اقيمت أمس ندوة “التدوين في الكويت” في فندق المارينا. في الحقيقة، ومن وجهة نظري الشخصية، كانت تجربة مثرية على أكثر من محور. ويجب أن أعترف أن المناقشات التي دارت بصفة خاصة حول بوفيه العشاء كانت أكثر ديناميكية وثراءاً من ربما “الخجل” الذي منع التفاعل المباشر خلال الندوة. ولكنها تجربة، في رأيي المتواضع، اسقطت الكثير من الحواجز التي ربما كانت في أذهان البعض منا. وأعتقد أنها دفعت حالة التدوين وأشخاص المدونين إلى ساحة أكثر رحابة وأوسع تفاعلاً وديناميكية ضمن المجتمع الكويتي.
أدناه هو ما أعددته لهذه الندوة، ولكن للأسف بسبب عامل الوقت المحدد سلفاً لم استطع أن أتطرق له كاملاً خلالها.
جزيل الشكر والإمتنان إلى ذلك الحضور الرائع الذي فاق توقعاتي الشخصية بكثير جداً. جزيل الشكر والإمتنان إلى زملائي المدونين وزميلتي المدونة الذين شاركوا في الندوة. جزيل الشكر والإمتنان إلى الزميلين الفاضلين “كله مطقوق” و “اكسزومبي” على دعوتهما الكريمة للمشاركة والاجتماع والحوار والتنظيم والمجهود الذي بذلاه للإعداد لهذه الندوة واخراجها بالشكل اللائق. وجزيل الشكر والامتنان لجميع المدونين والمعلقين الذين شجعوا هذه الخطوة أو وقفوا موقف الممتنع غير الراغب فيها، فأنا متأكد بأن للجميع منطلقاته، وفي النهاية كلٌ منا يعمل ضمن قناعاته ووجهة نظره فيما يراه مصلحة للمجموع العام. جزيل الشكر والإمتنان للجميع.
فرناس
نــــدوة “الـــتــــدويـــــن فــــي الــــكــــويـــت”
نمو المدونات ودافعها
برز التدوين، كظاهرة ذات تأثير، خصوصاً في نوعيها السياسي والإجتماعي في السنوات الخمس أو الست الماضية بشكل بارز جداً. التأثير ينبع أساساً (وهذا ليس بالضرورة معيار لنجاح المدونة أو المدون كما سوف أبين بعد قليل) من مقدرة المدون أن يستقطب أكبر عدد من المتابعين لموقعه على الشبكة. وكمثال على “القدرة على الإستقطاب” في ما يُسمى بـ (micro blogging) هي زوجة رئيس الوزراء البريطاني (سارة براون). سارة براون من المتحمسين للنشر على موقع Tiwtter وهو موقع يتيح “تدوين مصغر” على شكل رسائل نصية قصيرة مشابهة للرسائل النصية على الهاتف النقال. عدد المتابعين لسارة في تويتر هو 774,000 متابع لكل ما تكتبه، وقد كانت ترسل رسائل التدوين (تُحدّث update متابعيها بالأخبار) عن ما حدث في اجتماعات زوجات المجتمعين في مؤتمر G20 في بطسبرغ، بنسلفينيا، 24-25 سبتمبر 2009. المفارقة هنا أن حزب العمل البريطاني، حزب زوجها، عدد من يتابعه على نفس الموقع هو أقل من 6000 متابع.
مثال آخر هو المدون العراقي سلام باكس (Salam Pax) صاحب مدونة “أين رائد؟”. أصل انشاء هذه المدونة هو أن صاحبها لديه صديق طفولة اسمه رائد ذهب ليدرس دراساته العليا في الأردن، ولسبب أو لآخر لم يكن رائد هذا يرد على الرسائل الالكترونية التي يبعثها سلام له. أنشأ هذه المدونة قبل بداية الحرب الأمريكية على العراق في 2003 لربما يقرأ صديقه ما يكتبه. لكن هذا المدون حصل على شهرة واسعة جداً خلال الحرب لأنه كان الشخص الوحيد، وكان مجهول الهوية يومها، الذي كان يكتب عن ما يحدث خلال الحرب على العراق من داخل بغداد ويتكلم عن حوادث القمع واختفاء الأشخاص ويوميات القصف إلى حين انقطاع الكهرباء عن بغداد واضطرار سلام للتوقف عن النشر. هذه الشهرة الواسعة والتركيز الإعلامي الغربي على مدونته جعلت صحيفة الغاردين البريطانية تتبع أثر هذا الشخص ولتؤكد بعد الحرب في مقالة لها بأنه مهندس معماري عمره 29 سنة في ذلك الوقت وأنه بالفعل كان يكتب من داخل العراق. بعد الحرب تم توظيف سلام كصحفي في الغاردين ونشرت كتاب بعنوان (بغداد بلوغ) موضوعه هو مدونة سلام باكس.
