في الحادي عشر من سبتمبر سنة 2001 قامت مجموعة من السلفيين المتطرفيين بإختطاف مجموعة من الطائرات الأمريكية ومن ثم الدخول بها في مركز التجارة العالمي في نيويورك ومبنى وزارة الدفاع الأمريكي في واشنطن. أسفر هذا الهجوم الإرهابي عن مقتل ما يقارب الثلاثة آلاف شخص من الأمريكيين وغيرهم من الجنسيات. وبهذا الهجوم دشنت الولايات المتحدة الأمريكية ما يُعرف بـ “الحرب على الإرهاب”. وتحت مظلة هذا الشعار هاجمت الولايات المتحدة الأمريكية وإحتلت أفغانستان والعراق، أقامت معتقلات غير قانونية ومخالفة للقوانين والإتفاقيات الدولية، مارست التعذيب، مارست المعاملات الحاطة من الكرامة أو المهينة ويُشْتم منها رائحة التمييز العنصري، أتُهمت في حيادية ونزاهة القضاء العسكري الأمريكي، تدخلت في الشؤون الداخلية لدول عربية وإسلامية من المحيط إلى المحيط، تبنت الغطاء الإعلامي والسياسي لتطويل أمد حروب ومجازر إرتكبت بحق المسلمين من أطراف متعددة منها الكيان الصهيوني البربري، ومارست ضغوط متعددة المحاور على الدولة العربية والإسلامية لصالح إما أفكار ثيولوجية أو إمبريالية أو أديولوجية، أو لصالح تركيز وتثبيت كيانات همجية عنصرية كالكيان الصهيوني البربري.
خلال كل هذه الممارسات برزت توجهات متعددة داخل المجتمعات العربية والإسلامية تبرر للولايات المتحدة الأمريكية تصرفاتها تلك تحت دعاوى مختلفة. أهمهما بأن الولايات المتحدة الأمريكية لم تتصرف هكذا إلا بعد أن تعرضت لهجوم على أرضها وتم قتل مواطنيها بطريقة إرهابية بشعة، وأن من حقها الدفاع عن أمنها ومصالحها، وأن النظرة التي تقتصر على متابعة التصرفات الأمريكية فقط هي نظرة قاصرة لأنها لا ترى الصورة الكلية والمستقبلية للوضع الخطير والذي يمكن أن تقودنا لها تلك الأيديولوجية السلفية المتطرفة.
في البداية يجب أن أسلم لهم بأن أي نظرة تحليلية لأمر ما يجب أن تأخذ البعد الشمولي للقضية موضوع التحليل. هذا صحيح بلا خلاف. فأي محاولة تحليلية لأي وضع سياسي، وخصوصاً إذا كان وضعاً عالمياً كالذي نراه في ما يسمى بالحرب على الإرهاب، يجب أن يأخذ مستويات عدة في التحليل حتى يقترب من الفهم الشامل للقضية. وكذلك تصرفات الولايات المتحدة الأمريكية في هذه المسألة بالذات.
لننظر أولاً إلى الوضع الداخلي الأمريكي قبل هجمات سبتمبر. هناك توجه أو رأي لدى البعض بأن الولايات المتحدة لا تستطيع أن تبقى “متحدة” من دون وجود خطر أو تهديد خارجي يبقيها متحدة داخلياً في مواجهة هذا الخطر. التاريخ الحديث لهذه الدولة يعطي الدليل لمن يتبنى هذا الرأي. ولذلك، وإذا إفترضنا وجاهة هذا الرأي (وأنا في رأيي المتواضع هو وجيه)، فإن الولايات المتحدة كانت، بوعي أو من دون وعي، في حالة بحث عن ذلك العدو الخارجي من بعد سقوط وتفتت الإتحاد السوفيتي السابق ومحاولة بعض دوله المستقلة حديثاً الإنظمام لحلف الناتو. هجمات سبتمبر أعطت للولايات المتحدة هذا العدو الجديد. هذا واضح من دون شك. وما سبق هجمات سبتمبر من أعمال إرهابية مثل مهاجمة السفارات الأمريكية في الدولة الأفريقية ومحاولات فردية لتفجير مواقف السيارات داخل مبنى التجارة العالمي كانت توحي للمتابع بأنها نتيجة عمل جماعات ذات قدرة محدودة في التخطيط والتنفيذ. وأنا أعلم مسبقاً بأن البعض سوف يعترض بأن تفجير السفارات الأمريكية في بعض الدول الأفريقية كانت ولا شك توحي بتنظيم ذو قدرة وتنظيم وتمويل ما، ولكن الحقيقة أن تلك القدرة والتنظيم لم تكن بمستوى دولة عظمى أن تتخذها عدوة على نطاق واسع وبحيث تسوق الرأي العام الداخلي بقوة خلف سياسييها. هذا واضح.
