علينا دوماً أن نبحث في الإنسان قبل أن نبحث في الأحداث، فكما يكون الإنسان تكون الأحداث، وليس كما تكون الأحداث يكون الإنسان. إن الوطن أعز من أن يهدموا وحدته بدعاوى التعصب. وإن المستقبل يصنعه القلم لا السواك، والعمل لا الإعتزال، والعقل لا الدروشة، والمنطق لا الرصاص. والأهم من ذلك كله أن يدركوا حقيقة غائبة عنهم، وهي أنهم ليسوا وحدهم جماعة المسلمين. وليس هناك خطوط حمراء غير خطوط الدم الإنساني

حافظ الجمالي وفرج فودة

في العلمانية ومفهوم الليبرالية والهدف منهما

Filed under عـــام by فرناس on 16-02-2012

Tags : , , ,

 

 

 

 

 

تبرز الليبرالية والعلمانية في محيط الإسلام السياسي كتهديد مباشر للقوى المتمصلحة من توظيف الدين لصالح هيمنتها. فالقضية بالنسبة لهذا التيار السياسي الذي يوظف الإسلام لمصالحه المباشرة هي قضيةتسلطيمارس من خلالها إلغاء الآخر المختلف بصورة متعمدة ونهائية، فهي ليست على حقيقتها هيمنة سياسية ضمن صراع تحدده المفاهيم والقناعات الديموقراطية كما يدعي بعض أصحاب الإسلامي السياسي. فمفهوم “التسلط” من وجهة نظر الإسلام السياسي هو أوسع وأشمل وأكثر تغلغلاً من “الهيمنة” السياسية حتى بصورها الديكتاتورية بالتأكيد، إذ التسلط الديني يشمل كل نواحي الحياة للفرد من أول العلاقة الزوجية وتفاصيلها الخاصة والدقيقة وما ينتج عنها من أسرة ونشئ ومروراً بالحريات الفردية والخيارات المتاحة ضمن المحيط الفاعل ونهاية بديناميكيات التفاعل الاجتماعي والاقتصادي والسياسي وتعريفات المواطنة وتحديد الولاءات. فلا شيء إطلاقاً عند الإسلام السياسي يدخل تحت المفهوم النبوي المنصوص عليه في كتب الحديث: (أنتم أعلم بشؤون دنياكم)، وإنما هو مجهود واعي ومقصود وفاعل على مستويات الفقه والإفتاء والممارسة لإدخال كل شيء ضمن المحيط الديني حتى يكون “التسلط” على البلاد والعباد، أي تسلط حركات الإسلام السياسي أو حتى الديكتاتوريات التي تستغل هذا الإسلام السياسي، حتى يكون التسلط لصالحها باسم “الله” وتحت ادعاء أن هذا التسلط هو بالضبط “شريعته” جل وعلا. والمثال البارز في هذا الخصوص هو التوجهات الشيعية ضمن مفهوم ولاية الفقيه كما تمثلها إيران ومن يرى رأيها، والتوجهات السنية السلفية، بفرعيها المعتدل والمتطرف، كما تمثلها المؤسسة الدينية الرسمية في المملكة السعودية من جهة وجماعة القاعدة من جهة أخرى، وأيضاً أحزاب الإسلام السياسي في بلدان متعددة كما تمثلها جماعة الإخوان المسلمين على سبيل المثال. وبما أن الليبرالية بما تحويه من مبادئ متطورة تدور حول الحريات، والعلمانية بما تستدعيه من فصل الدين وسلطة الكهنوت عن السياسة، يشكلان تهديداً مباشراً لهذا “التسلط” الذي ينتحل اسم “الله” في هيمنته، فإن الإسلام السياسي يعادي هذين المفهومين عداءً شرساً من خلال التشويه المتعمد لهما. ولهذا السبب بالذات يتوجب النظر في تعريفات هذين المفهومين بصورة متكررة لمعاكسة محاولات التشويه هذه.

