علينا دوماً أن نبحث في الإنسان قبل أن نبحث في الأحداث، فكما يكون الإنسان تكون الأحداث، وليس كما تكون الأحداث يكون الإنسان. إن الوطن أعز من أن يهدموا وحدته بدعاوى التعصب. وإن المستقبل يصنعه القلم لا السواك، والعمل لا الإعتزال، والعقل لا الدروشة، والمنطق لا الرصاص. والأهم من ذلك كله أن يدركوا حقيقة غائبة عنهم، وهي أنهم ليسوا وحدهم جماعة المسلمين. وليس هناك خطوط حمراء غير خطوط الدم الإنساني

حافظ الجمالي وفرج فودة

الكويت، حقيقة ً، بلد العجائب والمتناقضات

Filed under Uncategorized by فرناس on 03-11-2008

Tags : , , , , ,


في الكويت يوجد عندنا “مدعين” لكل شيء تقريباً. فيوجد عندنا، هنا في الكويت، الكثير الكثير من الوطنيين ومحبي الكويت والسياسيين والإقتصاديين والمتدينين والمُصلحين والأطباء والخبراء والليبراليين والعلمانيين والسلفيين والإخوان ومحبي آل البيت وأخيراً، وليس آخراً، المثقفين. كل هؤلاء يصنفون أنفسهم ضمن السياق الذي اختاروه من خلال وسيلة ما، إما من خلال الكلام والجدال والصراخ وتبادل الإتهامات والتخوين وإفتعال معارك طواحين الهواء، أو، إذا كانوا ذوي مال ومركز، من خلال مؤسسة أو مركز أو جمعية أو مكتب أو ديوانية أو “مكتبة”. لكن العامل المشترك بينهم هو دائماً واحد، فراغ المضمون. فلا السياق الفكري عند النقاش يوحي بصمود القناعة، ولا الأفعال عند المراقبة تعكس الإدعاء. كل شيء، تقريباً، يشي عنهم بعكس ما ادعوه.

 

الطامة دائماً تأتي أولاً من أصحابالثقافة“. لأنهم، من المفترض، أن ينظروا إلى المضمون قبل العنوان والشعار. لأن “العنوان” و الشعار لا يعكس في الحقيقة إلا “وسيلة دعائية” من نوع ما، أما المضمون فشيء مختلف تماماً. فكم من منادي بالحرية، حتى اكتشفنا لاحقـاً أن المضمون الذي نادى به كان إخراجنا من عبودية أمة استعمارية إلى عبودية شخص واحد من أبناء جلدتنا، ولنكتشف أن تلك الأمة الإستعمارية كانت أرحم وأشد انسانية من “حرية” هذا المنادي بها. وكم من منادي بالوحدة، حتى اكتشفنا لاحقـاً أن الوحدة التي يعنيها هي الوحدة على فهمه هو، وعلى مذهبه هو، وعلى طريقته هو، وعلى حكمه هو، وعلى دينه هو، وعلى عقله هو، وعلى منطقه هو، أما الآخرين المخالفين لـ “هو” فهم أعداء الوحدة الكافرين المشركين المبتدعين النواصب الرافضة الخائنين العملاء الجواسيس الطابور الخامس وإلى آخر تلك التصنيفات. المشكلة دائماً تبتدأ مع من يُفترض أنهممثقفينوالذين يُفترض بهم أن ينظروا إلى المضمون لا إلىعنوانأو شعار.

 

بالأمس قررت أن أدشن توزيع كتابي الأول “السلفية والعلمانية..إشكالات الرؤى والممارسة” على المكتبات. وبما أن محتوى الكتاب، في معظمه، يتطرق إلى مسألة تفوق الفكرة العلمانية والليبرالية ونقد الفكر السياسي السلفي ومفهوم التفسير، ضمن اطروحات أخرى ذات محتوى ليبرالي أو نقدي، اعتقدت أن أنسب مكان لعرضه هو المكتبات ذات نفس التوجه الليبرالي أو العلماني لسهولة “التفهم” والقبول لمحتوى الكتاب.

 

أليس هذا بديهياً في أي مكان؟!

 

الجواب: نعم، إلا عندنا في الكويت بلد المتناقضات.

 

قررت أن ابتدئ بمكتبة “قرطاس” ذات التوجه الغني عن التعريف. دخلت المكتبة، وخلال دقيقة واحدة شرحت للموظف ما أريده، أخذ الكتاب ودخل على “الجماعة” كما سماهم لي، وبعد “ثلاثين ثانية” فقط لا غير من دخوله وغيابه عن عيني، وهذا ليس على سبيل المبالغة، خرج وبيده نسخة الكتاب قائلاً لي “آسف، الجماعة يقولون الكتاب ليس ضمن توجه المكتبة“. ابتسمت، ثم أجبته “شكراً”، وأخذت الكتاب وخرجت. كل هذه العملية لم تأخذ أربع دقائق على أكثر تقدير من أول دخول المكتبة إلى خروجي منها. والذي حدث هو أن “الجماعة” رأوا العنوان “السلفية والعلمانية” فإعتقدوا أن المحتوى هو تغليب وجهة النظر السلفية على العلمانية من دون حتى أن يطلبوا وقتاً ليقلبوا صفحات الكتاب، لعل وعسى، أن العنوان ليس كما فهمت عقولهم…..”إمحق ثقافة“.

 

هؤلاء هم “جماعة” مكتبة قرطاس.

 

سخرية القدر، ومن المضحكات في بلدنا الكويت، أن هذا الكتاب ذو المحتوى العلماني الليبرالي، تبنته أول مكتبة ذهبت إليها بعد مكتبة قرطاس وهي تنتمي إلى المنهج “السلفي”. ذهبت إليها لأن فكرةبلد العجائب والمتناقضاتبرقت في ذهني. فإتجهت إلى مكتبات حولي، معقل المكتبات السلفية، ولتتبناه أول مكتبة دخلت إليها هناك وهي مكتبة ذات توجه سلفي قح حتى النخاع. فخلال ست أو سبع دقائق فقط لا غير، وافقت هذه المكتبة على عرض هذا الكتاب في مكتبتها وبرحابة صدر منقطعة النظير.

 

نحن بالتأكيد في بلد العجائب والمتناقضات والمضحكات. هذا مما أصبحت لا أشك فيه. 

أنصح الأخوة والأخوات ممن يرغبون بإقتناء نسخة أن يفعلوا ذلك بأسرع وقت قبل أن يقرر أصحاب المكتبة أن يقرأوا محتوى الكتاب.  

 

ولا يجب أن يفوتني تقديم الشكر والإمتنان للمكتبة وأصحابها والعاملين فيها.

 

 

فرناس

 

 

 

 

السلفية والعلمانية

إشكالات الرؤى والممارسة


مكتبة الـبـخـاري

حولي – شارع المثنى

خلف مجمع البرازيليا

حيث تتجمع المكتبات الإسلامية هناك 


 

 

 

 

 

   

 

  

 

هل لا تزالون أمة ً أمّية ؟

Filed under Uncategorized by فرناس on 22-12-2007

Tags :

 

تعتبر دلالات النصوص المقدسة إحدى أهم إشكاليات الخلاف المذهبي في أية عقيدة في هذا العالم. فتقريباً كل خلاف نشأ بين مذهب وآخر، إنما نشأ بسبب الخلاف على دلالات نص مقدس أو حتى وجوده من الأساس. فالنص المقدس يستدعي إما عقيدة أو عمل أو كلاهما، وبسبب هذه “العقيدة” أو ذلك “العمل” فإن الخلاف المذهبي، فيما عدى خيار “العقيدة” والذي لا يستدعي “العمل”، هو خلاف جوهري ظاهر للعيان، يستطيع المراقب أن يتلمسه بوضوح بسبب تلك الممارسات أو “الطقوس”. فـ “العمل” العقائدي هو صاحب الفضل الرئيس في طبع الإنطباع العام في أذهان الآخرين عن “نوعية” هذه العقيدة وما يستتبعها من تساؤلات عن “المعقولية” و “العدالة” و “البداهة” و “المُلائمة” وإلى آخر تلك الإنطباعات والتي تمر في ذهن المراقب ممن لا ينتمي إلى هذه العقيدة.