الملاحظ في كل هذا أن القاسم المشترك بين سارة براون وسلام باكس، من حيث القدرة على استقطاب القراء، هي الرغبة الإنسانية الأصيلة في السعي وراء “المعلومة“. و “المعلومة” قد تعني شيء شخصي كان يجب، على ما جرى به العرف، أن يبقى شخصياً كما هو الحال مع سارة براون. وهذا الشيء الشخصي هو من يحمل “الإغراء”، إن صح التعبير، لذلك الآخر الغريب حتى يحصل عليها. وهي نزعة قديمة قدم الإنسانية نفسها ولا تزال فاعلة اليوم وسوف تبقى. ولهذا السبب فإن كتاب “الإعترافات” لـ جان جاك روسو عند نشره بعد وفاته كان يمثل نجاحاً بكافة المعايير إلى الحد أنهم اعتبروه من التراث الإنساني المميز وتُرجم إلى لغات كثيرة، وكان يتكلم فيه روسو عن حياته الشخصية وبتفاصيل دقيقة يخجل الإنسان العادي من البوح بها. وكذلك اعترافات القديس اوغسطين الذي يصور فيها حياته منذ كان طفلاً حتى مرحلة الشباب. وأيضاً، كما هو الحال مع سلام باكس، الرغبة عند القرّاء للإطلاع على “حقيقة” كما هي من دون رتوش أو تأخير أو رقابة.
ولكن هناك أيضاً محور آخر، وهو محور عدم الثقة التامة بوسائل النشر الرسمية أو التجارية، أو عدم الإقتناع بأن هذه الوسائل سوف تتصرف بشكل حيادي لسبب أو لآخر فيما يتعلق بالرسالة أو الخبر أو المحتوى الذي يراد إيصاله للمجموع العام. وكمثال (أمس على البي بي سي باللغة الإنجليزية على قنوات الراديو في الكويت) كانت هناك حلقة نقاشية حول التدوين ولكن بصفة عامة وبمشاركة مدونين بريطانيين. المفاجأة، لي على الأقل، أن عدداً كبير من أعضاء البرلمان الأنجليزي استعان بمجموعات فاعلة على موقع تويتر الإلكتروني لإيصال وجهة نظرهم إلى الناخبين في المملكة المتحدة، والسبب هو قناعتهم بعدم حيادية الإعلام البريطاني، بشكله الرسمي والتجاري، لإيصال رسائلهم للشعب، إلى درجة أن هؤلاء النواب تقدموا خلال أكثر من مناسبة بشكر واضح وصريح لهذه المجاميع الفاعلة في التدوين القصير على الموقع.
إذن المحورين الرئيسيين:
1- الرغبة في معرفة المعلومة.
2- عدم ثقة في القنوات الرسمية أو وسائل الإعلام المتعارف عليها.
وهذين المحورين هما من يشجع الكثير على الاطلاع والبحث خلال المدونات، وهما من يضمنان نمو حركة التدوين ليس في الكويت فقط ولكن على مستوى العالم. ولكن هذا لا يعني أنه ليس هناك دافع شخصي للمدون أيضاً.
في دراسة قام بها جامعتين هما برنستون وهارفارد، توصولوا فيها إلى علاقة واضحة بين الرغبة الشخصية بالإنجاز والشعور بحيازة القوة أو التأثير على المحيط وبين الإنتشار الواسع والنمو لحركة التدوين القصير على الشبكة. إذن، هناك دافعين، دافع عام لدى القارئ، ودافع خاص لدى المدون.
أثر المدوّنات على النقاش العام
لنركز الإهتمام على الحالة الكويتية. في تصوري المتواضع فإن التأثير على النقاش العام هو تابع رئيسي للموضع محل النقاش. فمثلاً، تأثير المدونات الكويتية على قضية الدوائر الإنتخابية أصبح مثال رائد ومميز ولا يمكن حتى اغفاله من أي شخص يود أن يؤرخ لهذه الفترة السياسية في تاريخ الكويت. المدونات الكويتية التي تبنت هذه القضية فرضت نفسها على الساحة السياسية بشكل واضح وأثبتت أنها لها القدرة على تحوير القناعات لصالح القضية المتبناة. ولكن على الطرف النقيض، هناك قضايا كثيرة لم تفلح المدونات الكويتية في فرض وجهة نظرها على السياق العام في الساحة السياسية والشعبية. وكمثال على ذلك الموقف من الانتخابات الفرعية والموقف من التصويت ذو الدافع الطائفي أو العرقي أو الطبقي. فهذه قضايا يتفق عليها أغلب المدونين الكويتيين على الساحة، ولكن في نفس الوقت لم يستطيعوا أن يفرضوا واقعاً مغايراً لما هو متعارف عليه. حتى ردود الأفعال الحكومية على قضايا الانتخابات الفرعية لم تكن مدفوعة من ضغط تدويني منظم نشأ عنه رأي عام شعبي.
