علينا دوماً أن نبحث في الإنسان قبل أن نبحث في الأحداث، فكما يكون الإنسان تكون الأحداث، وليس كما تكون الأحداث يكون الإنسان. إن الوطن أعز من أن يهدموا وحدته بدعاوى التعصب. وإن المستقبل يصنعه القلم لا السواك، والعمل لا الإعتزال، والعقل لا الدروشة، والمنطق لا الرصاص. والأهم من ذلك كله أن يدركوا حقيقة غائبة عنهم، وهي أنهم ليسوا وحدهم جماعة المسلمين. وليس هناك خطوط حمراء غير خطوط الدم الإنساني

حافظ الجمالي وفرج فودة

لماذا خيار الحل غير الدستوري خيار غير واقعي؟ … ولماذا السياسيين الكويتيين يبدون سخفاء عند السفيرة الأمريكية؟

Filed under عـــام by فرناس on 15-11-2009

Tags :

 

 

 

 

تتفنن القوى السياسية المتعددة في مجلس الأمة الكويتي في ابراز مخاوفها من احتمالات حل مجلس الأمة الكويتي مع تعطيل العمل ببعض مواد الدستور كما حدث مرتين في تاريخنا السياسي. فالحراك السياسي في مجلس الأمة لا يعدو أن يكون حراكاً ذي محورين. محور رقابي يبدو مبالغاً فيه بحيث يتعدى في جوانب عديدة إلى اتهام النوايا ومحاكمة الضمائر وما يستدعيه ذلك من تعطيل مؤكد لمشاريع تنموية حقيقية تحتاجها البلاد، ومحور ثانٍ يدور حول التفنن في اطلاق الاتهامات والتحديات العلنية بحيث يبدو الأمر وكأنه تسابق مسرحي أمام كاميرات التلفزيون والصحافة فيمن يسبق الآخر في هذا المجال. والحقيقة المؤكدة هي أن الذهنية السياسية، بشقيها الحكومي والتشريعي، هي ذهنية أقرب إلىالشعبويةالساذجة وغير المحترفة سياسياً واقتصادياً، ولذلك هي أقرب إلى الفشل منها إلى أي نجاح متوقع. ولأن الطرفين يمثلان حالة “ساذجة” في هذا المحيط الديناميكي، فلابد لهما من تبرير هذا الفشل بواسطة افتعالمعاركعلى خشبة المسرحالكوميدي - التراجيديالسياسي الكويتي. ومن هذه “المعارك” التي يسوّق لها دائماً بعض أعضاء مجلس الأمة هو تخويف العباد من “الحل غير الدستوري” في بلاد البؤس السياسي “الشعبوي”.

 

في شهر سبتمبر الماضي عندما تساءلت سفيرة الولايات المتحدة الأمريكية عن ما إذا كان “الآخرون” في مجلس الأمة الكويتي هم من “الكلاب” على اعتبار أن النساء هن من القطط (رجاءً، اضغط هنا، و هنا) وخرج بعض أعضاء البرلمان يبررون لها قولها، فإنها في نفس تلك المحاضرةالساخرةتفننت السفيرة في فنالكوميدياالسياسي، ربما لأن “من عاشر قوماً اربعين يوماً صار مثلهم”. فالسفيرة استرسلت في سخريتها لتقول:

 

“منذ أن جئت الى الكويت فإنني اسمع الناس هنا يتحدثون عن الحل غير الدستوري. وكما تعلمون فإنه مهما تحدثت الى اولئك الناس في هذا الامر فإنهم يستمرون في تكرر القول ان الحل غير الدستوري هو امر حتمي. وأعود وأقول مجددا انه بما انني لا اسعى الى اعادة انتخابي هنا فإنني أود القول ان هذا الكلام ينطوي على الكثير من السخف المثير للضحك“.