لا يختلف الدين الإسلامي، بمذاهبه المتعددة والمتصارعة، عن ذلك السياق المتنافر في إشكاليات دلالات النص المقدس. فنظرة سريعة لذلك الصراع السني-الشيعي (هو بالمناسبة صاحب أطول عمر للصراع المذهبي الدموي في العالم اليوم. فحسب علمي المتواضع فإن كل الصراعات المذهبية الدموية للعقائد والأديان الأخرى لا تملك عمراً يُقدر الآن بـ 1400 سنة بالتمام والكمال وإستخدمت فيها كل الوسائل الإجرامية، من جانب الطرفين، لتصفية ذلك الآخر المخالف) أقول: نظرة سريعة للصراع السني-الشيعي نجد أن دلالات النص المقدس يكون حاضراً بصفة بارزة عند الجانبين للتدليل على إدعاء إمتلاك “الحقيقة” عندهم. فبواسطة فهمهم الشخصي المذهبي لهذا النص المقدس موضوع الخلاف، يكون الإفتئات على الطرف الآخر مُبرراً عندهم بدعاوى المروق أو الإبتداع أو الكفر أو الخروج من الملة.

فـ “النص”، في مفهومه المحدد داخل الذهنية المذهبية، يمثل أعلى سلطة على الإطلاق من الممكن أن تمنح “الشرعية” لموقف ما، بغض النظر تماماً عن مدى معقولية هذا الموقف أو عدالته، من قضايا أو أفكار أو آراء أو توجهات تُمثل الطرف المناهض أو المختلف لذلك التوجه التقليدي الدارج والمتعارف عليه داخل الذهنية المذهبية.

بسبب هذا كله فإن محاولة فهم دلالة النصوص المقدسة ضمن سياقها في ظرفي الزمان والمكان التي تجلت فيه، وضمن دلالاتها اللغوية في عصرها التي قيلت فيه، وفي حدود القدرات والخصائص الإنسانية للأشخاص الذين سمعوها أول مرة ونقلوها لمن بعدهم، هو أمر بالغ الأهمية لأي شخص يسعى إلى بلورة قناعة ذاتية عن أمر متنازع فيه بين المذاهب أو، ولكن بدرجة أقل مصيرية، من قضية متفق عليها بين المذاهب لسبب أو لآخر. ومن هذا المنطلق سوف أسعى هنا للنظر في منطوق الحديث الشريف (صوموا لرؤيته وأفطروا لرؤيته) والذي يستخدمه مسلموا العالم اليوم بجميع طوائفهم كحجة دامغة في “وجوب” تعيين بدايات الأشهر القمرية، والتي تتعلق بعمل طقسي محدد كالصيام والحج، بواسطة “رؤية” العين المجردة مع تعمد غض النظر تماماً عن الحسابات الفلكية الحديثة ومدى دقتها.

الإنسان هو إبن ظروفه ومجتمعه ومحيطه، يتأثر بهم سلباً وإيجاباً، وتكون ردود أفعاله ومفاهيم أقواله هي إنعكاس لهذه العوامل بالضرورة. وإذا كان الإنبياء عليهم السلام هم مؤيدون في تبليغ رسالاتهم إلى الناس بالعصمة الإلهية، فإنهم فيما سوى التبليغ بشر يتأثرون بذلك المجتمع المحيط بهم وبظروفهم المتغيرة حولهم. فلو نظرنا مثلاً إلى قصة موسى عليه السلام نجد ذلك الأمر الهي له ولأخيه هارون (فقولا له قولاً ليناً) مراعاة للظرف المحيط بهما من حقيقة أن فرعون الذي قد أمرا بالذهاب إليه قد (طغى). وقد عكسا هذا الظرف المحيط بهما بقولهما (إننا نخاف أن يفرط علينا أو أن يطغى). وبما أن “الطغيان” لا يجب أن يقابله “طغيان” مضاد إبتداءاً وإنما محاولة جادة للإقناع باللين وتفنيد حجج طغيانه، جاء هذا الأمر مراعاة لذلك الظرف المحدد. بل حتى ذلك “الخروج” من مصر ما هو في الحقيقة إلا تكريساً لحقيقة أن الشعب اليهودي هو مهاجر أصلاً إلى مصر ولا يملك حق الإستيطان فيها، فإذا إعترض على سلوك معين تجاهه من جانب السكان الأصليين، فإن الحل يكمن في الخروج من هذه الديار والعودة إلى من حيث أتوا أو البحث عن مكان آخر. وإذا إنتقلنا إلى قصة عيسى عليه السلام كما وردت في الأناجيل الأربعة المعترف بها من جانب الكنيسة، نجد تلك الروح التي تصف علاقة الشعب الذي يعاني مرارة الإحتلال في مواجهة المحتل الروماني المهمين على الشؤون الدنيوية. من هذا المنطلق، ومراعاة للظرف المحيط بعيسى عليه السلام، نستطيع أن نفهم قوله (إعط ما لله لله، وما لقيصر لقيصر). بل حتى ذلك الحوار الذي تم بينه عليه السلام وبين الحاكم الروماني ما هو في الحقيقة إلا إنعكاس لتلك الظروف المحيطة به آنذاك، ظرف السيد المحتل المتعالي بجبروت قوته في مواجهة صاحب الأرض المغلوب على أمره والذي لا يملك القوة الكافية لرد عدوان المعتدي. أما محمد (ص)، وبمقارنة أولية بين أحداث الفترة المكية من حياته الشريفة مع أحداث الفترة المدنية، نجد أن الكثير من القرارات والأقوال ما هي في الحقيقة إلا إنعكاس لهذه الظروف المتغيرة التي أحاطت به (ص)، وإذا تم عزل الظرف المحيط بقوله أو فعله (ص) صعب علينا فهم دلالة الفعل أو القول. بل حتى أن هناك من آيات القرآن الكريم لم تتنزل عليه (ص) إلا كردة فعل لموقف معين كآيات العتاب مثلاً أو قصة الأفك أو لمهاجمة شخص محدد بسبب أن هذا الشخص قد ساعد في تكوين “ظروف” غير ملائمة للدعوة، وهذا ما نراه واضحاً في سورة “المسد” مثلاً.

إذا فهمنا هذا، عرفنا بأن الأنبياء عليهم السلام، فيما عدى قضية التبليغ عن ربهم جل شأنه، هم متأثرون بظروفهم المتغيرة حولهم. فلو تسائلنا، مثلاً، عن فيما لو لم يكن فرعون طاغياً أو كان ضعيفاً مغلوباً على أمره، هل سوف يكون إسلوب موسى عليه السلام هو القول اللين؟

أو إذا لم تكن القدس كانت ترزح تحت الإحتلال الروماني في وقت بعثة السيد المسيح عليه السلام، هل سوف نشاهد تلك الروح التي عكستها الأناجيل الأربعة، أو حتى نقرأ قوله في إعطاء ما لله لله وما لقيصر لقيصر؟

وإذا كان النبي محمد (ص) قد عاش في مجتمع متسامح دينياً ويقبل بتبادل الأفكار الجديدة من دون أية حساسيات فكرية أو عقائدية، هل سيرته الشريفة أو أقواله سوف تكون مشابهة لما نقرأه الآن؟

الجواب لا بد وأن يكون بالنفي. كذلك هو منطق الأمور السليم.

