علينا دوماً أن نبحث في الإنسان قبل أن نبحث في الأحداث، فكما يكون الإنسان تكون الأحداث، وليس كما تكون الأحداث يكون الإنسان. إن الوطن أعز من أن يهدموا وحدته بدعاوى التعصب. وإن المستقبل يصنعه القلم لا السواك، والعمل لا الإعتزال، والعقل لا الدروشة، والمنطق لا الرصاص. والأهم من ذلك كله أن يدركوا حقيقة غائبة عنهم، وهي أنهم ليسوا وحدهم جماعة المسلمين. وليس هناك خطوط حمراء غير خطوط الدم الإنساني

حافظ الجمالي وفرج فودة

نحن مراقـَبـَون وهوياتنا معروفة … ولكن على الحكومة ألا تدفع المدونون لما هو أسوأ

Filed under عـــام by فرناس on 10-10-2009

Tags : ,

 

 

 

 

جريدة الراي 9 – 10 - 2009

 

“أفلح رجال الادارة الالكترونية في الادارة العامة للمباحث الجنائية في إسقاط المشكك في العبادات واقتياده الى الجهات الامنية المختصة. مصدر أمني أبلغ (الراي) ان مدردشاً في منتدى ليبرالي دأب على الدخول في حوارات كان يدعو من خلالها الى ازدراء الأديان والعبادات، والتشكيك في الصيام والفرائض اضافة الى أمور كثيرة. وتابع المصدر وبعد قيام الادارة الالكترونية في مراقبة مواقع عدة تعرفت وعن طريق العنوان الالكتروني (IP) إلى هوية المدردش، مزدري الأديان وتبين أنه كان موظفاً يعمل في ادارة المساجد في وزارة الاوقاف وتلقى تعليمه في أميركا وبعد عودته راح يخوض غمار الحوارات الكترونياً والدعوة إلى التشكيك في كل ما يمت للعبادات بصلة، واعترف بفعلته وتم حجزه تمهيدا لإحالته على الجهات المختصة”. للمصدر، رجاءً اضغط هنا.

 

 

 

أقــــــــــــــول:

 

 

أكاد أجزم، وإن كنت لا أملك الدليل، بأن وراء هذا الإعتقال أعضاء من مجلس الأمة. ويبدو أنالسذاجةوقصر النظر التي رافقت التوجهات السياسية الإسلامية منذ حوالي أربعين سنة ماضية، ولا تزال، قد ألقت بظلالها هنا أيضاً. فمنذ فتوى الإمام الخميني الشهيرة بقتل سلمان رشدي صاحب رواية “آيات شيطانية”، ومروراً بملابسات محاكمة الكاتب المصري نصر حامد أبو زيد ومن قبله محاولة قتل الروائي الشهير نجيب محفوظ والكاتبة البنغالية تسليمة نسرين، ونهاية بردود الأفعال على الرسومات الكارتونية التي اقتبست شخص النبي الكريم، أصبح واضحاً أن التوجهات السياسية الدينية لا تتدخل بشيء من هذا النوع إلا وتحوله لكارثة حقيقية تسقط فوق رؤوسهم أولاً وفوق رؤوس من صف في صفهم من حكومات وأنظمة. فسلمان رشدي أصبحت رواياته تُترجم إلى لغات العالم كلها بالإضافة إلى حقيقة أن رواية “آيات شيطانية” الركيكة دخلت أبواب التاريخ الروائي من أوسع أبوابه. ونكاية بالمسلمين وموقفهم، وفي فتوى الخميني بالذات، منحت ملكة المملكة المتحدة كاتب الرواية، سلمان رشدي، لقب فارس. وحصل نجييب محفوظ على مركزاً مرموقـاً في الأدب العالمي مع جائزة نوبل، وهاجر نصر حامد أبو زيد لهولندا ليغرق الوطن العربي والإسلامي بكتاباته وليقرأها عشرات الآلاف، وتحولت تسليمة نسرين إلى رمز لإضطهاد المرأة عند المسلمين من جهة وإلى رمز لرفض هذا الإضطهاد من جهة أخرى. أما ردود الأفعال على الرسومات الكارتونية فكانت كارثة على المسلمين في الوعي الأوروبي وبكافة المعايير. فبينما لا يجد المسلمون أية غضاضة، ويال العجب والتناقض الفج، في الرسومات الكرتونية الأوروبية التي تملأ الصحف اليومية هناك بالإضافة إلى صفحات الإنترنت، والتي تخرج إلى حدود الإسفاف المبتذل في رسم أنبياء الله من أول آدم ونهاية بعيسى عليهم السلام، انتفض المسلمون على رسوم للنبي محمد (ص) كان من الأفضل للجميع السكوت عنها ليلفها النسيان ولا ينتبه إليها أحد. ولكن أبت تلك السذاجة السياسية الدينية إلا أن يُشاهد هذه الرسوم مئات الملايين من البشر، وتدفع الدانيماركيون إلى الإصرار على حرية الرأي والتعبير في وجه هؤلاء، ولتعيد نشرها مرة أخرى في صحفهم وفي صحف دول أوروبية لا أول لها ولا آخر، ولتدخل هذه الرسومات، نكاية بالمسلمين، إلى الأرشيف الوطني الدانيماركي للحفظ على أنها جزء من تاريخ الدانيمارك الوطني. أية سذاجة بعد هذه السذاجة؟

 