إذن السياق العام للحالة الأمريكية فيما بعد سقوط الإتحاد الأمريكي وقبل هجمات سبتمبر كان في حالة البحث تلك، وإذا أضفنا إلى ذلك حقيقة وجود الديموقراطيين في رئاسة الولايات المتحدة (إدارة كلنتون) ومحاولة التركيز على الوضع الإقتصادي الداخلي ومشاريع السلام في الشرق الأوسط والإستنكاف الواضح عن تبني سياسات من شأنها زيادة التوتر في منابع النفط (سياسات الديموقراطيين تجاه العراق كمثال. لاحظ هنا أن بوش الأب قد خسر الإنتخابات الرئاسية لصالح كلنتون مع خروجه منتصراً من حرب العراق بسبب الوضع الإقتصادي الداخلي، ولاحظ أيضاً أن من أساسيات وجود “عدو” خارجي أن لا يكون مهزوماً كالعراق، فمتى هزمت عدوك لم يعد ذو خطر محدق على مصالحك)، إذا جمعنا كل هذا مع حقيقة أن الوضع الإقتصادي كان مريحاً جداً للأمريكيين قبل هجمات سبتمبر مباشرة، أصبح لدينا حالة تأهب كاملة للأمريكيين لكي يتبنوا “خطراً خارجياً” قادماً لا محالة إليهم. كان ذلك هو “الإسلام”. وأقول “الإسلام” لأنه، وللأسف، أصبح في ذهن الرجل الأمريكي والأروبي العادي، في الأغلب الأعم، ذلك التمازج والتلازم بين الإسلام كدين وبين الأرهاب والعمليات الإنتحارية والتي تقوم بها شرذمة ذات فكر سلفي متطرف.
الإعتراض هنا قد يكون بأن الأمريكيين إنما إستهدفوا القاعدة وأفرادها. ولكن هذا الرأي مردود وعلى عدة محاور. لأن لجان حقوق الإنسان ولجان الأقليات وغيرها من الجمعيات التي تراقب الشأن الداخلي والخارجي الأمريكي هي مشغولة ولاشك بالكثير الكثير من قصص إنتهاكات حقوق الإنسان للمسلمين في أمريكا وأروبا. هذا بالإضافة إلى سياسات أمريكية واضحة لا لبس فيها للتدخل في شأن الإسلام كفقه وكمنهج وكتعليم…الخ.
هذه الحالة من “العداء” لفكرة “الإسلام” بدلاً من التركيز المباشر والتأكيد المتكرر وعلى مستويات عدة بأن “العداء” يجب أن يتركز على فئة قليلة جداً تتبنى فكراً شاذاً ومتطرفاً يدعي الإسلام أوجدت ردود أفعال على مستويات عديدة ومنها بريطانيون وأمريكيون وأروبيون بالولادة والمنشأ، ولكنهم مسلمين، ليقوموا بأعمال إرهابية ضد دولهم. ومراجعة سريعة لأفلام الفيديو والتي صورها من قام بتفجيرات محطات القطار والباصات في المملكة المتحدة مؤخراً ليدلوا بوصيتهم وأسباب قيامهم بتلك التفجيرات الإرهابية، وهم مسلمون بريطانيون بالولادة والمنشأ والجنسية ولكنهم ذوي أصول باكستانية، سوف تعطيك الدليل ومن أقوالهم هم. إن أخطر ما يمكن أن تقوم به دولة ما هو أن تجعل جزءاً من شعبها يشعر بالإغتراب في وطنه. وهذا ما وقعت به الكويت من خطأ جسيم عندما مارست سياسة التغريب ضد الشيعة الكويتيين في الثمانينات لصالح العراق. وهذا الخطأ هو ما تكرره الآن الولايات المتحدة وحلفائها الأروبيون.
وحتى يتم التدليل على سياسة التغريب هذه وخطورتها على النسيج العام لأي مجتمع يمارس هذا النوع من المنهج لننظر إلى ما يمكن أن نطلق عليه عمليات إرهابية خلال الخمس وعشرين سنة الماضية. في إعتقادي الشخصي، يجب أن نفرق بين فترتين من الزمان بينهما تباين شديد. الفترة الأولى هي ما قبل هجمات سبتمبر والفترة الثانية هي هجمات سبتمبر وما بعدها. بالطبع أن لا أقول بأن هاتين الفترتين بينهما قطيعة كاملة ولكن أقول بأنهما ذات تباين في نوعية العمليات الإرهابية والخطاب الإرهابي.