 

هذا “السخف المثير للضحك” عند السفيرة الأمريكية هو ما يرددهرموزالسياسية الشعبوية الكويتية كل يوم تقريباً على مسامعنا. ويجب علينا أن نقف متفكرين عن السبب الذي يجعل السفيرة الأمريكية ترى في هذه الدعاوى سخفاً يثير ضحكها كـسياسيةمحترفة تتفوق على كل سياسيينا من الرجال ذوي الدعاوى العريضة والخطابات الرنانة. لماذا هو سخف؟

 

برويز مشرف، الرئيس الباكستاني السابق، كان يمثل للولايات المتحدة الأمريكية حليفاً مهماً جداً في حربها في أفغانستان. أفغانستان ذلك المستنقع الذي غرقت فيه الولايات المتحدة، ولا تزال غارقة فيه، حتى ذقنها في أوحاله ولا يبدو أن الحل والخلاص قريب. برويز مشرف كان يفوق في أهميته الإستراتيجية كحليف بأضعاف مضاعفة الحليف الكويتي في حرب الولايات المتحدة في العراق. فالحليف الكويتي من الممكن استبداله بسهولة إذا اضطرت الولايات المتحدة لذلك، ولكن من الذي يقوم مقام باكستان؟ ولكن الملاحظ أنه عندما انقلب برويز مشرف على دستور بلاده وأعلن الأحكام العرفية، تفاعلت الأوساط السياسية الأمريكية والأوروبية على حد سواء لتكون النتيجة هو تنحيه عن حكم بلاده واستبداله برئيس آخر. وكمثال ثانٍ حميد كارازاي، الرئيس الأفغاني، الذي لا يقول “لا” أبداً لكل “رغبة” غربية في داخل بلاده. ولكن عندما تم إعادة انتخابه مع بروز اتهامات بالتزوير في الاقتراع العام، برز فجأة احتمال استبداله بوزير خارجيته كأمر مرجح لا تمانعه القوى الغربية مما استدعى شكاوى سافرة وصريحة منه. وكمثال ثالث المملكة العربية السعودية والتي تمثل حالة “حرج” سياسي كبير لا فكاك منه للقوى الغربية أمام شعوبها. فالأمر يبدو في أحيان كثيرة وكأن هذه القوى الغربية تسوّق لأتفه “اصلاح” من جانب السعوديين ليبدو أمام الرأي العام الغربي وكأنه “إنجاز” ضخم يجب أن تأخذه هذه الشعوب في الإعتبار عند انتقادها لحكومات بلادها لتعاملهمالحميم” مع المملكة. والخلاصة هي أن الرأي العام في الولايات المتحدة وأوروبا أصبح لا يستسيغ التفاعل ايجاباً مع من يطرح نفسه كـديكتاتوريريد أن تُدار شؤون بلاده، علناً على الأقل، من دون نظام ديموقراطي من نوع ما فاعل في نفس المحيط، وهذا ما يؤثر بدوره على واضعي السياسة عندهم. وضمن هذا السياق، سياق الديكتاتوريات من جهة وحالة الصراع مع مجتمعات الشرق الأوسط بعد أحداث الحادي عشر من سبتمبر من جهة أخرى، نشرت مجلة  NewsWeek الأمريكية تحقيقاً اقتصادياً مهماً في عددها الصادر بتاريخ 3 نوفمبر 2009، جاء فيه:

 

إن محاولة إصلاح دين شعب آخر هو لعبة الحمقى، وحين يتعلق الأمر ببناء الدول، نجد أن سجل الغرب غير ثابت. ولكن إذا كان هناك شيء تبدع الولايات المتحدة وحلفاؤها في عمله فهو إطلاق قدرات مؤسسات التجارة والأعمال التي تحوّل المجتمعات. وهكذا، ومن أجل تشجيع ثورة الطبقة الإسلامية المتوسطة، فإن على الغرب أن يساعد على تحرير  الاقتصاديات الإسلامية من قوى سيطرة الدولة عليها. ينبغي على الحكومات المحلية أن يُضغط عليها للالتزام بحكم القانون، ولكي تقبل الضوابط والتوازنات الدستورية، ولكي تفتح اقتصاداتها للاستثمارات الأجنبية المباشرة والتدفق الحر للسلع والموارد، وأن تخفّض القواعد المنظمة للاقتصاد. وعلى الدول المتقدمة أن تدفع باتجاه عدد أقل من المشاريع الأصغر التي تشرف عليها الدولة، وباتجاه قطاع حكومي أصغر وعدد أقل من الناس على قوائم الحاصلين على مداخيلهم من الحكومات. وفي المقابلن ينبغي على الغرب أن يفتح أبواب اقتصادياته أمام المنتجات القادمة من العالم الإسلامي وأن يضمن أن الأموال التي يضخها في المنطقة تدعم نوع من التغيير الصحيح”.