كان النبي (ص) محاطاً بمجتمع أمي، لا يحسب ولا يقرأ. ولذلك أتى قوله الشريف في وصف أمته آنذاك (نحن أمة أمية، لا نحسب ولا نقرأ). هذا الوصف لأمته، كما هو بديهي وواضح، هو في حال المسلمين الأوائل المحيطين بشخصه الشريف، وإن كان فيهم بالطبع من يستطيع الكتابة والحساب بلا شك ولكنه من باب وصف الحال الغالب على أمته بحيث لا يعتد بتلك الأقلية في رفع تلك الصفة عن أمته. هؤلاء هم العرب الأوائل الذين دخلوا الإسلام. بل الحقيقة هي أن الجزيرة العربية، وخصوصاً بين القبائل الوثنية، هم من الأميين لا يقرأون ولا يحسبون، وماذا يفعلون بالقراءة والحساب أصلاً؟

فالتراث الشفهي عند هؤلاء من شعر أو قصص أو مآثر لا يستدعي الكتابة وإنما كان ينتقل شفاهة من شخص لآخر. ولا يوجد تراث مذهبي أو عقائدي لمن يسجد لوثن أو صنم أو شجرة يستدعي فقهاً معقداً بحيث يستلزم التسجيل والحفظ. والثروة من وجهة نظر هؤلاء تتلخص في الأنعام وعددها كثرة أو قلة على الأغلب الأعم. ولو إعترض أحدهم بقوله: “ألا تعني كثرة وقلة بأن هذا حساب؟”، نقول له: وهل تعتقد بأن النبي (ص) كان غائباً عن باله هذا وهو يقول قوله ذلك في صفتهم؟! إنما الحساب الذي يقصده النبي (ص) هو الذي يتعدى حساب الجمع أو الطرح البديهي والذي يحتاجه أي إنسان مهما بلغت درجة بدائيته في تصريف شؤون حياته.

إذن، تلك الأمة الأمية والتي لا تحسب ولا تكتب، تحتاج في تصريف أمورها العقائدية، وكما أتى بها الإسلام الجديد آنذاك، إلى آلية بسيطة وغير معقدة مراعاة لظرفهم هذا. وبسبب ظرف أميتهم الحسابية في مسألة التقويم وحسابات الفلك لتحديد الشهور القمرية جاء قول النبي (ص) لهؤلاء: (صوموا لرؤيته وافطروا لرؤيته).

لن يحتاج هؤلاء، بظرفهم ذاك، إلا إلى الرؤية والتي لا تحتاج إلى أية موهبة في فن الحساب أو الكتابة ليمارسوا طقوسهم التعبدية. فقول النبي (ص) ذاك ما هو في الحقيقة إلا مراعاة لظرف غالب على أتباعه (ص) في زمنه. ولو تسائلنا الآن، وكما فعلنا أعلاه، لو لم تكن أمته (ص) في زمنه وقت حياته الشريفة أمة لا تحسب ولا تكتب، هل سوف يقول لهم ما قال؟

إذا تغيرت الظروف، لا بد أن تتغير الأحكام معها. سيرته الشريفة (ص) تقول لنا ذلك. ولا وجه أن نُبقي على حكم كان موجه أصلاً لتلبية حاجة مجموعة محددة ذات ظرف معين مضى عليها 1400 سنة. هؤلاء الناس لا وجود لهم الآن، وهذا “الحكم” الذي أتى ليحل إشكالية هذه المجموعة لم يعد يلبي حاجة هذا المجموع بظروفه المعاصرة ولا شك.

إن الحساب الفلكي لتقرير بداية الشهور القمرية أصبح ضرورة ملحة لا مجال لإنكارها أو القفز عليها. بل إن محاولة الإفتئات على هذه البديهة أصبح مجالاً للتندر والسخرية حتى بين المسلمين أنفسهم، فما بالكم بالمراقبين لشؤنهم من بعيد.

منذ أيام نشر الباحث الفلكي عادل السعدون بياناً بسبب إعلان المملكة العربية السعودية جعل يوم 29 ذي القعدة هو غرة ذي الحجة جاء في أحد فقراته متسائلاً:

“عن حق من يدعي انه رأى الهلال في هذه الليلة، واي عاقل يصدق ما يراه، [وأضاف] قائلاً “حدّث العاقل بما لا يعقل فان صدق فلا عقل له”. وكيف تقتنع أي جهة رسمية بهذا التصرف المنافي لاي حقيقة علمية، وهل هنالك قدسية لمن يدعي رؤية الهلال، وهل وصل بنا الأمر إلى أن نرى الخطأ ونسكت عنه. وإلى متى يستمر هذا المسلسل الذي يجعل منا اضحوكة أمام الأمم الأخرى“. للخبر كاملاً، رجاءً إضغط هنا.

ولا يزال السؤال موجه إلى أمة الإسلام: هل لا تزالون أمة ً أمية؟!
 

فرناس

فكرة (جاهلية المجتمع) كمنطلق للتطرف

Filed under Uncategorized by فرناس on 11-12-2007

Tags : ,

 

يُعتبر التطرف الإسلامي بشقيه السني (القاعدة مثلاً) والشيعي (المليشيات الشيعية في العراق كمثال) أحد أهم الإشكاليات العالمية اليوم. هي إشكالية عالمية لأنها لم تعد محصورة ضمن إطار دول معينة تحتضن هذه الأطياف كمواطنين أصليين يكوّنون جزءاً هاماً من النسيج الإجتماعي فيها، ولكن بسبب أن هذا “التطرف” أصبح أكثر من “فكرة” مطروحة في المجتمعات الغربية والشرقية. هو تعدى مرحلة “الفكرة” إلى مرحلة “العمل” والذي ينتج عنه ضحايا مدنيين أبرياء يسقطون قتلى أو جرحى لا لشيء، في أغلب الأحيان، إلا لأنه تصادف وجودهم في هذا المكان بالذات في الوقت الخطأ. هذه “الفكرة” هي من تحتاج إلى دراسة وتمحيص حتى نفهم حاجة هؤلاء إلى “العمل” وبهذه الصورة.

أحد أهم الأسئلة والتي تُطرح دائماً ضمن حوارات متعددة حول هذا هو: هل كانت أفكار سيد قطب بداية التشكيل و التكوين للقاعدة؟

في الحقيقة هذا سؤال مهم، ويضع على طاولة النقاش أحد الأفكار الرئيسية للفكر المتطرف، وبالإضافة إلى ذلك فإنه من الممكن الإستدلال عليها بطرق شتى من الأدبيات المنشورة لهذا الفكر المتطرف. والإجابة قد تكون غير محصورة بجماعة القاعدة بالتحديد ولكن بحركات أخرى إتبعت نفس النهج المعادي لفكرة الدولة المدنية ومؤسساتها.