في الفترة الأولى، فترة ما قبل هجمات سبتمبر، كانت العمليات الإرهابية موجهة بصفة أساسية إلى المصالح الحيوية للقوى الإمبريالية، أو على الأقل ما يراها هؤلاء على إنها قوى إمبريالية، وهي معزولة بقدر كبير عن إستهداف المدنيين كوسيلة للقتل العشوائي أو المنشئات المدنية. كان المدنيين كوسيلة للضغط، بعيداً عن القتل الجماعي والعشوائي، على القوى السياسية العظمى لتنفيذ مطالب معينة. لننظر إلى هذه الأحداث:
1983 تفجير السفارة الأمريكية في لبنان.
1983 تفجير مجمع عسكري أمريكي وقتل 242 جندي مرينز في لبنان.
1985 خطف طائرة TWA أمريكية مغادرة من روما بواسطة أفراد من حزب الله اللبنانية.
1985 أفراد من منظمة التحرير الفلسطينية تختطف باخرة ركاب إيطالية في البحر المتوسط.
1986 ديسكو في برلين تم تفجيره وقتل جنديين وجرح 79 من الجنود.
1988 تفجير طائرة PAN AM فوق لوكيربي في المملكة المتحدة. لاحظ هنا أن هذا يصنف تحت إرهاب دولة وليست منظمات إرهابية.
1993 تفجير موقف سيارات مركز التجارة العالمي في نيويورك نتج عنه أصابات عديدة. لاحظ هنا بداية بروز الإرهاب الإسلامي أو التي تتبناه جماعات إسلامية وبداية التوجه للقتل المدني العشوائي.
1996 تفجير ثكنة عسكرية في مدينة الخبر السعودية تضم مجمعات سكنية للجنود الأمريكيين. 19 جندي أمريكي قتلوا وجرح آخرون.
1998 تفجير سفارتي الولايات المتحدة في كينيا وتنزانيا.
2000 هجوم بحري على البارجة العسكرية الأمريكية “كول” في اليمن.
2001 هجمات 11 سبتمبر في واشنطن ونيويورك.
نلاحظ من هذا التسلسل التاريخي أن السياق العام لهذه الهجمات لا يتبنى أسلوب القتل العشوائي للمدنيين، ونلاحظ كذلك أن المهاجمين لا يستهدفون مواطنيهم في تلك البلاد.
بعد هجمات سبتمبر إختلف الوضع تماماً. لننظر إلى الهجمات الإرهابية والتي تمت بواسطة الجماعات الإسلامية في المملكة المتحدة، إسبانيا، المغرب، الجزائر، مصر، الأردن، لبنان، سوريا، السعودية، العراق، تركيا، باكستان، الهند، أندونيسيا، الفلبين وغيرها من الدول، في هذه الهجمات كان الأغلب الأعم هو إستهداف المدنيين كعنصر أساسي. لاحظ أيضاً بروز بعض الفتاوى تحت غطاء الجماعات السلفية تبيح قتل المدنيين والأطفال ممن ينتمون إلى دار الحرب والمخالفين أو حتى ممن يصدف وجودهم خلال العملية الإرهابية. لاحظ أيضاً بروز فتاوى “الولاء والبراء” وخصوصاً بين الجماعات السلفية لكل من يخالفهم.
إذن من الواضح أن هذه النقلة النوعية في الهجمات الإرهابية لابد وأن يكون لها أسباب. إذ من غير المعقول أن نفسر تبني أبناء دولة ما لفكرة قتل مواطنيهم بعد هجمات سبتمبر فقط على أنها عمل جهادي كما يقول البعض، أو أنها نتيجة لتدريب وفكر وأيدولوجية فقط. لابد وأن يكون قد إختلف شيءٌ ما في داخل هذه المجتمعات ليفسر إتجاه بعض من يحمل جنسيتها لقتل مواطنيه من المدنيين وبشكل جماعي وعشوائي. أليس هذا منطقياً؟
الذي إختلف في هذه المجتمعات هو سياسة “التغريب” والتي للأسف باتت تمارسها الكثير من الدول في أروبا الغربية والوسطى بالإضافة إلى الولايات المتحدة الأمريكية. ولن أستعرض الكم الهائل من الأخبار والقصص المتوفرة عن هذا التغير في المجتمعات فهي أكثر من أن تحصى وتعد، والقارئ الكريم بإمكانه إستخدام أي محرك للبحث في شبكة الإنترنت للوصول إلى كمية هائلة من الأخبار والروايات، ولكني سوف أضع خبر قرأته منذ أيام في موقع الـ بي بي سي لنتلمس ذلك الشعور بالتغريب والذي يتعرض له مسلموا تلك البلاد.
