المطالبات بإستقالة رئيس الوزراء … مثال على تناقض الذهنية السياسية الكويتية
Filed Under (شؤون كويتية) by فرناس on 03-11-2009
Tagged Under : شؤون كويتية
تختلف الحالة الديموقراطية الكويتية عن الديموقراطيات الأخرى في جزئية مهمة جداً، وهي غياب تبادل السلطة التنفيذية في البلاد على أساس ديموقراطي. فبينما يحتكر الشعب الكويتي حق التشريع والمراقبة، يحتكر حكّام البلاد من ذرية الشيخ مبارك الصباح الهيمنة على السلطة التنفيذية. هذا هو محتوى وجوهر العقد الإجتماعي كما هو منصوص عليه في الدستور، وكما تصوّره وقننه الآباء المؤسسون للدولة المدنية الكويتية، وكما وافق عليه الشعب الكويتي. فالحالة الكويتية هي ليست حالة ديموقراطية كاملة كما يحاول البعض أن يصورها أو أن يُسوّق لها، ولكنها حالة شبه ديموقراطية ارتضاها الكويتيون لأنفسهم. لا عيب هنا ولا شذوذ، إذ المسألة من أساسها هي مسألة رضاً وإتفاق بين طرفين، وهكذا كان. ومن هذا المنطلق، منطلق (العقد شريعة المتعاقدين)، يجب على كِلا الطرفين أن يحترم بنود العقد ويعمل ضمنها. ولكن المُشاهد هو أن شذوذ الحالة الكويتية تنبع مع مشكلة ذهنية وقناعات، وليست مشكلة ممارسات بالدرجة الأولى. إذ أن الذهنية الكويتية، وخصوصاً الشعبية منها، أصبحت تنتهج معايير التناقض حتى في أشد الأمور وضوحاً وتجلياً.
برزت في الآونة الأخيرة مطالبات لرئيس الوزراء بتقديم إستقالته. قاد هذه المطالبات مدونات حزبية تنتمي بالتحديد إلى جماعة الإخوان المسلمين. لن أدخل هنا في النوايا أو الدوافع الحقيقية لهذه الجماعة بالذات لتحريك مثل هذه المطالبات، هذا لا يهمني الآن. ولكنني أود أن أشير بأن المدونات الحزبية، بشكل عام، أثبت لنا تاريخ السنوات القليلة الماضية، أنها مدونات تتحرك ضمن أجندات وتصورات غير مستقلة تماماً عن الأجندة الحركية لهذه الأحزاب. فهي عنصر مساعد وفاعل للتسويق للأجندة الحركية للحزب التي تسوق له، بالحق وبالباطل، وهي بالتالي لا تتمتع بالإستقلالية المطلوبة لنفترض منها الحياد الفردي في القضايا المطروحة على الساحة. ولهذا السبب بالذات لا يجب أن نشغل بالنا كثيراً بتفنيد القضايا التي تُطرح فيها، ولكننا في المقابل يجب أن ننظر للصورة الشاملة للساحة الكويتية وموقع هذه الأحزاب فيها حتى نفهم القضية على وجهها الصحيح وأسبابها ودوافعها. فالأمر لا يبدو بالبراءة المفترضة عند التمعن فيه إذا قررنا أن نبتعد قليلاً عن اللوحة السياسية الكويتية حتى نستطيع أن ننظر للصورة بشكل كامل.
ولكننا من جهة أخرى، وهو ما يهمني هنا بالتحديد، لا نستطيع أن ننكر أن مسألة مطالبة رئيس مجلس الوزراء بالإستقالة هو مثال واضح لتجلي ذهنية الشذوذ في العقلية السياسية الكويتية. فمن ناحية، نجد أن الفرد الكويتي هو أول من يتذمر من انتهاك القانون ويتشدق بضرورة احترامه. ولكنه من ناحية أخرى هو أول من يملك الإستعداد الذهني والعملي للقفز عليه وانتهاكه حرفاً حرفاً. وهذه الذهنية تجلت في هذه القضية بالذات لتنتهك حتى مواد الدستور نفسه. إذ الدستور الكويتي الذي يحتوى بنود العقد الإجتماعي الكويتي مع ذرية الشيخ مبارك الصباح لا يعطي الحق أبداً لأن يطالب أفراده رئيس وزرائهم أن يستقيل. فتعيين رئيس الوزراء وإقالته هو حق حصري لصاحب السمو الأمير من دون منازع حتى من أفراد الشعب نفسه. هذا ما يقوله الدستور الكويتي:
مادة - 56
“يعين الأمير رئيس مجلس الوزراء، بعد المشاورات التقليدية، ويعفيه من منصبه. كما يعين الوزراء ويعفيهم من مناصبهم بناء على ترشيح رئيس مجلس الوزراء”.