 

العلمانية، بمفهومها فصل الدين عن السياسة، تستدعي بالضرورة ممارسة محددة يكون النص المقدس فيها غير مؤثر، حتى وإن وُجدَ هذا النص الصحيح الواضح من وجهة نظر المؤمنين فيه، أو أن يكونالنصالمقدس غير موجود أصلاً فيما يخص هذه الممارسة بالذات ولكن يتم البحث في الموضوع (أو التشريع) بعيداً عن تأثيرات مفاهيم أو آليات أخرى تحمل صفة القدسية. وأول اعتراض على هذا التعريف سوف يأتي من حركات الإسلام السياسي بالتأكيد، وسوف يدور حول نقطة وحيدة واحدة مهما اختلفت تفريعاتها أو تفاصيلها وهي (أن هذا مخالف للإسلام وخروج عليه وعنه). والحقيقة أن موقفهم هذا يحمل بذرة التناقض، لأن ما يتهمون به غيرهم من المعاصرين العلمانيين بأوصاف لا أول لها ولا آخر، لا يتجرأون أن يطلقوها على مجتمع الصحابة (صحابة النبي محمد) الذين مارسوا بالضبط نفس محتوى هذا التعريف أعلاه. فإذا كان لا يسعنا الخروج على “النص المقدس” لأي سبب (بسبب علمانية أو غيرها)، فمن باب أولى أن مجتمع الصحابة لا يسعهم أيضاً الخروج على النص لأي سبب كان. إلا أن الحقيقة هي أن الممارسة المحددة التي يكون النص المقدس فيها غير مؤثر كما في تعريف العلمانية أعلاه قد مارسها صحابة النبي محمد وبكل رحابة صدر وبدون أي إشكالية دينية كما يبدو جلياً في نصوص التاريخ، تاريخهم هم، التاريخ الذي يتبناه الإسلام السياسي نفسه.

 

قال الله تعالى في سورة التوبة (إنما الصدقات للفقراء والمساكين والعاملين عليها والمؤلفة قلوبهم …) الآية. هذا نص مقدس، ثابت صحيح، واضح جلي في استحقاق “المؤلفة قلوبهم” سهماً من الزكاة لم يستثني فيه الرب تعالى زمان أو مكان منه، وإنما النص عام مطلق. ومع هذا، وكما هو ثابت من نصوص الفقه الإسلامي وتاريخه، فقد منع عمر بن الخطاب، الخليفة الإسلامي الثاني، سهم المؤلفة قلوبهم بسبب اختلاف الظروف وعدم حاجة الإسلام لهؤلاء بعد أن عَـزّ وظهر. وكذلك فعل في امضاء من طلق زوجته ثلاث طلقات بفم واحد على أنه طلقات ثلاث وليست واحدة وذلك للمصلحة التي تغيرت في زمنه، بينما كان الأمر على أيام النبي محمد وخليفته الأول أبو بكر أن الطلقات الثلاث بفم واحد هي طلقة واحدة لا غير. وكذلك قسمته للبلاد المفتوحة عنوة، أي بحد السيف، التي رفض فيها قسمة غنائهما على المقاتلين، وتعطيله حد السرقة عام الرمادة، ورأيه في الجزية المفروضة على نصارى بني تغلب، وسهم ذوي القربى في القرآن وغيرها من الأمور التي كانت الممارسة فيها غير متأثرة بالنص الإسلامي المقدس (قرآن أو سُنة ثابتة) كما جاء في تعريف العلمانية أعلاه. وليس الأمر مقصوراً على عمر بن الخطاب، فهذا علي بن أبي طالب رفض ملاحقة قتلة عثمان مع أن النص المقدس يوصيه أن (النفس بالنفس) لأن الوضع السياسي كان غير مؤاتي، وأيضاً رفض التحكيم بينه وبين معاوية بن أبي سفيان أولاً ثم عاد ورضي به لأن من معه أصروا عليه، وهذا هو سبب خروج الخوارج عليه بدعوى مخالفته للنص. بل أن الأطياف المذهبية الشيعية يصرون على أن علي بن أبي طالب هو الخليفة بعد النبي محمد بسبب دعوى “النص” عليه، ولكن، وعلى هذا الإصرار، فإن علي بن أبي طالب قد خالف “النص” من وجهة النظر الشيعية بسبب قبوله ذهاب الخلافة منه لأبي بكر ثم قعوده في بيته ستة أشهر من دون بيعة حتى وفاة فاطمة بنت النبي محمد. أليست هذه ممارسة علمانية، إذا أخذنا بالرأي الشيعي، بسبب “قعوده” عن “النص” عليه في مسألة سياسية؟

 

 يقول ابن أبي الحديد المعتزلي:

 

وقد أطبقت الصحابة إطباقــاً واحداً على ترك كثير من النصوص لما رأوا المصلحة في ذلك، كإسقاطهم سهم ذوي القربى وإسقاط سهم المؤلفة قلوبهم، وهذان الأمران أدخلُ في باب الدين منهما في باب الدنيا. وقد عملوا بآرائهم أموراً لم يكن لها ذكر في الكتاب والسنة كحد الخمر فإنهم عملوه اجتهاداً، ولم يحدّ رسول الله (ص) شاربي الخمر، وقد شربها الجمّ الغفير في زمانه بعد نزول آية التحريم. ولقد كان أوصاهم (ص) في مرضه أن أخرجوا نصارى نجران من جزيرة العرب، فلم يخرجوهم حتى مضى صدر من خلافة عمر، وعملوا في أيام أبي بكر برأيهم في ذلك باستصلاحهم. وهم الذين هدموا المسجد بالمدينة، وحوّلوا المقام بمكة، وعملوا بمقتضى ما يغلب في ظنونهم من المصلحة، ولم يقفوا مع موارد النصوص”.