وأيضاً هناك قضايا شراء الأصوات والموقف الحكومي الناجح إلى حد ما في مجابهتها. ولكن السؤال الذي يطرح نفسه هو: هل كان هناك بلورة لرأي عام نتج من جهود التدوين والمدونين في هذه القضية بالذات؟
الإجابة صعبة لسبب وحيد وهو فقدان البحوث واستطلاعات الرأي المحترفة والتي تتبنى أساليب الإحصاء العلمية داخل المجتمع الكويتي للوصول إلى اجابة واضحة في هذه المسألة. ولكن الإنطباع العام لدى بعض من أتحدث معهم يقول بأن الرأي الشعبي العام من هذه المسألة بالذات هو من أثر على المدونين وبلور قناعاتهم وليس العكس. بمعنى أن المدونين كانوا يكتبون كردة فعل على رأي قد تبلور أصلاً وهو من ساهم في تشكيل آرائهم، وبالتالي هم ليسوا إلا صدى لقضية تم الاقتناع بها أساساً.
ولكن هناك قضايا فشل بها بعض المدونين بشكل واضح. المثال الباهر هنا هو الفيديو الذي تم نشره من جانب بعض المدونات للتأثير على النتائج الإنتخابية لإحدى المرشحات في الدائرة الثالثة. النتيجة تبلورت في شقين. الأول هو تفاعل شبه آني ولحظي مع الموضوع، وخلال أقل من يومين كان عدد الزيارات في أحد المواقع التي وضعت الفيديو كان بالآلاف. والشق الثاني هو نجاح هذه المرشحة وبنتيجة باهرة. بالطبع، من الممكن جداً تحليل ما جرى وتفنيد أسبابه، ولكن الواضح هو فشل هذه المدونات في تشكيل الرأي العام ضد هذه المرشحة ضمن دائرتها الإنتخابية، بل على العكس، ساهمت هذه المدونات في تزايد الاصرار على تبني وجهة نظر المرشحة بغض النظر تماماً عن محتوى الدعوى أو دفاع المرشحة.
معايير قياس النجاح في المدونات
المدونات تنقسم، من وجهة نظري الخاصة ، وبصورة عامة إلى ثلاثة أقسام:
1- مدونات متخصصة (طبية، هندسية، مطبخ، أسرة، رياضة….الخ).
2- مدونات فكرية أو سياسية أو دينية أو مذهبية (هي من تحمل طابع الدعوة لفكرة أو منهج أو رؤية محددة).
3- مدونات المساحات الخاصة (هي من تحمل الطابع الشخصي وانعكاسات الطابع أو الذوق الشخصي على المحتوى).
هناك توجه عام يقيس مدى نجاح أي مدونة على معدل كمية الزيارات اليومية التي تحصل عليها المدونة. وبالتالي فإن المدون الناجح، من وجهة النظر هذه، هو من يستطيع أن يستقطب أكبر كم من الزيارات إلى مدونته. ولكن هذا المعيار غير دقيق ولا يعكس الواقع إذا اعتبرنا الأنواع المختلفة للمدونات.
أولاً، المدونات السياسية أو الفكرية أو ذات الطابع الأيديولوجي أو الحزبي أو المذهبي أو الديني هي مدونات تحمل في مضمونها فكرة الصراع. وبالتالي هدف المدونة أو الكاتب الحقيقي هو الإستقطاب لصالح “فكرة” هو يتبناها أو “غرض” يسعى إليه. أو يكون الهدف هو دعائي بحت لصالح قضية انتخابية أو لتأثير على نتيجة “معركة” سياسية أو فكرية، إن صح هذا التعبير، هو يتوقعها أو تكون فاعلة أصلاً على الساحة. ففي مثل هكذا حال يكون المعيار المناسب للحكم على نجاح هذه المدونة هو مدى الفاعلية أو القدرة لكسب المؤيدين أو النجاح في تحوير القناعات لدى القراء لصالح قناعاته. وهذا بالطبع لا يمكن اطلاقاً الحكم عليه من عدد الزيارات وحده، والسبب هو الرغبة في معرفة “المعلومة” لدى القارئ ولكن هذا لا يعني اطلاقاً أن متلقي المعلومة قد اقتنع بها، بل من الممكن جداً أن متلقي المعلومة قد خرج بنتائج عكسية تماماً لما يريده صاحب المدونة. فـ “التأثير” هنا ينبع من القدرة على استقطاب القراء وبالتالي إثارة أجواء جدل أو نقاش أو معركة من نوع ما، ولكن “النجاح” يكمن في القدرة على كسب القناعات، وهما شيئان مختلفان تماماً. فعدد الزوار يعكس مقدرة محتملة على “التأثير”، ولكنها ليست بالضرورة معيار للنجاح.