إن أبرز أفكار سيد قطب هو ما يُعرف بـ “جاهلية المجتمع”. وهي دعوى خطيرة جداً من ناحية عقائدية إذا ما تم “تفعيل” هذا الفكر على أرض الواقع. هذه الفكرة جاءت مركزة في كتاب سيد قطب “معالم على الطريق”، وهو يُعتبر المرجع الرئيسي لأفكار التيار الإسلامي المتطرف أياً كانت توجهاته السلفية. تتلخص هذه الفكرة كما شرحها سيد قطب كالآتي:

“إن العالم يعيش اليوم كله في “جاهلية” من ناحية الأصل الذي تنبثق منه مقومات الحياة وانظمتها. جاهلية لا تخفف منها شيئاً هذه التيسيرات المادية الهائلة، وهذا الإبداع المادي الفائق. هذه الجاهلية تقوم على أساس الإعتداء على سلطان الله في الأرض وعلى أخص خصائص الإلوهية، وهي الحاكمية. إنها تسند الحاكمية إلى البشر وتجعل بعضهم لبعض أرباباً (…….) فالناس في كل نظام غير النظام الإسلامي يعبد بعضهم بعضاً في صورة من الصور“. ص 8

ويقول:

“ولكن ما هو المجتمع الجاهلي؟

(…) المجتمع الجاهلي هو كل مجتمع غير المجتمع المسلم. وإذا أردنا التحديد الموضوعي قلنا: أنه هو كل مجتمع لا يخلص عبوديته لله وحده متمثلة هذه العبودية في التصور الإعتقادي وفي الشعائر التعبدية وفي الشرائع القانونية. وبهذا التعريف الموضوعي تدخل في إطار المجتمع “المجتمع الجاهلي” جميع المجتمعات القائمة اليوم في الأرض فعلاً“. ص 88 - 89

ويقول: “وأخيراً يدخل في اطار المجتمع الجاهلي تلك المجتمعات التي تزعم لنفسها أنها “مسلمة”“. ص 91

ثم يستنتج سيد قطب ما يلي: “إن موقف الإسلام من هذه المجتمعات الجاهلية كلها يتحدد في عبارة واحدة: أنه يرفض الإعتراف بإسلامية هذه المجتمعات كلها“. ص 93

فكرة جاهلية المجتمع هذه كانت، ولا تزال، هي الفكرة الرئيسية وراء مصطلح “الصحوة” بشقيها المعتدل والمتطرف. فإذا أخذنا الشق السلفي المتطرف فإننا نجد هذه الفكرة بارزة بروزاً واضحاً لدى هذا الفكر. ولنأخذ مثالاً على ذلك.

جهيمان بن محمد بن سيف العتيبي، هو الرجل الذي تحصن في داخل المسجد الحرام بمكة في غرة محرم سنة 1400 هـ (نوفمبر 1979) ودعا إلى مبايعة محمد بن عبدالله القحطاني على أنه المهدي المنتظر. وقبل أن يقفز أحدهم ليتهم جهيمان بأنه شيعي، فإني أقول بأن جهيمان ينتمي إلى حركة “الإخوان” السلفية المتطرفة والتي إستخدمها عبد العزيز بن سعود، أول ملوك السعودية في دولتهم الثانية، لتوطيد أركان حكمه هناك ثم حاربهم في معركة السبلة (السبيلة)، بعد أن بدأت ملامح معارضتهم لحكمه هناك بالبروز، فقتل بعضهم وتفرّق الباقي في “هجر” السعودية المختلفة بعد أن استخدم فقهاء الدولة لتسميتهم بالخوارج.

في رسائل جهيمان، والتي أملك نسخة منها، جاء ما يلي:

“وأما المسلمون اليوم حينما عاشوا على تقليد آبائهم ومشايخهم من دون علم وبينة وجدتهم لا يرفعون بالسنة رأساً. ولجهل الكثير منهم بربه وجدته لا يرفع بدين الله كله رأساً لأنها جاهلية متوارثة، فالله المستعان”. [رسالة التوحيد، تفسير سورة طه، ص 115]

كما يدعو جهيمان إلى ترك العمل بالشرطة (ص 84).

ويدعو إلى الإبتعاد (وليس التحريم) عن الوظائف العامة وحجته في ذلك: “أن مخالطة الناس لابد فيها من إنكار المنكر، فإن سكتّ وأنت تستطيع أن تنكر بلسانك فسكوتك منكر لا يجوز لك، وهذا يستلزم منك عدم حضور المنكر لئلا تراه وتسكت عنه فتقع في منكر وهو السكوت”. [رسالة الإمارة والبيعة والطاعة، ص 94]

وهذا كله يقوده إلى فكرة هجرة المجتمع:

“وهنا نعرف أن الله عاتبهم على بقائهم في القرية الظالم أهلها ولم يهاجروا لسلامة دينهم (…..) أما من يستطيع [أي هجرة المجتمع الجاهلي. فرناس] فلا [أي لا يعذرهم الله. فرناس] ولو كان كما يقول بعض الناس “مجبور” و “غصب علينا” ونحو ذلك، فإتقوا الله يا عباد الله واثبتوا”. [رسالة الميزان لحياة الإنسان، الموقف الصحيح في بيان الحق الصريح، ص 188]

إذن من الواضح أن الفكر السلفي المتطرف قد تأثر تأثراً واضحاً بالفكرة المحورية لسيد قطب. بل الأدهى أن من كان يُحسب على الإخوان المسلمين قد تأثر بدوره بأفكار جهيمان العتيبي، فقد نقل الدكتور عبدالله النفيسي في كتابه “عندما يحكم الإسلام” [الناشر: طه، لندن، مارس 1982] إقتباس من رسائل جهيمان (رسالة الإمارة والبيعة والطاعة) في إطار التدليل على رأيه ببطلان الحكم الوراثي، وهذا يعني إطلاعه على محتوى الرسائل والقناعة المتجذرة، على الأقل ببعض، الأفكار المتطرفة للتيار السلفي المتشدد والمتأثر بطروحات سيد قطب. كما تجدر الإشارة بأن خالد الإسلامبولي، قاتل الرئيس المصري أنور السادات، كان يمتلك نسخة من رسائل جهيمان ضمن أوراقه التي عُثر عليها عند تفتيش منزله.

الخلاصة من كل هذا أن الفكر السلفي المتطرف، سواء أكان تحت راية القاعدة أو غيرها، قد تأثر بأفكار سيد قطب بل وسعى إلى تطبيقها على أرض الواقع وكما ورد في كتاباتهم وأدبياتهم.
 

فرناس

أدناه هو فيديو لجهيمان بن محمد بن سيف العتيبي بعد القبض عليه من جانب السلطات السعودية، وقد أعدم لاحقـاً قصاصاً بقطع الرقبة. أما التعليق الموجود بالفيديو هو تعليق التلفزيون الرسمي السعودي.

التعصب المذهبي كمدخل لتزوير التاريخ

Filed under Uncategorized by فرناس on 06-12-2007

Tags :

 

يعتبر السياق التاريخي لأي أمة هو المخزون الثقافي والإنساني لها والذي تستخلص منه الأسس المرجعية لتَبَني رأي أو فعل معين. ولذلك فإن “التاريخ”، كمجموعة من الحوادث المتسلسلة مع مواقف أشخاصها وآرائهم، يعتبر رافداً أساسياً لكل ثقافة أو حضارة على هذه البسيطة. إنه العمق الإنساني على هذه الأرض بكل ضعفها وقوتها، بكل مصالحها وتناقضاتها، بكل بؤسها ووحشيتها، وبكل إشراقها وتعاليها.

ولكن “التاريخ” كمصطلح يصبح أكثر خطورة وأعظم أهمية إذا ما إقترن بعقيدة ما تحاول أن تفتئت على من سواها بإدعاءها الحق والحقيقة. هذا التاريخ يجب، من وجهة نظر أصحاب هذه العقيدة، أن يعكس تماماً هذه العقيدة المتعالية بكل قيمها. ولذلك فإن أصحاب هذه العقائد يسعون جاهدين في محاولة “إلغاء” أي نص يتعارض مع هذه المفاهيم. محاولة الـ “إلغاء” هذه تأخذ صوراً عديدة ولكنها تلتقي في النهاية على هدف واحد وهوتزوير التاريخ“.

إشكالية “التزوير” هذه أنها دائماً أبداً تصطدم بـ “الآخر” المعارض والذي “يكتب” أو “ينقد” أو “يقارن” ليفضح هذه المحاولات، إما من دون قصد كمحاولات التدوين للتاريخ بمعزل عن ظروف الزمان والمكان وعاطفية العقيدة والتي تحيط بمن يحاول “التزوير” أو بقصد بسبب عقيدة مناهضة أخرى. وبسبب هذا التعارض بين من يمارس التزوير وبين من يفضحه بقصد أو من دونه، وبسبب من يمارس “النقد” و “المقارنة” في نصوصه، فإن عمليات التزوير تكون دائماً أبداً كالحلقة الضعيفة والتي تحتاج لمن يساندها ويدافع عنها فهي لا تصمد أمام التحليل وتغير الزمان والمكان. ولذلك فإن أفضل الحلول لهؤلاء المزورين أن يلجأوا للعقيدة والإيمان لرفض الواقع والحقيقة.

