علينا دوماً أن نبحث في الإنسان قبل أن نبحث في الأحداث، فكما يكون الإنسان تكون الأحداث، وليس كما تكون الأحداث يكون الإنسان. إن الوطن أعز من أن يهدموا وحدته بدعاوى التعصب. وإن المستقبل يصنعه القلم لا السواك، والعمل لا الإعتزال، والعقل لا الدروشة، والمنطق لا الرصاص. والأهم من ذلك كله أن يدركوا حقيقة غائبة عنهم، وهي أنهم ليسوا وحدهم جماعة المسلمين. وليس هناك خطوط حمراء غير خطوط الدم الإنساني

حافظ الجمالي وفرج فودة

أول مـحـاولـة قـصـصـيـة مـشـتـركـة بـيـن فـرنـاس و هـي

Filed under فــرنـاس و هــي by فرناس on 02-11-2009

Tags :

 

 

 

هذه المحاولة القصصية القصيرة هي أول عمل مشترك بين فرناس و هي. كلماتنا اختلطت ببعضها وتفاعلت ليكون الناتج ما سوف تقرؤونه أدناه. الحوار، في حد ذاته، حوار قد تم وحدث بالفعل إلا من بعض كلمات أو سطور تمت إضافاتها لاحقـاً لضرورة حبكة القصة. أما القصة فإنها من وحي الخيال، ولا شيء غير الخيال.

 

فرناس و هي

 

 

 

 

أنـا و هـي وسـاعـات الـلـيـل

 

 

هي بيني وبين ساحل البحر تمشي، يحملُ الريح عبقها ليحيط بي من كل جانب. تمشي ورأسها مُنحن ٍ للأسفل قليلاً تنظر إلى شيء ما أمامها. التفتُ برأسي لإحاول أن أتمعن في قسمات وجهها، ولكن حجابها الحريري يمنع عني أشياءً كثيرة كنت أود أن أراها. هي تمشي ويلامس طرف ثوبها ثيابي. وكلما رفعت هي رأسها نحوي، رفعت أنا رأسي وكأني أنظر إلى الأفق البعيد خلفها مودعاً آخر ضوء للشمس بعد غروبها. ولكن، حالما تعود إلى إطراقها، تعود عيناي مرة أخرى لتحاول أن ترى ماذا يُخفي حجابها أو لتستكشف أين تقف عيناها.

 

سألتْ بصوت خفيض: لماذا لا يقبل الناس بالآخرين كما هم، كما يريدون أن يمشوا طرقهم المختلفة. لماذا يصر الناس علينا أن نكون نسخة مطابقة منهم؟

 

فاجأني السؤال. لم أكن أتوقعه. كنت مستعداً لأحاديث من نوع آخر، هكذا كنت أتوهم. ثم عبقها العطري الذي تحمله نسائم البحر كلما هبت يجعلني أقل رغبة في أن أتحدث عن الآخرين. أخذتُ نفساً عميقاً بعد لحظة صمت، ثم قلت: السبب هو الرغبة الإنسانية المتأصلة في جعل الآخر يذوب في ذاتنا. هناك لذة في أن نجعل الآخر يتطابق مع مزاجنا. نحس بالانتصار وحتى المتعة في جعل الآخر يخضع لفكرنا. بل الحقيقة هي لو أنكِ قستي هذا على نفسكِ لوجدتيه صحيحاً.

 

كنت آمل، بل كنت اتوسل، أن يكون هذا إجابة سؤالها. فلا البحر، ولا الرمال التي نمشي عليها حفاة، ولا نسائم آخر ليالي الصيف، ولا عبقها الذي كلما ازداد الليل ظلاماً ازداد قسوة على روحي يبدون ملائمين لحوار عن الناس الآخرين.

 

صَمَتَتْ. نظرتُ أمامي، ولكني أحسست بطرف ثوبها يلامسني وكأنه يعاتبني على ازاحة عينيّ عن جانب وجهها، فالتفت مرة أخرى إليها أحاول أن أختلس نظرة عن ما يُخفي حجابها وراءه. فإذا بها في هذه اللحظة تقول بأسى: على العكس. أنا أكره حتى الأمنية أن يكون الآخر مثلي تماماً. أنا أريد أن يفهمني، وأريد أنا أن أفهمه. ولكنني أقبل بإختلافه عني، ولا أريد منه إلا أن يقبلني كما أنا تماماً من دون أن يحاول أن يجعلني نسخة مكررة منه. أنا لا أريد لأي أحد أن يخضع لي أو لفكري أو لرأيي.