المصدر: مجلة NewsWeek، عدد 3 نوفمبر 2009، ص 42

 

 

فالغرب أصبح واعياً تماماً لأهمية احترام السلطة الحاكمة للضمانات الدستورية ولحكم القانون. والمؤسسات الحاكمة الحليفة للقوى الغربية أصبحت بدورها واعية تماماً لأهمية هذا المحور لصالح استقرارها السياسي في دولها. وهذا هو السبب الذي يجعل خيار الحل غير الدستوري في الكويت خياراً غير واقعي على المدى المنظور على الأقل. وهذا هو السبب الذي دفع بالسفيرة الأمريكية لأن تصف خطابات سياسيي الكويتالشعبويينبـ (السخف المثير للضحك) كما تقول هي. وهذا السبب هو الذي جعل الولايات المتحدة لأن تضحي بحليف استراتيجي مثل برويز مشرف وسوف تضحي بغيره من دون أن يرف لها جفن.

 

إن أغلب الخطابات “النارية” لبعض أعضاء البرلمان الكويتي لا يجب أن يُنظر لها إلا على اعتبارها سيناريو مسرحي (كوميدي – تراجيدي) في تلك الملهاة الكويتية البائسة والتي سوف تنتهي في زمننا، أو في زمن ابنائنا، بكارثة لا شك فيها. وإن كنت لا استغرب من هؤلاء السياسيين الفاقدين المقدرة على انجاز أي مشروع حقيقي خارج نطاق ذهنية “الريع” المتخلفة، فإنني أقف مندهشاً من هذا الشعب الذي تَحمرَّ كفيّ يديه من التصفيق لهم ثم لينسى بعد ذلك أن يسألهم عن الدليل و “المنطق” من وراء خطاباتهم هذه.

 

ولا عجب، فنحن في زمن الغرائب.

 

 

 

فرناس

 

 

 

إذا أردت أن تشارك الآخرين بهذه المقالة
  • Facebook
  • Digg
  • Twitter
  • MySpace
  • del.icio.us

Comments:

6 Responses


  1. أتفق معك تماما عزيزي فرناس . ولقد أثبتت الأيام أن انقلاب السلطة على الدستور وتعطيل البرلمان والتفرد بسلطة ادارة البلد قد دفع الى احتلال الكويت . صاحب السمو الشيخ صباح الأحمد أكد في أكثر من مناسبة عدم وجود أي نية لتكرار الحل غير الدستوري ولكن تعال فهم بعض الناس اللي يرددون في كل مناسبة ومن غير مناسبة مقولة :اللي تعضه الحية يخاف من الحبل


  2. السلام عليكم,كيف حالك؟

    كلام سليم ومقنع,وأشاركك الدهشة يا اخ من هذا الشعب الذي-تَحمرَّ كفيّ يديه من التصفيق- و الذي نجده يقف متلقيا لكل ما يرمى اليه من خطب السياسيين ذوي الفكر الريعي ,,,لااا ويتبناها ويدافع عنهابعد! دون قراءة ولا استقراء ولا تحليل او مقارنة.

    لاأدري متى وكبف تنتهي هذه السذاجة لتسد الطريق على من ابتلينا بهم من سياسيين وناشطين؟

    تحياتي لك


  3. يعطيك العافيه

    :)


  4. ANON تحياتي الحارة يا عزيزي

    فرناس


  5. تحياتي الحارة يا عزيزتي لين

    فرناس


  6. ARTFUL تحياتي الحارة يا عزيزي

    فرناس

Leave a Reply

Subscribe to RSS Feed Rss