موقع الـ BBC :
Swiss citizenship system ‘racist’
The report, from Switzerland’s Federal Commission on Racial Discrimination, recommends far-reaching changes. It criticises the practice of allowing members of a community to vote on an individual’s citizenship application. Muslims and people from the Balkans and Africa are the most likely to be rejected, the report points out.
والترجمة هي:
نظام المواطنة السويسري عنصري
التقرير من اللجنة الفيدرالية السويسرية للتمييز العنصري أوصت بتغييرات بعيدة المدى. فقد إنتقدت الممارسة بجعل أفراد من المجتمع [السويسري] يصوتون على طلبات الأفراد للمواطنة السويسرية. وقد أشار التقرير إلى أن المسلمين ومواطنين البلقان وأفريقيا هم الأكثر إحتمالاً لرفضهم.
للمصدر، رجاءاً إضغط هنا.
ولكني هنا يجب أن أتوقف عند بعض الآراء والتي تخرج من بعض أبناء العالم الإسلامي لتقول بأن إنتهاكات حقوق الإنسان للمواطن المسلم والتي يقوم بها الأمريكيون لا يجب الوقوف عندها كثيراً لأنها ممارسة شبه يومية في الدول الإسلامية من المحيط إلى المحيط. فما وجه الإعتراض على أمر يواجهه هذا الإنسان المسلم يومياً من أبناء وطنه هو ومن دولته أصلاً. فإذا كان بعض مواطنيه ودولته وحكومته لا يحترمون حقوق إنسانهم وكرامته، فلا يتعين على الآخرين والغرباء أن يحترموها أيضاً.
يجب عليّ هنا أن أعترض بشدة على منطق “الخطيئة تبرر الخطيئة”، لأن الصحيح أن الخطيئة لا تبرر خطيئة أخرى تتم بإسم الأولى، مثل الهمجية لا تبرر الهمجية، ولا اللا إنسانية تبرر اللا إنسانية، ولا الكفر يبرر الكفر. فالقول بأن إنتهاكات حقوق الإنسان تتم في الدول العربية والإسلامية فلذلك ما هو الإعتراض إن أتت الولايات المتحدة أو غيرها بإنتهاك حقوق هذا الإنسان أيضاً هو قول مردود ولا يخضع لإعتبارات المبادئ والقيم ناهيك عن المنطق السليم للأمور. كيف نجيز لدولة ما أن تنتهك حرمة إنسان آخر وكرامته وإنسانيته وحقوقه لا لشيء إلا لأن الدولة التي ينتمي إليها، والتي لم ينتخب رؤسائها وينخر فيها الفساد من أولها لآخرها لا أستثني منهم أحداً من المحيط إلى المحيط، تمارس التعذيب والحط من كرامة أبنائها كوسيلة لحفظ عروش رؤسائها وأمرائها وملوكها. هذا من جانب، ومن جانب آخر كيف يستقيم أن دولة ليبرالية تقوم على إحترام حقوق الإنسان والمناداة بالحريات وغيرها من المبادئ الليبرالية تقوم بتصنيف الناس إلى قسمين، قسم يجب أن نحترم إنسانيتهم وكرامتهم وآخرون مهدرون الكرامة والإنسانية؟؟!!
هل يُعقل هذا؟!
الأخطر، من وجهة نظري المتواضعة، هو أن يتبنى أبناء هؤلاء الناس والتي تهدر كرامتهم وإنسانيتهم كل يوم في معتقلات عديدة أمريكية في أنحاء العالم وفي سفاراتها ومنافذها وعلى أرضها، أن يتبنوا وجهة النظر تلك والتي تبيح تصنيف الناس إلى قسمين.
إذا كان التعذيب غير مشروع، فهو غير مشروع على الجميع.
إذا كان الحط من الكرامة غير مشروع، فهو غير مشروع على الجميع.
إذا كان هدر إنسانية الإنسان غير مشروع، فهو غير مشروع على الجميع.
بلا إستثناء، بلا إستثناء.
ولا ينفعنا أن نبيح هذه التصرفات تحت إدعاء أن دولاً أخرى تمارسه.