 

الجملة المحورية في النص أعلاه هي: “وعملوا بمقتضى ما يغلب في ظنونهم من المصلحة، ولم يقفوا مع موارد النصوص”. كل هذه الممارسات، وغيرها كثير في التاريخ الإسلامي بفرعيه السني والشيعي، كان “النص” غير مؤثر في القرار كما جاء في تعريف العلمانية أعلاه، فأي فرق هنا؟

 

والجواب هو لا فرق إطلاقاً، الممارسة العلمانية واحدة، والتشابه واضح لكل منصف لا يريد أن يتعسف في التأويل أو التفسير لممارسات صحابة النبي محمد بعد وفاته. إذ من الواضح أن “المصلحة“، بمعناها الشامل أو الفردي، هي المحرك الرئيس في كل هذه التصرفات في مجتمع الصحابة أنفسهم مما يؤكد رسوخ المبدأ العلماني في التصرفات البشرية حتى وإن كان ظاهرها دينياً بحتاً. إلا أن هذا يقودنا أيضاً إلى مفهوم الليبرالية.

 

 

جاء في مفهوم الليبرالية:

 

“لا توجد نظرية متكاملة صاغها مفكر أو فيلسوف واحد بشأن الليبرالية، وإنما يشير التعبير إلى مجموعة من الأفكار التي تطورت ما بين القرن السابع عشر والقرن العشرين، والتي عبر عنها مفكرون مثل: ديفيد هيوم، آدم سميث، لورد أكتون، جون لوك، وجون ستيوارت مل في انجلترا، وجان جاك روسو، دي توكفيل، وفولتير في فرنسا، وشيلر في ألمانيا، وجيمس ماديسون وجون مارشال في الولايات المتحدة الأمريكية. ويترتب على ذلك أن الليبرالية ليست ايديولوجية ممنهجة تترابط فيها المقدمات والأفكار والنتائج، وإنما هي تيار فكري له منابع وروافد مختلفة تم الربط بينها فيما يسمى بالمذهب أو الإتجاه الليبرالي (…) وتنهض الفكرة الليبرالية على مفهوم الحرية التي عبر عنها جون لوك في أوضح صورة. لقد انطلق لوك من فكرة القانون الطبيعي الذي يعطي للأفراد، بحكم كونهم بشراً، حقوقـاً طبيعية غير قابلة للتصرف فيها. وأكد على الحقوق والحريات المدنية مثل حرية الفكر والتعبير والاجتماع والملكية، وتم الدفاع عن هذه الأفكار باسم الحقوق الطبيعية. وفي مجال الاقتصاد استخدم مفهوم “المذهب الطبيعي” لتبرير حرية الاقتصاد وعدم تدخل الدولة في النشاط الاقتصادي (…) وعلى مستوى الممارسة قامت نظم الديموقراطية الليبرالية على عدة أسس. أولها، التعددية السياسية وتداول السلطة بينها. ثانيها، القرار السياسي هو ثمرة التفاعل بين كل القوى السياسية ذات العلاقة بالموضوع. ثالثها، إقامة هيئات تشريعية تمثيلية واحترام مبدأ الأغلبية كأسلوب لاتخاذ القرار. رابعها، المساواة السياسية التي تتمثل في اعطاء صوت واحد لكل مواطن. خامسها، مفهوم الدولة القانونية، وأهم عناصرها وجود دستور والفصل بين السلطات وخضوع الحكام للقانون وانفصال الدولة عن شخص حاكمها وتدرج القواعد القانونية واقرار الحقوق الفردية للمواطنين وتنظيم الرقابة الشعبية”. [المصدر: ندوة بحثية: الفكر العربي المعاصر – تقييم واستشراف، الكويت، نوفمبر – ديسمبر 1997، عالم الفكر، المجلد 26، العددان 3 و 4، يناير – يونيو 1998، ورقة عمل بعنوان: أزمة الفكر الليبرالي العربي، د. علي الدين هلال، ص 111 – 113]

 

 

فعلى هذا فإن الهدف الأساسي، الأول والرئيس، من تبني الليبرالية وما تستدعيه من ديناميكيات سياسية علمانية هو نفي “الاستبداد” أياً كان شكله أو نوعه وخصوصاً الاستبداد السياسي أو ما يتم باسم الدين، ومن ثم التركيز والدفع في اتجاه “المصلحة” الفردية والجمعية لأفراد المجتمع. وهذا هو أساس الصراع الليبرالي – الديني في مجتمعاتنا.