وهذا ما تشرحه المذكرة التفسيرية للدستور:
“يقتضي مبدأ ممارسة الأمير لسلطاته الدستورية بواسطة وزرائه، حلول المراسيم الأميرية محل الأوامر الأميرية، ولكن ترد على هذا المبدأ استثناءات ثلاثة. أولها اختيار ولي العهد بناء على مبايعة مجلس الامة (مادة 4)، وثانيها لا يمارس بطبيعته إلا بأمر أميري وهو تعيين رئيس الوزراة واعفاءه من منصبه (مادة 56)”.
ولكن في المقابل، فإن الدستور الكويتي شرح بالضبط كيفية ممارسة الشعب حقه في رفض رئيس مجلس الوزراء. هذا ما يقوله الدستور:
مادة - 102
“لا يتولى رئيس مجلس الوزراء أي وزارة، ولا يطرح في مجلس الأمة موضوع الثقة به. ومع ذلك إذا رأى مجلس الأمة بالطريقة المنصوص عليها في المادة السابقة عدم إمكان التعاون مع رئيس مجلس الوزراء، رفع الأمر إلى رئيس الدولة، وللأمير في هذه الحالة أن يعفي رئيس مجلس الوزراء ويعين وزارة جديدة، أو أن يحل مجلس الأمة. وفي حالة الحل، إذا قرر المجلس الجديد بذات الأغلبية عدم التعاون مع رئيس مجلس الوزراء المذكور اعتبر معتزلاً منصبه من تاريخ قرار المجلس في هذا الشأن، وتشكل وزارة جديدة”.
وهذا ما تشرحه المذكرة التفسيرية للدستور:
“عدم النص على اسقاط الوزارة بكاملها بقرار عدم ثقة يصدره مجلس الامة، والاستعاضة عن ذلك الاصل البرلماني بنوع من التحكيم يحسمه الأمير بما يراه محققاً للمصلحة العامة، وذلك اذا ما رأى مجلس الامة عدم امكان التعاون مع رئيس مجلس الوزراء (مادة 102) (……) فإن امكن اجتياز هذه العقبات جميعاً وصدر قرار المجلس بعدم التعاون مع رئيس مجلس الوزراء لم يترتب على ذلك تنحيه (والوزراء بالتالي) عن الوزارة كما هو مقرر بالنسبة للوزير، وإنما يكون الامير حكماً في الأمر،إن شاء أخذ برأي المجلس وأعفى الوزارة، وإن شاء احتفظ بالوزارة وحل المجلس. وفي هذه الحالة اذا استمر رئيس الوزارة المذكور في الحكم وقرر المجلس الجديد، بذات الاغلبية المنوه عنها، عدم التعاون معه اعتبر معتزلاً منصبه من تاريخ قرار المجلس الجديد في هذا الشأن، وتشكل وزارة جديدة”.
فالأمر هنا واضح. فبدلاً من مطالبة رئيس الوزراء بتقديم استقالته للأسباب التي شرحها مؤيدوا هذا الرأي، كان يجب أن تكون هذه المطالبة لأعضاء مجلس الأمة لتفعيل المادة 102 من الدستور. هكذا هو القانون، وهكذا هو العقد الإجتماعي المتفق عليه، وهكذا يجب أن يكون الأمر. والغريب في الموضوع أن الأحزاب التي تبنت هذا المطالبة من خلال مدوناتها تملك عضواً في البرلمان، ولكنها لم تنبس ببنت شفة لتطالبه بتفعيل هذه المادة.
إن كنتم لا تريدون رئيس مجلس الوزراء، هذا حقكم لا ينازعكم أحد فيه. ولكن على أضعف الإيمان لنحترم جميعاً عقدنا الإجتماعي الذي نشف لعاب حلوقنا للتظاهر بأننا نحميه ونحترمه ونرفض المساس به، فإذا بنا أول من ينتهكه. قولوا لهذه المدونات الحزبية أن تطالب نوابها بتبني المادة الدستورية التي تؤطر لعملية إزاحة رئيس السلطة التنفيذية. أما أن يكون الطرح هو محاولة جرف الكل في مطالبة مخالفة للقانون وللدستور وهي انتهاك صريح لحقوق وسلطات رئيس الدولة فهذا أمر شاذ وغريب ومرفوض.
السؤال وبكل بساطة وسوف أضعه بالخط العريض:
هل تريديون الدستور أم لا تريدونه؟
هل تريدون هذا العقد الإجتماعي أم لا تريدونه؟
هل يجب علينا احترام القانون أم يحق لنا أن ننتهكه لأن حزباً ما يريد لنا ذلك؟
وهناك سؤال أهم يطرق بالي لهذه المدونات الحزبية بالذات، وهو هذا:
لو تنحى رئيس مجلس الوزراء وأتاكم من كنتم تصفونه منذ سنوات قليلة جداً ماضية بأنه (الضلع الأبرز في ثلاثي الفساد)، وعرض على أعضاء حركتكم المشاركة في السلطة التنفيذية، ماذا سوف يكون موقفكم منه ومنهم؟؟؟؟
لست مهتماً كثيراً لسماع الإجابة منهم، ولكنني أترك السؤال ليتفكر فيه القارئ الكريم جيداً.
فرناس