 

كنت أحس بصوتها يتردد بقوة وهي تتكلم. نبرتها نبرة من يدافع عن نفسه ضد من يحاول أن يأخذ منه شيء عزيز عليه. شعرت بنبضات قلبي تتسارع، لم أكن أقصد. بل أني لم أعد أدري ما كنت أقصد أمام ما فهمته هي وأجهله أنا. فقلت مسرعاً: لا، لقد فهمتني خطأ. لم أقصد هذا. لم أقصد أبداً أن نجعل الآخر يخضع. كنت أقصد الدافع أو الرغبة التي تجعلنا نتناقش الآن. ما هو الدافع الحقيقي الذي يجعلني أنا وأنتِ نتناقش؟

 

كأنني رأيت طيف ايتسامة لاحت على وجهها. ولكن اطراقها وحجابها يمنعاني من أن أتاكد. ومع كل خطوة تخطوها بجانبي، عبق عطرها ونسمات الليل يجعلاني أتوسل في داخلي لها أن نخرج من هذا الموضوع. ولكن توسلاتي على ما يبدو لم تُجدي نفعاً.

 

قالت: نحن نتناقش لأننا نريد أن نصل لفكرة سليمة. ليس الهدف أن يقتنع أحدنا بفكر الاخر، ولكن الهدف أن نفهم بعضنا، بدليل أن شعور السعادة سوف يغمرنا إنْ استطاع أحدنا أن يفهم الآخر. أصعب شيء في أي علاقة إنسانية أن يفهم الطرفان بعضهما. فحتى لو لم نتفق، أحياناً مجرد فهم طريقة تفكيرك تسعدني. تجعلني أفرح. تجعلني أريد أن أرقص. هي ليست رغبة في أجعلك تخضع لفكرتي وقناعاتي، ولكنها رغبة في أن أفهمك. أفهمك أنت. هذا ما يجعلنا نتناقش.

 

صوتها، نبرتها الخافتة، منطقها، طرف ثوبها الذي يضرب مرة تلو أخرى في ثيابي، عطرها، جعلوني أصمت. لا أدري ما أقول. سويعات الليل هذه التي سرقناها من أعين الناس بعيداً عنهم تذهب في عتاب يُجهد العقل بدلاً من أن يُشبع العاطفة. ما هكذا كنتُ آمل، ولكنها تريد أن تفهم. تريد لعقلها أن يكون أولاً. لم اتعود هكذا، بل إني لا أريده الآن، ولكنني لبيت مشيئتها.

 

قلت: نحن نتناقش لأننا على حق في أعماق نفوسنا، نريد أن نجعل الآخر يقتنع بوجهة نظرنا. فكسب القناعة، في أصلها، هي محاولة لجعل الآخر نسخة منا. فلو كان المعيار هو قبول الخلاف على الإطلاق، لما كان للنقاش أي معنى. ثم إن الإفتراض أنَّ الآخر طرف متجرد عن المشاعر الإنسانية كنمط تفكير مجرد هي فكرة مثالية غير موجودة. نحن ندافع عن موقف. وبما أننا ندافع عن موقف يحمل بصمتنا الشخصية، فلدينا استعداد إنساني بحت لتغليب العاطفة على المنطق. ليس دائماً، ولكن في أغلب الأحيان. وانتصار الفكر، من خلال القناعة، يساوي بالضبط الذوبان في الآخر.