 

 

 

 

فرناس

 

 

 

 

 لرابط مقالتي أعلاه على موقع (الحوار المتمدن)، رجاءً اضغط هنا.

 

 

ملاحظة: نُشرت هذه المقالة بصورتها الأولية غير المنقحة في هذه المدونة بتاريخ 15 سبتمبر 2009، رجاءً اضغط هنا. وقد أعدت صياغة المضمون بصورة جذرية للنشر في موقع (الحوار المتمدن) وعلى هذه المدونة مرة ثانية.

 

 

 

 

 

إذا أردت أن تشارك الآخرين بهذه المقالة
  • Facebook
  • Twitter
  • Digg
  • MySpace
  • del.icio.us
  • Live
  • Ping.fm
  • RSS
  • Google Bookmarks

Comments:

One Response


  1. سُئِل ذات يوم الإسلامي أبوحمزة المصري ( البريطاني الجنسية والمصري الأصل ) عن سبب معاداته للمجتمع البريطاني الذي يعيش فيه ويوفر له الحياة الكريمة والأمنة فقال : إن بريطانيا مثل المرحاض ( أقضي بها حاجتي وأتركها بعدها … هذا بالضبط هو ما ينظر إليه الإسلاميون إلى الديمقراطي… مجرد سلم للوصول إلى السلطة لا قيمة له بعد الوصول.
    الديمقراطية هي لعبة ( سياسية ) ومن يريد أن يلعبها عليه أن يحترم قواعدها وإلا لفسدت وأصبحت شيئاً آخر ، فمثلا عندما تلعب كرة القدم لا يجوز لك أن تسجل هدفاً بيدك أو أن تسير بالكرة خارج خطوط الملعب … إلخ من قواعد ، وفعل ذللك يشوه االلعبة ويجعلها شيئاً آخر ونوع من الفوضى وغير جديرة بالإحترام .
    الإسلميين لا يؤمنوا بقواعد ( لعبة ) الديمقراطية ولذلك أول أهدافهم عندما يصبحوا أغلبية هو إعلانهم تغيير قواعد اللعبة رسميا وإلى الأبد .
    في أي ديمقراطية حقيقية لا تسطيع الأغلبية تغيير نظام البلد وطمس الحقوق الأساسية للناس وفرض مفاهيمها الخاصة على سلوك البشر … مثال : أغلبية إسلامية وصلت للسلطة تعتقد أن الحجاب واجب .. لا يحق لها إلباس الناس الحجاب لأن ذلك من الحريات الأساسية في حرية الإختيار والمعتقد التي لا تمس أي من قواعد اللعبة التي لا يجوز تغيرها وإلا لإنتفت فكرة الديمقراطية .
    حريات البشر وسلوكها ونمط حياتها التي يتوافق مع قناعاتها الدينية خطوط حمراء لا تمس وغير قابلة للنقاش .. وتعديل المادة الثانية من الدستور لفرض نمط حياة إسلامي يتنافى مع فكرة الديمقراطية وقواعدها الأساسية
    الأغلبية البرلمانية من حقها فرض مفهومها في إدارة شئون البلد ( سياسة ، إقتصاد ، رياضة … إلخ ) لكن ليس من حقها في أي حال من الأحوال مس حريات البشر ومعتقداتها وإسلوب حياتها وملبسها .. وهذا مالا يفهمه الإسلاميين .. أو بالأصح مالا يريدون فهمه .
    ومن المضحك أن يخرج علينا أحد دينياصورات المنبر الديمقراطي ليطلب منا القبول بديكتاتورية الأغلبية التي لا تؤمن لا بقواعد اللعبة الديمقراطية ولا بحريات البشر .
    نظام البلد وروح نظامه الديمقراطي كذلك لا يمس من قبل الأغلبية … فلا يمكن فرض اليوم نظام إسلامي وغدا شيوعي وهكذا على حسب مزاج الأغلبية الموجودة بالسلطة
    الإشكالية الحقيقية هي وصول أشخاص إلى السلطة لا يؤمنون بقواعد الديمقراطية .. لذلك تصبح الديمقراطية وبالاً على البشر ودماراً للوطن

Leave a Reply

Subscribe to RSS Feed Rss