سذاجة الخطاب الإسلامي المعاصر … الدكتور سيد القمني كنموذج
Filed under عـــام by فرناس on 10-08-2009
Tags : عــام
يتميز الخطاب المعارض والدعائي الإسلامي المعاصر بالكثير من السذاجة على عدة محاور. فبداية من محاولات “تجميل” التاريخ، بل تزويره في أحيان كثيرة، للخروج بنسخة تاريخية أكثر “بياضاً” إن صح التعبير، ومروراً بتبرير وتشريع الاستبداد القديم والمعاصر بحيث تنقلب الديكتاتوريات بشكليها الوضيع (السارق والشهواني) والسادي (القاتل على الشبهة ومن يُلقي الناس في السجون ليخرجوا مشوهين روحياً وجسدياً) إلى أنظمة “شرعية” إسلامية الخارج عليهم يصبح بالضرورة (مفارق للجماعة يريد أن يشق عصا المسلمين!!!)، ونهاية بالتطرف في ردود الأفعال تجاه كل قضية لا تلقى صدىً جيداً عند هؤلاء الشيوخ والفقهاء المعاصرين ثم ليخرج اتباعهم، الذين لم يقرأوا حرفاً اللهم إلا ما قاله لهم هؤلاء الشيوخ عن الموضوع، ليكونوا نموذجاً إما للتطرف أو السذاجة في وسائل معارضتهم. فعند هؤلاء كل أشخاص التاريخ الإسلامي المبكر تقريباً أشخاص يجب أن يكونوا “نماذج” في كل شيء إنساني ومتجرد ومتعالي إلى الحد أنه خرجت علينا محاولات إسلامية لـ “أنسنة” وتجميل الحجاج بن يوسف الثقفي ويزيد بن معاوية، وهذان المثالان كنقطة في بحر. وعند هؤلاء كل أساليب التعذيب والسادية والسرقة والاغتصاب والاستيلاء على أموال البلاد والعباد التي تبنتها الأنظمة الحاكمة المعاصرة والقديمة، خصوصاً إذا كانت تشجع “أهل الحديث” وتقربهم، هي أساليب لها ما يبررها “شرعاً” في فقه حديثهم. بل إنهم يدّعون زوراً بأن نبي الله، الذي يضع ويُبلِّغ معايير العدالة الإلهية للبشر، قد أمر بمثل هذه الأساليب (وإن ضرب ظهرك وأخذ مالك). أما صور مظاهرات الإسلاميين الذين يخرجون بأمر شيوخهم فتتناقلها وكالات الأنباء كمثال على كل شيء متطرف من أول عبارات اللافتات ونهاية بالممارسات. فلا شيء عند هؤلاء يخرج خارج حدود السذاجة.
عندما منحت جمهورية مصر جائزتها التقديرية للدكتور سيد القمني قامت قيامة الإسلاميين ولم تقعد. ومن حيث المبدأ، هذا حقهم ولا أخالفهم فيه. فلكل شخص، أو توجه وفكر، الحق في أن يبدي وجهة نظره في نتاج الأفكار والآراء ويقيمها كما يشاء. ولكن “قيامة” الإسلاميين على الدكتور القمني لم تخرج عن تلك السذاجة المعهودة. فبدلاً من أن ينظروا في كتب الرجل ويحاولوا تفنيدها بالحجة والدليل والمنطق، تبنى الإسلاميون كلهم وبلا استثناء الإسلوب الشخصاني البحت في الإعتراض. فنرى فئة منهم تناست تماماً محتوى نتاجه الفكري لتركز جل اهتمامها على شهادته في الدكتوراه ومن أين أتى بها، وفئة أخرى تبنت الشتائم إلى حدود الإسفاف، وفئة أخيرة تبنت السلاح الأزلي لدى هؤلاء وهو “التكفير” ثم لتقتبس، وفي بعض الأحيان تلفق كما تحداهم الدكتور القمني نفسه، عبارات وجُملاً في كتبه وتعزلها عن سياقها العام ومن ثم تدّعي تكفيره وخروجه من الملة. ولم يخرج علينا إسلامي واحد، واحد فقط، ليقرأ كتب الدكتور القمني ثم ليحاول تفنيدها بهدوء وبالدليل والحجة. إنها أحد صور العجز في التيارات الإسلامية المعاصرة بلا شك. فأنا، على الحقيقة، لا يهمني إن كان الدكتور القمني لم يحصل إلا على الشهادة الإبتدائية دع عنك الأعلى منها، ولكن ما يهمني هو فكر الرجل ونتاجه النقدي. فالقمني واسع الثقافة بلا شك ولديه ما يقوله لنا. قد اتفق معه في جزئيات واختلف معه في أخرى، ولكن لا خلاف بأن الرجل يملك أفقـاً معرفياً نقدياً جديراً بالقراءة والتأمل.
فهل إذا ثبت مثلاً أن الرجل لا يملك شهادة الدكتوراه سوف يجعل كتاباته أقل “قيمة” مثلاً من وجهة نظر الإسلاميين؟
وهل إذا ثبت أن شهادته العلمية كانت نتيجة لأسلوب غير نزيه مثلاً، وهذا ما لا أعتقده أصلاً، ولكن إن ثبت ذلك، فهل سوف يجعلنا هذا أن نجمع ما في مكتباتنا من كتبه ونلقيها في سلة المهملات أو نحرقها كما يفضل الإسلاميين أن يفعلوا؟
بعض أفكار سيد القمني النقدية قد تلقتها فئات كثيرة من المثقفين بالقبول والرضى، وهذا في حد ذاته انجاز وإنْ غضب الإسلاميون وحاولوا البحث في “شخص” الرجل. وسوف تبقى إلى وقت طويل جداً بين هؤلاء، يتداولونها، سواء بقيت هذه الجائزة لديه أو لم تبقى. بل إن شعبية كتاباته كانت كبيرة، وسوف تبقى كذلك، سواء أكان حصل على هذه الجائزة أم لم يحصل عليها. وليحاول الإسلاميون أن يكونوا أكثراً اتزاناً في نقدهم ومعارضتهم، ولينظروا إلى الأفكار وجوهريتها بدلاً من أن يركزوا جهودهم على الأشخاص. هذا، على الأقل، إذا أرادوا أن يخرجوا من حدود السذاجة.
فرناس