إشكالية أخرى فيما يسمى بالحرب على الإرهاب تتبدى في علاقة هذه الجماعات المتطرفة والإرهابية بالولايات المتحدة الأمريكية وحليفاتها قبل هجمات سبتمبر. يجب أن نعترف بأن تلك المجموعات السلفية التي تحاربها الآن الولايات المتحدة الأمريكية ومعها حلفائها ومن يأتمرون بأمرها قد تربت وترعرت بتشجيع وتسليح مباشر من الولايات المتحدة الأمريكية وبأموال سعودية بالدرجة الأولى وخليجية بدرجة أقل. هذه حقيقة، ودراسة الحالة الأفغانية أبان الغزو السوفيتي لها سوف تعطينا الدليل لذلك.
تلك الجماعات كانت أداة لتنفيذ مخططات معينة وفي أماكن معينة، وعدم العمل على تصفيتها مبكراً قبل هجمات سبتمبر ليس بسبب أن الولايات المتحدة وحلفائها الأروبيون ملتزمون بالقوانين التي تحدد حدود حقوق الإنسان أو إنهم آنذاك لم يكن لديهم قوانين فاعلة ضد الإرهاب أو غيرها من الأعذار، ولكن أولاً بسبب قصور في المعلومات الإستخباراتية لهذه الدول أو تبادل المعلومات الإستخباراتية بينهم، أو بسبب الوعي الكامل لأهمية هذه المجموعات لتنفيذ سياسات هذه الدول في حال الحاجة لها على طول الحدود لدول الإتحاد السوفياتي السابق وكما أثبت التاريخ القريب. وكمثال على أهمية هذا السلاح والذي من الممكن أن يسبب على الأقل “صداع” من نوع ما لروسيا فلننظر إلى نشاطات المجاهدين الشيشان.
الحال تبدل بعد هجمات سبتمبر، فقد إنقلب السحر على الساحر. والأسوء أن هذه الجماعات باتت تهدد أحد أهم حلفاء الأمريكيين في المنطقة ومن يأخذ على عاتقه تنفيذ السياسات الأمريكية في المنطقة وهي المملكة العربية السعودية. فلا يمكن إنكار تغلغل المعارضة السلفية السعودية في المجتمع السعودي وتهديده لنظام الحكم الرسمي هناك، كما لا يمكن إنكار تزايد الوعي بآراء المعارضة السعودية السلفية الموجودة في الخارج.
التربية والأفكار السلفية المتطرفة والتي تهاجمها الآن الولايات المتحدة الأمريكية وحلفائها قد خدمت سياسات الولايات المتحدة الأمريكية حتى الثمالة. ولتدليل على ذلك لنسأل هذا السؤال البسيط: من الذي حول أفغانستان إلى فيتنام بالنسبة إلى السوفييت، وكيف تم لهم ذلك؟
القضية الأساسية هنا ليست أهمية محاربة الفكر السلفي المتطرف أياً كان مصدر هذا الفكر. أنا لا أختلف على أهميته وضرورة المشاركة في محاربته، ولا أعترض على المبدأ أصلاً. القضية الأساسية هنا، وموضع الخلاف، هو الأسلوب.
أنا أرى بأن القضية قد تحولت من محاربة “فكر” متطرف يتبناه شراذم هنا وهناك إلى محاربة دين وأتباعه بلا إستثناء. أنا أرى بأن هناك توجه، وإن كان خفياً وغير معلن، إلى تغريب مواطنين مسلمين يعيشون في أروبا وأمريكا الشمالية. أنا أرى بأن هناك توجه إلى تصنيف البشر إلى قسمين، قسم دمهم دماء البشر ويجب أن نحترم معهم مواد حقوق الإنسان والقوانين والشرائع، وقسم الآخر دمهم لا يساوي حتى الماء في الحرمة. أنا أرى بأن القضية تحولت إلى إلى إعتبار كل المسلمين “متهمين حتى تثبت برائتهم”. أنا أرى بأن ما يدعى بـ “حرية التعبير” أصبحت تستخدم لإهانة كل رمز وكل مبدأ وكل فكرة تمت إلى الإسلام بصلة. أنا أرى بأن هناك تعمداً لإهانة كل فرد يحمل أي صلة بالإسلام في كل سفارة للولايات المتحدة الأمريكية في العالم، وفي كل منفذ حدودي أمريكي، وعند كل رجل جوازات أمريكي، وعند كل رجل جمارك أمريكي، وعند كل رجل أمن أمريكي.
هذا كله لا علاقة له بمحاربة الإرهاب. ومن يعذرهم بأي عذر لأنهم يفعلون ذلك بنا لأن مجموعة صغيرة جداً قتلت منهم ثلاثة آلاف شخص بين أمريكي وغيرهم، فهم قتلوا منا حتى الآن عشرات الآلاف. ألا يكفي هذا؟!!
هذه هي القضية، ولا شيء غير تلك القضية.
فرناس