علينا دوماً أن نبحث في الإنسان قبل أن نبحث في الأحداث، فكما يكون الإنسان تكون الأحداث، وليس كما تكون الأحداث يكون الإنسان. إن الوطن أعز من أن يهدموا وحدته بدعاوى التعصب. وإن المستقبل يصنعه القلم لا السواك، والعمل لا الإعتزال، والعقل لا الدروشة، والمنطق لا الرصاص. والأهم من ذلك كله أن يدركوا حقيقة غائبة عنهم، وهي أنهم ليسوا وحدهم جماعة المسلمين. وليس هناك خطوط حمراء غير خطوط الدم الإنساني

حافظ الجمالي وفرج فودة

السذاجة الإسلامية كما تتجلى في قضية حمزة الكاشغري

Filed under حـقـوق الإنـسـان, عـــام by فرناس on 29-02-2012

Tags : , , , ,

 

 

 

 

حمزة الكاشغري شاب سعودي في مقتبل العمر كتب على “التويتر” عبارات اعتبرها البعض مسيئة للنبي محمد. وكما هي العادة، تلقفت هذه العبارات التوجهات الدينية ونادت بإقامة الحد عليه (أي القتل) من دون استتابته أولاً. هرب بعدها هذا الشاب إلى ماليزيا لتطالب السعودية رسمياً بتسليمه لها لإقامة القصاص عليه حتى بعد أن أعلن هذا الشاب توبته وندمه على ما كتب. تلك هي خلاصة المسألة: كتب حمزة عبارات اعتبرها البعض مسيئة للإسلام، يريد الآن هذا البعض أن يقتله وبواسطة حكومته. ألا تُذكرنا هذه الحادثة بحوادث أخرى مشابهة؟

 

أقول: منذ فتوى الإمام الخميني الشهيرة بقتل سلمان رشدي صاحب رواية “آيات شيطانية”، ومروراً بملابسات محاكمة الكاتب المصري نصر حامد أبو زيد، ومن قبله محاولة قتل الروائي الشهير نجيب محفوظ والكاتبة البنغالية تسليمة نسرين، ونهاية بردود الأفعال على الرسومات الكارتونية التي اقتبست شخص النبي محمد، أصبح واضحاً أن التوجهات السياسية الدينية لا تتدخل بشيء من هذا النوع إلا وتحوله لكارثة حقيقية تسقط فوق رؤوسهم أولاً وفوق رؤوس من صف في صفهم من حكومات وأنظمة. فسلمان رشدي أصبحت رواياته تُترجم إلى لغات العالم كلها بالإضافة إلى حقيقة أن رواية “آيات شيطانية” الركيكة دخلت أبواب التاريخ الروائي من أوسع أبوابه. ونكاية بالمسلمين وموقفهم، ونكاية في فتوى الخميني بالذات، منحت ملكة المملكة المتحدة كاتب الرواية، سلمان رشدي، لقب فارس في احتفال رسمي بريطاني بحضور الملكة نفسها. وحصل نجييب محفوظ على مركزاً مرموقـاً في الأدب العالمي مع جائزة نوبل، وهاجر نصر حامد أبو زيد لهولندا ليغرق الوطن العربي والإسلامي بكتاباته وليقرأها عشرات أو مئات الآلاف، وتحولت تسليمة نسرين إلى رمز لاضطهاد المرأة عند المسلمين من جهة وإلى رمز لرفض هذا الاضطهاد من جهة أخرى. أما ردود الأفعال على الرسومات الكارتونية فكانت كارثة على المسلمين في الوعي الأوروبي وبكافة المعايير. فبينما لا يجد المسلمون أية غضاضة، ويال العجب والتناقض الواضح الفج، في الرسومات الكرتونية الأوروبية والأمريكية التي تملأ الصحف اليومية هناك والتي تخرج إلى حدود الإسفاف المبتذل في رسم أنبياء الله كلهم من أول آدم ونهاية بعيسى بن مريم، بل لا يجدون غضاضة لا من قريب ولا من بعيد ولم تهتز لها شعرة واحدة في بدنهم في رسم الله تعالى نفسه ضمن رسومات كرتونية ساخرة ممجوجة تملأ الصحف والمجلات وفضاء الانترنت (ومن لا يصدق فليكتب على أي محرك للبحث في خانة الصور العبارة التالية: God Cartoons)، فبينما لا يجد المسلمون أية غضاضة في كل هذا انتفضوا عن بكرة أبيهم على رسوم للنبي محمد كان من الأفضل للجميع السكوت عنها ليلفها النسيان ولا ينتبه إليها أحد ولتنتهي في الزوايا المظلمة من الأرشيف. ولكن أبت تلك السذاجة السياسية الدينية إلا أن يُشاهد هذه الرسوم مئات الملايين من البشر، وتدفع الدانيماركيون إلى الإصرار على حرية الرأي والتعبير في وجه هؤلاء، ولتعيد نشرها مرة أخرى في صحفهم وفي صحف دول أوروبية لا أول لها ولا آخر، ولتدخل هذه الرسومات، نكاية بالمسلمين، إلى الأرشيف الوطني الدانيماركي للحفظ على أنها جزء من تاريخ الدانيمارك الوطني وحتى يشاهدها أجيالهم القادمة. أية سذاجة بعد هذه السذاجة؟