 

قبل أن أجد فرصة لإختلاس نظرة لعلي أرى وقع كلماتي على وجهها، أجابت مسرعة: ولكنني مقتنعة بأن دافع انتصار فكر شخص على آخر هو دافع إنساني قوي. كما أنني متفقه مع رأيك في الصراع بين الإثنين المختلفين. ولكنني لست متفقه مع اتخاذك إياي كمثال في نقاشي معك. أنت لم تستطع فهمي. أفهم وجهة نظرك بمراعاة جانب المشاعر، ولكن من جهة أخرى لا أراها تنطبق علي باستخدامي رغبتي في فهمك كمثال. لماذا يكون الذوبان امتع من الفهم؟! هذا ليس صحيح. بالفهم أحافظ على كياني، ولكن في نفس الوقت أستمتع بخبراتي الجديدة ولا أفقد قدرتي على معاملة الآخر الذي يهمني أن أكون حوله. في المناقشه العقلانيه، الإتفاق أو عدمه هما احتمالان أتقبلهما. كلاهما مفيد لأنه يسعى لفهم الآخر. فهم منطقه، فهم منهجه، بل حتى فهم عاطفته. قد لا ينطبق هذا التقبل على من يرغب استمالة رأي الاخر لفكره، يجوز هذا. واتفق معك في تأثير العاطفه عندما نحاول كسب الآخر القريب منا فكرياً، واتفق أيضاً أن هذا ربما هو دافع الإثنين، بين المرأه والرجل في العلاقات العاطفيه، ولكن بالحوار العقلاني إن نجحنا بفصل العقل عن العاطفه، حصلنا على أروع حوار حتى على مستوى العاطفة. الربح هنا هو في فهم القناعات، وليس الرغبة في ميل الآخر لقناعاتي. أنا لا أحاول أن أستدرجه فكرياً، ولكنني أحاول أن اكتسب ما هو افضل مما املك منه، فكرياً وعاطفياً أيضاً. ولهذا السبب اعترض على مساواة الدافع بين نقاشنا وبين النقاش المستمر بين فكر المرأة و فكر الرجل و اختلاف نظرتهم للأمور في علاقاتهم الشخصية تحديداً.

 

خيم الصمت علينا بعد سكوتها، وأطرقتُ بإطراقها. فلا الكلمات تسعفني معها، ولا المشاعر التي غمرت نفسي لتؤنبني على تجرأي على جرحها تسمح لي بالإعتراض. حجتها يصعب عليّ ردها. ما تقوله لي كان شيء لم يخطر ببالي أبداً، وهي أفهمتني إياه. وما يؤلمني هو ليس قناعة قد سقطت بسببها، ولكن ما يؤلمني هوثمن سقوط تلك القناعة كان خدش في نفسها تسببتُ أنا فيه.

 

كان يجب أن أتكلم. قلت: نقاشكِ معي استخدمته كمثال لأن كِلانا بشر تختلط عواطفنا، سواء الأنانية منها التي تخصنا أو مشاعرنا التي ربما تتعلق بالآخر، هي تختلط مع الرغبة العقلانية في الحوار والفهم. أنا لا أقول أنها بالضرورة كلها موجودة، ولكن ربما تكون موجودة بأحد محاورها. من غير المنطقي أن نصر على أننا مختلفين تماماً عن السياق الإنساني. ليس بالضرورة أن يكون نقاشنا خالٍ من عاطفة، لتكن العاطفة تغمرنا من كل ناحية، ولكن السؤال هل يؤثر هذا على نتيجة النقاش ومحاولة الفهم، هل يؤثر؟ هو شيء لعله لا يمكننا مصارحة الآخر فيه بسبب صعوبة تحديده، لكن قد يكون موجود. أنتِ أفهمتني شيئاً لم يكن ليخطر على بالي، ولكننا، أنا وأنتِ، بشر، عاطفة وعقل. هذا ما كنت أقصده.

 

صمتت هي وبقيت تمشي مطرقة. وأطرقتُ أنا ولكنني بقيت التفتُ ناحيتها اختلس النظرات لجانب وجهها. وعندما نزلت عيناي قليلاً، رأيت موج البحر يتقدم سريعاً نحوها حتى يقترب منها، ثم يتباطأ حتى يلمس طرف قدميها العاريتين برفق ثم يرجع مسرعاً وهو يضحك. كان يبدوا سعيداً بهذا القرب. ولكنها بقيت صامتة. تقدمتُ مسرعاً ووقفتُ أمامها. وقفَتْ، ورفعَتْ رأسها. ملئتُ عينيّ من وجهها، فابتسَمَتْ. وإذا بموج البحر يأتي مسرعاً ليغمر قدمينا العاريتين معاً.

 

 

فرناس و هي

 

 

 

 

 

Subscribe to RSS Feed Rss