يتميز الدين الإسلامي بمذاهب متعددة. هذه المذاهب هي مقسمة أيضاً إلى فرق وعقائد مختلفة كثيرة. ما يميز هذه المذاهب كلها هي إجتماعها وإتفاقها على “شرعية تزوير التاريخ” إذا ما كان هذا في صالح معتقدهم. هذا “الكذب” على المستوى التاريخي المعرفي نراه بارزاً بروزاً جلياً في المذهبين الشيعي والسني. فالمهم عندهم ليست “الحقيقة” كما هي، بل المهم هو تحوير الحقائق لتناسب العقائد كما يريدونها أن تكون. ولذلك فإن المعيار في معرفة الحقيقة التاريخية عندهم ليس “الحدث” كما كان وكما جاء متسلسلاً، ولكن المعيار هو مدى توافقه مع ما يعتقدون. أي ببساطة، فإن النتيجة المحددة سلفاً يجب أن تسبق الحدث ودلالاته، فإن خالف الحدث تلك النتيجة المحددة سلفاً فإما يلجأون إلى التفسير والتأويل لنفي تعارض الحدث ودلالاته أو أن يردونه تماماً على أنه “لم يحدث”.

هذا التزوير في دلالات الأحداث سوف يسقط في النهاية لا محالة لأنه، ببساطة، كذب. إنها محاولة غير عقلانية لفرض متناقضات على أنها حقائق. وبما أنها كذلك فإن من يقبلها محتاج إلى عنصر “الإيمان المطلق” بهذه العقائد من قبل التعرض لهذه الحوادث المزورة وإلا فإنه سوف يبدأ بالتساؤل والبحث والتنقيب. فإذا بدأ، سقط قناع التزوير مباشرة وبانت الحقائق جلية ساطعة.

تتبدى محاولات التزوير في الفكر الإسلامي وتاريخه جلية واضحة في تعمد السكوت عن ما دار بين الصحابة من الخلاف والتنافر. هذا الخلاف والذي تعدى السباب والشتائم إلى الحروب وسفك الدماء، ترجعه التوجهات السلفية على وجه الخصوص على أنه “إجتهاد” بينهم وكلهم مأجور. هذا “الأجر” على سفك دماء المسلمين معهم لا يحلونه طبعاً لأي شخص آخر بعد الصحابة. هذا الخلاف الكثير جداً والذي بلغ ذروته بتحريض بعض الصحابة والصحابيات على خليفتهم الثالث عثمان حتى إنتهى مقتولاً في داره وبين نساءه، ثم معركتي الجمل والصفين، ثم قصة الحكمين، ثم قتل علي، وأخيراً إفتئات الطلقاء وأبناؤهم متمثلاً في تملك معاوية ومن بعده إبنه يزيد على باقي المسلمين ذوي الفضل والسابقة على خلافة المسلمين، هذا الخلاف كان من التنوع الشديد بحيث يستحيل معه، إذا تم نقل النصوص التاريخية كاملة، أن يتم تزوير التاريخ لصالح “العقيدة” إلا إذا تم منع نقل هذه النصوص من الأساس. فإذا فهمنا هذا، فهمنا قول إبن تيمية: “لا يجوز لأحد ان يذكر شيئا من مساويهم ولا يطعن على احد منهم بعيب ولا نقص”، وعن المسلمين يقول: “يمسكون عما شجر بين الصحابة”.

هذا السكوت المريب عن نقل حوادث التاريخ هو عين التزوير وأساسه. هي المحاولة لتغيير الواقع عما كان عليه إلى رسم صورة خيالية أشبه ما تكون بلوحة سريالية لا تستفيد منها واقعاً ولكن كذباً يحاكي العاطفة ويدلس عليك قناعاتك. هذا التوجه العلني للسكوت عن الحوادث أو تغيير بعض الكلمات أو الإنتقائية في النقل نجده متناثراً في الأدبيات الإسلامية في كل مكان:

قال إبن بطة: ومن بعد ذلك نكف عما شجر بين أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم فقد شهدوا المشاهد معه، وسبقوا الناس بالفضل فقد غفر الله لهم وأمرك بالإستغفار لهم والتقرب إليه بمحبتهم (…………) ولا تنظر في كتاب صفين والجمل ووقعة الدار وسائر المنازعات التي جرت بينهم، ولا تكتبه لنفسك ولا لغيرك ولا تروه عن أحد، ولا تقرأه على غيرك، ولا تسمعه ممن يرويه، فعلى ذلك اتفق سادات علماء هذه الأمة من النهي عما وصفناه، منهم حماد بن زيد ويونس بن عبيد وسفيان الثوري وسفيان بن عيينة وعبدالله بن إدريس ومالك بن أنس وابن أبي ذئب وابن المنكدر وابن المبارك وشعيب بن حرب وأبو إسحاق الفزاري ويوسف بن أسباط وأحمد بن حنبل وبشر بن الحارث وعبدالوهاب الوراق، كل هؤلاء قد رأوا النهي عنها والنظر فيها والاستماع إليها وحذروا من طلبها والاهتمام بجمعها .

ويقول الإمام الذهبي في سيره: “كما تقرر الكف عن كثير مما تشجر بينهم وقتالهم رضي الله عنهم أجمعين، وما زال يمر بنا ذلك في الدواوين والكتب والأجزاء ولكن أكثر ذلك منقطع وضعيف وبعضه كذب (……) فينبغي طيه وإخفاءه بل إعدامه لتصفوا القلوب وتتوفر على حب الصحابة والترضي عنهم وكتمان ذلك متعين عن العامة وآحاد العلماء”.

الغريب هنا أن الذهبي ممن يأخذ أحاديث الآحاد في أمور كثيرة تتعلق بالدين الإسلامي والضعيف في رجاله ومناقبهم. ثم هو لا يبين أصلاً ما هو الصحيح من الكذب لأن الإصرار على طيه وإخفاءه هو المبدأ.

وغير هذا كثير. بل الأمر تعدى إلى أنه عندما سجل أحد الدعاة الكويتيين، طارق سويدان، مجموعة من الأشرطة تتعلق بالحوادث التي نشبت بين الصحابة، كانت فتوى الشيخ إبن عثيمين في هذه الأشرطة: “لا يجوز نشر مثل هذه الأشرطة ولا الإستماع اليها”.

ولكن، وكما ذكرت أعلاه، بأن محاولات التزوير تكون دائماً أبداً مفضوحة ولا تصمد أمام التحليل وتغير الزمان والمكان، فإن هذه الروايات تجد طريقها دائماً إلى مصادر لا يمكن كتمانها أو الغائها، فيكون الحل دائماً بأن يكون تفسيرها مجانباً لأبسط قواعد المنطق السليم. جاء في صحيح مسلم ما يلي:

” عن عبد الرحمن بن عبد رب الكعبة قال : دخلت المسجد فإذا عبد الله بن عمرو بن العاص جالس في ظل الكعبة والناس مجتمعون عليه فأتيتهم فجلست اليه (….) فقلت له: هذا إبن عمك معاوية يأمرنا أن نأكل أموالنا بيننا بالباطل ونقتل بعضنا بعضاً والله تعالى يقول: (يا أيها الذين أمنوا لا تأكلوا أموالكم بينكم بالباطل ألا أن تكون تجارة عن تراض منكم ولا تقتلوا أنفسكم أن الله كان بكم رحيما). قال: فسكت ساعة ثم قال: أطعه في طاعة الله وأعصه في معصيته”.