ولا يختلف الأمر هنا مع الإعتقال أعلاه. أنا أعلم، كما يعلم غيري، أن موضوع هذا الإعتقال، مع محامي جيد وذكاء من المُعتقل في التصرف مع مستجوبيه، لن يتعدى البراءة. وأنا أعلم، كما يعلم غيري، أن اعتقال يوم الخميس بالذات ليستمر الحجز يومي العطلة الإسبوعية هو بغرض “التأديب” لا غير، وذلك للقناعة الراسخة بأن احتمال البراءة وعدم القدرة على إثبات موضوع للتهمة هو أمر وارد جداً. ولكن ما هو وارد جداً وواقعي وقابل للتنفيذ السريع والآني هو دفع هؤلاء، الأقلية والذي لا يقرأ لهم أحد أصلاً بدليل زوار مواقعهم ومندياتهم القليلة جداً والتي هي على حافة حدود الفشل على كل الأحوال، هو دفعهم للتحايل على أنظمة الرقابة ومن ثم الإنقلاب الأشد تطرفاً ليس فقط على الدين ولكن على كل (خط أحمر) لا يزال محترماً ضمن دائرة التدوين والنشر الإلكتروني في الكويت. فماذا يستطيع أي أحد كان أن يفعل لو قرر أحد ما يعيش في دولة بعيدة أن يفتح مدونة ليتناول كل ما هو محرم الكلام عنه أو التطرق له سواء في السياسة الكويتية أو ما يسمى بثوب فضفاض بـ (الثوابت

 

أنا أقول لكم. سوف يكون زواره بالآلاف، ولن يستطيع جهاز وزارة الداخلية أن يفعل أي شيء سوى أن يقف متفرجاً عاجزاً وقابلاً للأمر الواقع وبرحابة صدر منقطعة النظير، وسوف تقوم وزارة الإعلام بحجب الموقع ولكن القراء سوف يستخدمون مواقع الـ (بروكسي) المجانية والمتوفرة على الشبكة للتحايل على الحجب وقراءة ما فيه. والنتيجة من كل هذا هو عجز وفشل لكل أجهزة الدولة، وانتهاك خطوط حمراء هي محترمة حتى هذه اللحظة، وزيادة عدد الزوار والقراء لمثل هذه المواقع. إنها السذاجة السياسية الإسلامية في أقصى تجلياتها وبمشاركة رسمية فاعلة ومتحمسة من أجهزة الدولة. والنتيجة على المستوى المتوسط والبعيد هي خسارة وبجدارة لهذه التوجهات الدينية، وهزيمة ساحقة لهيبة مؤسسات الدولة ومعها خطوطها الحمراء. افهموا يا أجهزة الدولة الرسمية، هناك أمور يجب أن تتغلب فيها الحكمة وبُعد النظر على الذهنية الكويتية البائسة في إدارة المقايضات السياسية بين الأطراف المختلفة ومنها التوجهات الدينية التي جرّت وتجر البلاد إلى نهاية مظلمة.

 

المواقع التي تسخر من الأديان وتمارس أقصى أنواع الشذوذ في الطرح السخيف الطفولي السطحي الخالي من فائدة نقدية ناضجة هي ليست موجودة فقط في الكويت ولا ينخرط فيها كويتيون فقط، ولكنها موجودة على مستوى دول الجوار وعلى مستوى العالم. ولكن هؤلاء، كما هو واضح من مواقعهم ومنتدياتهم، لا يكادون يخرجون من مشروع الكتروني فاشل إلا ليدخلوا في آخر أشد فشلاً من سابقه. وممارسة الاعتقال والتضييق على هؤلاء سوف تجعل “القضية” التي يروجون لها مع ذلك الإسلوب الطفولي السطحي، والتي يحاول الساذجون الذين يهيمنون على السياسة الدينية ومعها مؤسسات الدولة تبدو وكأنها قضية تهديد لـ (الثوابت) و (الخطوط الحمراء)، سوف تجعل منها قضية (حرية رأي وتعبير) وقضية (حريات) وقضية (قمع) وقضية (معتقل رأي وفكر) وسوف تُغري الآخرين بالإطلاع عليها وقرائتها والإنخراط فيها. وهذا كما هو واضح على العكس تماماً من “الحكمة” التي تبدو غائبة تماماً عن أذهان سياسي الدين وأجهزة الدولة.

 

لا تدفعوا هؤلاء لما هو أسوأ، حتى لا يتبين عجزكم وفشلكم أمامهم. فالفضاء الالكتروني أوسع وأرحب من أن تتحكم فيها الكويت ولو قامت التيارات الدينية وأجهزة الدولة كلها بوضع ميزانية النفط كلها في سبيل هذه الغاية. لا تدفعوا الآخرين للتطرف وانتهاك (الخطوط الحمراء) في السياسة والدين نكاية فيكم، فهناك بوادر قد ظهرت أصلاً في الماضي القريب ولم يُكتب لها النجاح، ولكن مثل هذه الاعتقالات سوف تساهم في تسليط الضوء عليها وزيادة عدد زوارها وقراءها. لا تتبنوا السذاجة، ولتكن أجهزة الدولة أكثر حكمة ووعياً وبُعد نظر من “مراهقي” السياسة الدينية عندنا في الكويت من السنة والشيعة.

 

 

 

فرناس

 

 

 

 

 

 

Subscribe to RSS Feed Rss