علينا دوماً أن نبحث في الإنسان قبل أن نبحث في الأحداث، فكما يكون الإنسان تكون الأحداث، وليس كما تكون الأحداث يكون الإنسان. إن الوطن أعز من أن يهدموا وحدته بدعاوى التعصب. وإن المستقبل يصنعه القلم لا السواك، والعمل لا الإعتزال، والعقل لا الدروشة، والمنطق لا الرصاص. والأهم من ذلك كله أن يدركوا حقيقة غائبة عنهم، وهي أنهم ليسوا وحدهم جماعة المسلمين. وليس هناك خطوط حمراء غير خطوط الدم الإنساني

حافظ الجمالي وفرج فودة

مهما قيل … ولكنها خطيئة يا شيخ ناصر ……. واحتفالية يوم الدستور

Filed under عـــام by فرناس on 11-11-2009

Tags :

 

 

 

هناك الكثير من القضايا تشتبه فيها معايير الصحة والخطأ أو معايير العدالة والظلم بسبب كثرة ما يُقال أو يتم التبرير له أو معاكسته. فلكل إنسان منهجية منطقية تبرر له أحياناً حتى المستحيل أو تُيسر له حتى الخرافة. فالإختلاف هي طبيعة البشر تختلط فيها العاطفة والتحيّز والتحزّب وأحياناً كثيرة الصحة والمرض لينتج معها موقفاً محدداً  قد يكون حقـاً أو يكون باطلاً أو يختلط فيه الحق بالباطل. ولكن، ومن جهة أخرى، هناك الكثير من القضايا عندما يتم التفكر فيها، لا يسع المرء إلا يرى فيها وجه الصواب، وخصوصاً عندما يتعلق الموضوع بقضية مبادئ ومعايير واضحة لا لبس فيها. ففي أحيان كثيرة يكون الموضوع ليس موضوع (حلال وحرام)، فحتى هذه تكفلت ما يُعرف بـ (الحيل الشرعية) بها سواء أكان الموضوع موضوع دين أو سياسة، ولكن الموضوع هو موضوع مبدأ ما كان يجب أن يُنتهك تحت أي عذر أو حجة.

 

تفجرت في الأيام القليلة الماضية قضية شيك بقيمة 200,000 دينار، أعطاه سراً رئيس مجلس الوزراء الشيخ ناصر المحمد لأحد أعضاء مجلس الأمة السابق وفي فترة ولاية الإثنين في منصبهما. وخرجت تبريرات كثيرة، بعضها قانونية وبعضها الآخر تستشهد بالنية والجهة الحقيقية المستفيدة من هذه الأموال، حتى تعاكس الأثر المدمر لسمعة الشيخ ناصر المحمد السياسية والذي تسببت به هذه القضية. وبغض النظر عن محتوى كل هذه التبريرات والمواقف والتصريحات التي قرأتها بتمعن أكثر من مرة، فإن وجه الصواب فيها لا يبدو خافياً أو مختبئاً. ما فعله الشيخ ناصر ليس خطأ، بل هو خطيئة بكافة المعايير. وأنا هنا لا أتكلم عن القوانين والعُرف السياسي، فغيري قد أدلى بحجته فيها، ولكنني أتكلم بالتحديد عن مبدأ ما كان يجب أن ينتهك وبهذه الطريقة الفجة. إن هذه الأموال التي ذهبت لهذا النائب، وبغض النظر تماماً عن وجهتها النهائية كما يبرر البعض لها، تحمل شبهة حقيقية ذات انعكاسات خطيرة، ليس فقط على الحياد التشريعي المفترض للأمة، ولكن أيضاً على معيار “النزاهة” التي يجب أن تتصف بها المؤسسة التنفيذية.

 

نعم، أنا أقر بأن الغاية لا يجب أبداً أن تبرر للوسيلة كما حدث في كيفية الحصول على هذا الشيك. فهذا طريق إن تم التساهل فيه، سقط الكثير من القوانين والأعراف ضحية له. ولكن يجب الإعتراف أيضاً بأن مسألة كيفية الحصول على الشيك قد تمت وانتهت وسوف يُقدّم من كان المسؤول عنها في البنك للمسائلة القانونية، فالشق القانوني يُعتبر في حكم المنتهي والمتفق عليه. ولكننا هنا نتكلم عن الشق السياسي، المسؤولية السياسية التي أجازت فعل اعطاء الأموال سراً لأحد أعضاء البرلمان من جانب رئيس السلطة التنفيذية، وهذا شق آخر ومختلف تماماً عن الشق القانوني. فلا يمكننا غض النظر عن حقيقة الفعل حتى وإن كان الدليل تم الحصول عليه بطريقة غير شرعية. فنحن هنا لا نتكلم عن قاعة محكمة، ولكننا نتكلم عن مبادئ يعرفها ويتبناها الأغلبية الساحقة من الشعب الكويتي والذي يرى بالتأكيد عدم مشروعية هذا الفعل بالطريقة التي تمت بها.

 

ولكنني يجب أن أقول أيضاً بأن المسألة أجدها من الصعب أن تكون رشوة، ولسبب بسيط جداً إلا إذا افترضنا عدم الذكاء من الطرفين، المعطي والمتلقي. فالجميع يعرف أن حركة الشيكات من السهل جداً تتبعها ليس من طرف بنك صاحب الشيك فقط، ولكن من طرف بنك من دخلت هذه الأموال في حسابه. فالبنك، أي بنك، يعرف تماماً الجهة التي حولت هذه الأموال. ولو سألني أي إنسان عن كيفية معرفة النائب فيصل المسلم بقضية هذا الشيك أول مرة لقلت بأنني “أعتقد” أنه عن طريق بنك المتلقي وليس بنك الشيك الأصلي، وبعد ذلك سعى هذا النائب للحصول على صورة هذا الشيك من بنك برقان. وبما أن المؤسسة التنفيذية لابد وأن تعرف هذه المعلومة، فلو كان الأمر فيه سوء نية ومقصد لكانت طريقة اعطاء هذه الأموال لذلك النائب اختلفت جملة وتفصيلاً.

 

ولكن هل هذا يخفف من خطيئة الشيخ ناصر المحمد؟

 

الجواب هو “لا” بالتأكيد. فلا يزال المبدأ منتهكاً جملة وتفصيلاً وما كان له أن يُنتهك.

 

إنها خطيئة يا شيخ ناصر ما كان لها أن تتم بالطريقة التي تمت بها. والشعب الكويتي يستحق أن تتقدم بخطاب مباشر له تشرح فيه وجهة نظرك ومبرراتك كما يفعل كل قادة الشعوب المتحضرة مع شعوبها. لنخرج يا شيخ ناصر من أعراف القبيلة في كيفية تصريف الشؤون، ولندخل في أعراف “الدولة” ومؤسساتها في إدارة هذه الدولة التي اصبحت بلا شك على شفا هاوية.

 

بالأمس عندما قرأت خبر اعتذار رئيس الوزراء البريطاني لإمرأة أخطأ في كتابة اسم عائلتها (رجاءً، اضغط هنا)، وقفت متفكراً بسؤال: لماذا نحن مختلفون عن هؤلاء؟

 

فرناس

 

 

 

——————————————–

 

 

احتفالية يوم الدستور اليوم عصراً

 

 

 

poster-front-final

 

 

 

Subscribe to RSS Feed Rss