قال النووي في شرحه هذا الحديث:

” فإعتقدَ هذا القائل هذا الوصف في معاوية لمنازعته علياً رضي الله عنه، وكانت قد سبقت بيعة علي، فرأى هذا أن نفقة معاوية على أجناده وأتباعه في حرب علي ومنازعته ومقاتلته إياه من أكل المال بالباطل ومن قتل النفس لأنه قتال بغير حق فلا يستحق أحد مالاً في مقاتلته”

هذا التبرير، هروباً من نص واضح في إدانة معاوية، يمثل أقصى أنواع التزوير في الذهنية الإسلامية. فإن هذا الرجل كان يسأل عبدالله بن عمرو بن العاص وكان مع أبيه في صفين، وهذا الرجل سأل عبدالله وهو في مكة أي بعد إستتباب الأمر لمعاوية ومقتل علي، وسأله بصيغة “يأمرنا” أي بصيغة “المضارع” و “نقتل”، أي يفيد الإستمرار، فلو كان أراد ما حدث مع علي لإستخدم صيغة الماضي أو لقال “قد أمرنا” و “قتلنا”، هذا بالإضافة إلى أن عبدالله بن عمرو لم يعترض على سؤال الرجل ويبين له أن قوله باطل، بل قد سكت عن جزئية أكل الأموال بالباطل وقتل النفس ولكن أفتاه بأن يطيعه في طاعة الله ويعصيه إذا عصاه. كل هذا لم يبدو مؤثراً في محاولة التزوير تلك إذا كان ذلك لمصلحة عقيدة أو مذهب.

كان ذاك زمان التزوير، أما اليوم فزمان الحقيقة. وفيما عدى النبي (ص) لا قدسية لأحد أمام الحقيقة كائناً من كان وإن كره المدلسون.
 

فرناس

إشكالية ما يسمى بالحرب على الإرهاب

Filed under Uncategorized by فرناس on 20-09-2007

Tags : ,

 

في الحادي عشر من سبتمبر سنة 2001 قامت مجموعة من السلفيين المتطرفيين بإختطاف مجموعة من الطائرات الأمريكية ومن ثم الدخول بها في مركز التجارة العالمي في نيويورك ومبنى وزارة الدفاع الأمريكي في واشنطن. أسفر هذا الهجوم الإرهابي عن مقتل ما يقارب الثلاثة آلاف شخص من الأمريكيين وغيرهم من الجنسيات. وبهذا الهجوم دشنت الولايات المتحدة الأمريكية ما يُعرف بـ “الحرب على الإرهاب”. وتحت مظلة هذا الشعار هاجمت الولايات المتحدة الأمريكية وإحتلت أفغانستان والعراق، أقامت معتقلات غير قانونية ومخالفة للقوانين والإتفاقيات الدولية، مارست التعذيب، مارست المعاملات الحاطة من الكرامة أو المهينة ويُشْتم منها رائحة التمييز العنصري، أتُهمت في حيادية ونزاهة القضاء العسكري الأمريكي، تدخلت في الشؤون الداخلية لدول عربية وإسلامية من المحيط إلى المحيط، تبنت الغطاء الإعلامي والسياسي لتطويل أمد حروب ومجازر إرتكبت بحق المسلمين من أطراف متعددة منها الكيان الصهيوني البربري، ومارست ضغوط متعددة المحاور على الدولة العربية والإسلامية لصالح إما أفكار ثيولوجية أو إمبريالية أو أديولوجية، أو لصالح تركيز وتثبيت كيانات همجية عنصرية كالكيان الصهيوني البربري.

خلال كل هذه الممارسات برزت توجهات متعددة داخل المجتمعات العربية والإسلامية تبرر للولايات المتحدة الأمريكية تصرفاتها تلك تحت دعاوى مختلفة. أهمهما بأن الولايات المتحدة الأمريكية لم تتصرف هكذا إلا بعد أن تعرضت لهجوم على أرضها وتم قتل مواطنيها بطريقة إرهابية بشعة، وأن من حقها الدفاع عن أمنها ومصالحها، وأن النظرة التي تقتصر على متابعة التصرفات الأمريكية فقط هي نظرة قاصرة لأنها لا ترى الصورة الكلية والمستقبلية للوضع الخطير والذي يمكن أن تقودنا لها تلك الأيديولوجية السلفية المتطرفة.

في البداية يجب أن أسلم لهم بأن أي نظرة تحليلية لأمر ما يجب أن تأخذ البعد الشمولي للقضية موضوع التحليل. هذا صحيح بلا خلاف. فأي محاولة تحليلية لأي وضع سياسي، وخصوصاً إذا كان وضعاً عالمياً كالذي نراه في ما يسمى بالحرب على الإرهاب، يجب أن يأخذ مستويات عدة في التحليل حتى يقترب من الفهم الشامل للقضية. وكذلك تصرفات الولايات المتحدة الأمريكية في هذه المسألة بالذات.

لننظر أولاً إلى الوضع الداخلي الأمريكي قبل هجمات سبتمبر. هناك توجه أو رأي لدى البعض بأن الولايات المتحدة لا تستطيع أن تبقى “متحدة” من دون وجود خطر أو تهديد خارجي يبقيها متحدة داخلياً في مواجهة هذا الخطر. التاريخ الحديث لهذه الدولة يعطي الدليل لمن يتبنى هذا الرأي. ولذلك، وإذا إفترضنا وجاهة هذا الرأي (وأنا في رأيي المتواضع هو وجيه)، فإن الولايات المتحدة كانت، بوعي أو من دون وعي، في حالة بحث عن ذلك العدو الخارجي من بعد سقوط وتفتت الإتحاد السوفيتي السابق ومحاولة بعض دوله المستقلة حديثاً الإنظمام لحلف الناتو. هجمات سبتمبر أعطت للولايات المتحدة هذا العدو الجديد. هذا واضح من دون شك. وما سبق هجمات سبتمبر من أعمال إرهابية مثل مهاجمة السفارات الأمريكية في الدولة الأفريقية ومحاولات فردية لتفجير مواقف السيارات داخل مبنى التجارة العالمي كانت توحي للمتابع بأنها نتيجة عمل جماعات ذات قدرة محدودة في التخطيط والتنفيذ. وأنا أعلم مسبقاً بأن البعض سوف يعترض بأن تفجير السفارات الأمريكية في بعض الدول الأفريقية كانت ولا شك توحي بتنظيم ذو قدرة وتنظيم وتمويل ما، ولكن الحقيقة أن تلك القدرة والتنظيم لم تكن بمستوى دولة عظمى أن تتخذها عدوة على نطاق واسع وبحيث تسوق الرأي العام الداخلي بقوة خلف سياسييها. هذا واضح.

إذن السياق العام للحالة الأمريكية فيما بعد سقوط الإتحاد الأمريكي وقبل هجمات سبتمبر كان في حالة البحث تلك، وإذا أضفنا إلى ذلك حقيقة وجود الديموقراطيين في رئاسة الولايات المتحدة (إدارة كلنتون) ومحاولة التركيز على الوضع الإقتصادي الداخلي ومشاريع السلام في الشرق الأوسط والإستنكاف الواضح عن تبني سياسات من شأنها زيادة التوتر في منابع النفط (سياسات الديموقراطيين تجاه العراق كمثال. لاحظ هنا أن بوش الأب قد خسر الإنتخابات الرئاسية لصالح كلنتون مع خروجه منتصراً من حرب العراق بسبب الوضع الإقتصادي الداخلي، ولاحظ أيضاً أن من أساسيات وجود “عدو” خارجي أن لا يكون مهزوماً كالعراق، فمتى هزمت عدوك لم يعد ذو خطر محدق على مصالحك)، إذا جمعنا كل هذا مع حقيقة أن الوضع الإقتصادي كان مريحاً جداً للأمريكيين قبل هجمات سبتمبر مباشرة، أصبح لدينا حالة تأهب كاملة للأمريكيين لكي يتبنوا “خطراً خارجياً” قادماً لا محالة إليهم. كان ذلك هو “الإسلام”. وأقول “الإسلام” لأنه، وللأسف، أصبح في ذهن الرجل الأمريكي والأروبي العادي، في الأغلب الأعم، ذلك التمازج والتلازم بين الإسلام كدين وبين الأرهاب والعمليات الإنتحارية والتي تقوم بها شرذمة ذات فكر سلفي متطرف.