 

هذه السذاجة ذاتها هي التي دفعت قضية الشاب حمزة الكاشغري إلى الواجهة وإلى منظمات حقوق الإنسان وقريباً إلى المنظمات الدولية وسوف يكون الخاسر الأكبر هم المسلمون وأنظمتهم الحاكمة التي تنتفض لكلمات كتبها شاب ساذج ولا تحرك ساكنا لدماء بريئة تراق ضمن دولها أو على حدودها مباشرة. سوف يتحول حمزة كاشغري إلى “رمز” وإلى “بطل” وربما إلى “شهيد”. سذاجة ما بعدها سذاجة.

 

اطلقوا سراح حمزة كاشغري. فهذا الشاب قد أخطأ واعترف بذنبه، وكان الله غفوراً رحيما.

 

 

فرناس

 

 

 

 

لرابط مقالتي أعلاه على موقع (الحوار المتمدن) رجاءً اضغط هنا.

 

 

 

إذا أردت أن تشارك الآخرين بهذه المقالة
  • Facebook
  • Twitter
  • Digg
  • MySpace
  • del.icio.us
  • Live
  • Ping.fm
  • RSS
  • Google Bookmarks

Comments:

3 Responses


  1. إنما التبوبة على الله للذين يعملون السوء بجهالة ثم يتوبون من قريب ( النساء ١٧ ) .. قل ياعبادي الذين أسرفوا على أنفسهم لاتقنطوا من رحمة الله إن الله يغفر الذنوب جميعا ( الزمر ٥٣ ) … وأيات التوبة والمغفرة والرحمة كثيرة في القرآن الكريم والمسلمين لا يتوقفون عن الإفتخار بأن الإسلام دين رحمة …. ألا يوجد متسع للعفو عن إنسان أعلن توبته وقد يكون الله قد غفر له ؟ سيكسب الإسلام الكثير عند إظهار روح التسامح وعظمة في التعالي والرحمة .


  2. وهل تتصور أخي الكريم.. أن هذا الحماس الزائف في نصرة الدين هو لوجه الله تعالى أو خوفا منه جل وعلا؟
    هو ضغط اجتماعي لا أكثر. ما هي إلا مزايدات بينهم، من يتظاهر بحب الدين أكثر. تماما كموضوع قيادة المرأة.. فلو أن أياً منهم سافر إلى بلاد أخرى لم يمانع قيادة زوجته أو ابنته للسيارة ولكن الخوف من نظرة المجتمع ومحاولة التحلي بالعفة والغيرة الزائفة هي الدافع الأول والأخير


  3. رياء لا اكثر ولا اقل

Leave a Reply

Subscribe to RSS Feed Rss