمانية - اشكالات الروئ والممارية) للأسف تقريباً قد نفدت نسخه الألف من أسواق سوريا ولبنان ومصر والكويت. بقيت نسخ قليلة عند الناشر وبعض مكتبات سوريا ولبنان ولدي شخصياً. سوف أحاول أن أوفر في القريب العاجل بعض النسخ في مكتبة ربيعان. وربما خلال الستة أشهر القادمة سوف يتم النظر في احتمال طبعة ثانية
تحياتي
فرناس
انزين والنسخ الى عندك ما نستطيع ان نحصل عليها ولو بالشراء
وشكرا
الزميل نواف السعد
لا يزال الكتاب الثاني تحت المراجعة في وزارة الإعلام ولذلك لا يجوز قانوناً التداول به داخل الكويت.
اتصل بالناشر في دار الحصاد - دمشق، أو أي مكتبة في دمشق أو لبنان وسوف تحصل عليه من هناك. ومتى أجيز الكتاب رقابياً سوف أنشر ذلك في المدونة
أما الكتاب الأول فهناك تفكير جدي لطبع طبعة ثانية خلال هذه السنة، وسوف يتوفر بالأسواق حينها.
تحياتي
فرناس