الإعتراض هنا قد يكون بأن الأمريكيين إنما إستهدفوا القاعدة وأفرادها. ولكن هذا الرأي مردود وعلى عدة محاور. لأن لجان حقوق الإنسان ولجان الأقليات وغيرها من الجمعيات التي تراقب الشأن الداخلي والخارجي الأمريكي هي مشغولة ولاشك بالكثير الكثير من قصص إنتهاكات حقوق الإنسان للمسلمين في أمريكا وأروبا. هذا بالإضافة إلى سياسات أمريكية واضحة لا لبس فيها للتدخل في شأن الإسلام كفقه وكمنهج وكتعليم…الخ.

هذه الحالة من “العداء” لفكرة “الإسلام” بدلاً من التركيز المباشر والتأكيد المتكرر وعلى مستويات عدة بأن “العداء” يجب أن يتركز على فئة قليلة جداً تتبنى فكراً شاذاً ومتطرفاً يدعي الإسلام أوجدت ردود أفعال على مستويات عديدة ومنها بريطانيون وأمريكيون وأروبيون بالولادة والمنشأ، ولكنهم مسلمين، ليقوموا بأعمال إرهابية ضد دولهم. ومراجعة سريعة لأفلام الفيديو والتي صورها من قام بتفجيرات محطات القطار والباصات في المملكة المتحدة مؤخراً ليدلوا بوصيتهم وأسباب قيامهم بتلك التفجيرات الإرهابية، وهم مسلمون بريطانيون بالولادة والمنشأ والجنسية ولكنهم ذوي أصول باكستانية، سوف تعطيك الدليل ومن أقوالهم هم. إن أخطر ما يمكن أن تقوم به دولة ما هو أن تجعل جزءاً من شعبها يشعر بالإغتراب في وطنه. وهذا ما وقعت به الكويت من خطأ جسيم عندما مارست سياسة التغريب ضد الشيعة الكويتيين في الثمانينات لصالح العراق. وهذا الخطأ هو ما تكرره الآن الولايات المتحدة وحلفائها الأروبيون.

وحتى يتم التدليل على سياسة التغريب هذه وخطورتها على النسيج العام لأي مجتمع يمارس هذا النوع من المنهج لننظر إلى ما يمكن أن نطلق عليه عمليات إرهابية خلال الخمس وعشرين سنة الماضية. في إعتقادي الشخصي، يجب أن نفرق بين فترتين من الزمان بينهما تباين شديد. الفترة الأولى هي ما قبل هجمات سبتمبر والفترة الثانية هي هجمات سبتمبر وما بعدها. بالطبع أن لا أقول بأن هاتين الفترتين بينهما قطيعة كاملة ولكن أقول بأنهما ذات تباين في نوعية العمليات الإرهابية والخطاب الإرهابي.

في الفترة الأولى، فترة ما قبل هجمات سبتمبر، كانت العمليات الإرهابية موجهة بصفة أساسية إلى المصالح الحيوية للقوى الإمبريالية، أو على الأقل ما يراها هؤلاء على إنها قوى إمبريالية، وهي معزولة بقدر كبير عن إستهداف المدنيين كوسيلة للقتل العشوائي أو المنشئات المدنية. كان المدنيين كوسيلة للضغط، بعيداً عن القتل الجماعي والعشوائي، على القوى السياسية العظمى لتنفيذ مطالب معينة. لننظر إلى هذه الأحداث:

1983  تفجير السفارة الأمريكية في لبنان.

1983 تفجير مجمع عسكري أمريكي وقتل 242 جندي مرينز في لبنان.

1985 خطف طائرة TWA أمريكية مغادرة من روما بواسطة أفراد من حزب الله اللبنانية.

1985 أفراد من منظمة التحرير الفلسطينية تختطف باخرة ركاب إيطالية في البحر المتوسط.

1986 ديسكو في برلين تم تفجيره وقتل جنديين وجرح 79 من الجنود.

1988 تفجير طائرة PAN AM فوق لوكيربي في المملكة المتحدة. لاحظ هنا أن هذا يصنف تحت إرهاب دولة وليست منظمات إرهابية.

1993 تفجير موقف سيارات مركز التجارة العالمي في نيويورك نتج عنه أصابات عديدة. لاحظ هنا بداية بروز الإرهاب الإسلامي أو التي تتبناه جماعات إسلامية وبداية التوجه للقتل المدني العشوائي.

1996 تفجير ثكنة عسكرية في مدينة الخبر السعودية تضم مجمعات سكنية للجنود الأمريكيين. 19 جندي أمريكي قتلوا وجرح آخرون.

1998 تفجير سفارتي الولايات المتحدة في كينيا وتنزانيا.

2000 هجوم بحري على البارجة العسكرية الأمريكية “كول” في اليمن.

2001 هجمات 11 سبتمبر في واشنطن ونيويورك.

 

نلاحظ من هذا التسلسل التاريخي أن السياق العام لهذه الهجمات لا يتبنى أسلوب القتل العشوائي للمدنيين، ونلاحظ كذلك أن المهاجمين لا يستهدفون مواطنيهم في تلك البلاد.

بعد هجمات سبتمبر إختلف الوضع تماماً. لننظر إلى الهجمات الإرهابية والتي تمت بواسطة الجماعات الإسلامية في المملكة المتحدة، إسبانيا، المغرب، الجزائر، مصر، الأردن، لبنان، سوريا، السعودية، العراق، تركيا، باكستان، الهند، أندونيسيا، الفلبين وغيرها من الدول، في هذه الهجمات كان الأغلب الأعم هو إستهداف المدنيين كعنصر أساسي. لاحظ أيضاً بروز بعض الفتاوى تحت غطاء الجماعات السلفية تبيح قتل المدنيين والأطفال ممن ينتمون إلى دار الحرب والمخالفين أو حتى ممن يصدف وجودهم خلال العملية الإرهابية. لاحظ أيضاً بروز فتاوى “الولاء والبراء” وخصوصاً بين الجماعات السلفية لكل من يخالفهم.

إذن من الواضح أن هذه النقلة النوعية في الهجمات الإرهابية لابد وأن يكون لها أسباب. إذ من غير المعقول أن نفسر تبني أبناء دولة ما لفكرة قتل مواطنيهم بعد هجمات سبتمبر فقط على أنها عمل جهادي كما يقول البعض، أو أنها نتيجة لتدريب وفكر وأيدولوجية فقط. لابد وأن يكون قد إختلف شيءٌ ما في داخل هذه المجتمعات ليفسر إتجاه بعض من يحمل جنسيتها لقتل مواطنيه من المدنيين وبشكل جماعي وعشوائي. أليس هذا منطقياً؟

الذي إختلف في هذه المجتمعات هو سياسة “التغريب” والتي للأسف باتت تمارسها الكثير من الدول في أروبا الغربية والوسطى بالإضافة إلى الولايات المتحدة الأمريكية. ولن أستعرض الكم الهائل من الأخبار والقصص المتوفرة عن هذا التغير في المجتمعات فهي أكثر من أن تحصى وتعد، والقارئ الكريم بإمكانه إستخدام أي محرك للبحث في شبكة الإنترنت للوصول إلى كمية هائلة من الأخبار والروايات، ولكني سوف أضع خبر قرأته منذ أيام في موقع الـ بي بي سي لنتلمس ذلك الشعور بالتغريب والذي يتعرض له مسلموا تلك البلاد.