إذن كيف يمكننا قياس مدى القناعة في هذا الشكل من المدونات؟
في الحقيقة، وبالنسبة للحالة الكويتية، فإننا محظوظون إلى حد ما. والسبب أن مقياس القناعة الكلية من الممكن قياسها، بدرجة ما، لدى صناديق الإنتخاب. هناك بعض من مارس التدوين أو النشر الإلكتروني وطرح نفسه كمرشح لمجلس الأمة (جماعة الإخوان المسلمين من خلال كوادرهم الفاعلة، الليبراليين بصفة عامة من خلال من يتبنى اطروحاتهم، النائب السابق أحمد المليفي كناشر من خلال موقعه ومراسلاته للمدونين، المحامي محمد عبد القادر الجاسم وموقع الميزان الإلكتروني…الخ) وبالتالي فإن مدى القناعة بطرح المدون أو الناشر الإلكتروني من الممكن قياسها، نظرياً، بواسطة النتائج الإنتخابية. بالطبع، الإفتراض أن كل الناخبين هم من قراء الأنترنت وصفحات هؤلاء المدونين أو الناشرين الإلكترونيين هو افتراض أيضاً غير واقعي، ولكن من جهة أخرى فإن المجتمع الكويتي في حال وجود رغبة حقيقية للوصول إلى “معلومة” رأيناه يتخطى عقبات كثيرة في سبيل الوصول إليها (فيديو النائبة أسيل العوضي على الأنترنت على سبيل المثال).
ولكن، ومن وجهة نظر المدون وربما المراقبين له من بعيد، هناك وسيلة أخرى لقياس مدى النجاح، وهي محاولات تشجيع النقاش على صفحات المدونة أو من خلال الرسائل الإلكترونية. ولا أعني بالنقاش هنا هو سؤال وجواب فقط، ولكن أعني تحديداً أن يتبنى المدون وسيلة الحوار التي تشجع على طرح الأسئلة الإعتراضية على رسالته أو فكرته العامة. وبالتالي، وهو وإن كان ظاهرياً يناقش فرد واحد كل مرة، ولكن على الحقيقة هدفه الجمهور الأعظم الذي يراقب صامتاً من وراء الشاشة. هذا يقود بالضرورة إلى استكشاف مكامن الإعتراض على رسالته أو فكرته، وبالتالي يحاول تفنيدها، في نفس الوقت الذي يحاول أن ينقح طرحه العام بصورة تقنع المراقبين الصامتين له، هذا مع التشجيع المستمر لمعارضيه أن يلقوا كل ما في جعبتهم. ومن خلال فحص حيادي لمحتوى النقاش الدائر، فإنه من الممكن قياس مدى فاعلية طرح الحجج والبراهين في اقناع الآخر، وبالتالي الرهان على تزايد عدد المقتنعين برسالته.
ثانياً، مدونات المساحة الشخصية. هذه مدونات لا تحاول أن تقنع القارئ بأي رسالة سياسية أو ايديولوجية، ولكنها في المقابل انعكاس لذوق ومزاجية المدون وحياته أو نشاطه الإجتماعي وما شابه هذا. هذه المدونات تستقطب القراء بسبب عفوية الطرح وبسبب الرغبة الإنسانية في النفاذ إلى حياة الإنسان الآخر. وبالتالي، فإن عدد الزيارات في هذه الحالة هي مقياس حقيقي وواقعي لمدى نجاح المدونة وقدرتها على طرح المزاجية التدوينية بشكل جذاب ومقبول.
ثالثاً، المدونات المتخصصة. وهذه المدونات التي يتعامل معها الناس كمراجع لقضية تخصصية معينة. وبالتالي نجاح هذه المدونات لا يعتمد بالضرورة على كثرة القراء، ولكن تعتمد على مدى قناعة القراء بمصداقية المحتوى حتى يعتبروها كمرجع عند الحاجة إليها.
فرناس