موقع الـ BBC :

Swiss citizenship system ‘racist’

The report, from Switzerland’s Federal Commission on Racial Discrimination, recommends far-reaching changes. It criticises the practice of allowing members of a community to vote on an individual’s citizenship application. Muslims and people from the Balkans and Africa are the most likely to be rejected, the report points out.

والترجمة هي:

نظام المواطنة السويسري عنصري

التقرير من اللجنة الفيدرالية السويسرية للتمييز العنصري أوصت بتغييرات بعيدة المدى. فقد إنتقدت الممارسة بجعل أفراد من المجتمع [السويسري] يصوتون على طلبات الأفراد للمواطنة السويسرية. وقد أشار التقرير إلى أن المسلمين ومواطنين البلقان وأفريقيا هم الأكثر إحتمالاً لرفضهم.

للمصدر، رجاءاً إضغط هنا.

 

ولكني هنا يجب أن أتوقف عند بعض الآراء والتي تخرج من بعض أبناء العالم الإسلامي لتقول بأن إنتهاكات حقوق الإنسان للمواطن المسلم والتي يقوم بها الأمريكيون لا يجب الوقوف عندها كثيراً لأنها ممارسة شبه يومية في الدول الإسلامية من المحيط إلى المحيط. فما وجه الإعتراض على أمر يواجهه هذا الإنسان المسلم يومياً من أبناء وطنه هو ومن دولته أصلاً. فإذا كان بعض مواطنيه ودولته وحكومته لا يحترمون حقوق إنسانهم وكرامته، فلا يتعين على الآخرين والغرباء أن يحترموها أيضاً.

يجب عليّ هنا أن أعترض بشدة على منطق “الخطيئة تبرر الخطيئة”، لأن الصحيح أن الخطيئة لا تبرر خطيئة أخرى تتم بإسم الأولى، مثل الهمجية لا تبرر الهمجية، ولا اللا إنسانية تبرر اللا إنسانية، ولا الكفر يبرر الكفر. فالقول بأن إنتهاكات حقوق الإنسان تتم في الدول العربية والإسلامية فلذلك ما هو الإعتراض إن أتت الولايات المتحدة أو غيرها بإنتهاك حقوق هذا الإنسان أيضاً هو قول مردود ولا يخضع لإعتبارات المبادئ والقيم ناهيك عن المنطق السليم للأمور. كيف نجيز لدولة ما أن تنتهك حرمة إنسان آخر وكرامته وإنسانيته وحقوقه لا لشيء إلا لأن الدولة التي ينتمي إليها، والتي لم ينتخب رؤسائها وينخر فيها الفساد من أولها لآخرها لا أستثني منهم أحداً من المحيط إلى المحيط، تمارس التعذيب والحط من كرامة أبنائها كوسيلة لحفظ عروش رؤسائها وأمرائها وملوكها. هذا من جانب، ومن جانب آخر كيف يستقيم أن دولة ليبرالية تقوم على إحترام حقوق الإنسان والمناداة بالحريات وغيرها من المبادئ الليبرالية تقوم بتصنيف الناس إلى قسمين، قسم يجب أن نحترم إنسانيتهم وكرامتهم وآخرون مهدرون الكرامة والإنسانية؟؟!!

هل يُعقل هذا؟!

الأخطر، من وجهة نظري المتواضعة، هو أن يتبنى أبناء هؤلاء الناس والتي تهدر كرامتهم وإنسانيتهم كل يوم في معتقلات عديدة أمريكية في أنحاء العالم وفي سفاراتها ومنافذها وعلى أرضها، أن يتبنوا وجهة النظر تلك والتي تبيح تصنيف الناس إلى قسمين.

إذا كان التعذيب غير مشروع، فهو غير مشروع على الجميع.

إذا كان الحط من الكرامة غير مشروع، فهو غير مشروع على الجميع.

إذا كان هدر إنسانية الإنسان غير مشروع، فهو غير مشروع على الجميع.

بلا إستثناء، بلا إستثناء.

ولا ينفعنا أن نبيح هذه التصرفات تحت إدعاء أن دولاً أخرى تمارسه.

 

إشكالية أخرى فيما يسمى بالحرب على الإرهاب تتبدى في علاقة هذه الجماعات المتطرفة والإرهابية بالولايات المتحدة الأمريكية وحليفاتها قبل هجمات سبتمبر. يجب أن نعترف بأن تلك المجموعات السلفية التي تحاربها الآن الولايات المتحدة الأمريكية ومعها حلفائها ومن يأتمرون بأمرها قد تربت وترعرت بتشجيع وتسليح مباشر من الولايات المتحدة الأمريكية وبأموال سعودية بالدرجة الأولى وخليجية بدرجة أقل. هذه حقيقة، ودراسة الحالة الأفغانية أبان الغزو السوفيتي لها سوف تعطينا الدليل لذلك.

تلك الجماعات كانت أداة لتنفيذ مخططات معينة وفي أماكن معينة، وعدم العمل على تصفيتها مبكراً قبل هجمات سبتمبر ليس بسبب أن الولايات المتحدة وحلفائها الأروبيون ملتزمون بالقوانين التي تحدد حدود حقوق الإنسان أو إنهم آنذاك لم يكن لديهم قوانين فاعلة ضد الإرهاب أو غيرها من الأعذار، ولكن أولاً بسبب قصور في المعلومات الإستخباراتية لهذه الدول أو تبادل المعلومات الإستخباراتية بينهم، أو بسبب الوعي الكامل لأهمية هذه المجموعات لتنفيذ سياسات هذه الدول في حال الحاجة لها على طول الحدود لدول الإتحاد السوفياتي السابق وكما أثبت التاريخ القريب. وكمثال على أهمية هذا السلاح والذي من الممكن أن يسبب على الأقل “صداع” من نوع ما لروسيا فلننظر إلى نشاطات المجاهدين الشيشان.

الحال تبدل بعد هجمات سبتمبر، فقد إنقلب السحر على الساحر. والأسوء أن هذه الجماعات باتت تهدد أحد أهم حلفاء الأمريكيين في المنطقة ومن يأخذ على عاتقه تنفيذ السياسات الأمريكية في المنطقة وهي المملكة العربية السعودية. فلا يمكن إنكار تغلغل المعارضة السلفية السعودية في المجتمع السعودي وتهديده لنظام الحكم الرسمي هناك، كما لا يمكن إنكار تزايد الوعي بآراء المعارضة السعودية السلفية الموجودة في الخارج.

التربية والأفكار السلفية المتطرفة والتي تهاجمها الآن الولايات المتحدة الأمريكية وحلفائها قد خدمت سياسات الولايات المتحدة الأمريكية حتى الثمالة. ولتدليل على ذلك لنسأل هذا السؤال البسيط: من الذي حول أفغانستان إلى فيتنام بالنسبة إلى السوفييت، وكيف تم لهم ذلك؟

القضية الأساسية هنا ليست أهمية محاربة الفكر السلفي المتطرف أياً كان مصدر هذا الفكر. أنا لا أختلف على أهميته وضرورة المشاركة في محاربته، ولا أعترض على المبدأ أصلاً. القضية الأساسية هنا، وموضع الخلاف، هو الأسلوب.

أنا أرى بأن القضية قد تحولت من محاربة “فكر” متطرف يتبناه شراذم هنا وهناك إلى محاربة دين وأتباعه بلا إستثناء. أنا أرى بأن هناك توجه، وإن كان خفياً وغير معلن، إلى تغريب مواطنين مسلمين يعيشون في أروبا وأمريكا الشمالية. أنا أرى بأن هناك توجه إلى تصنيف البشر إلى قسمين، قسم دمهم دماء البشر ويجب أن نحترم معهم مواد حقوق الإنسان والقوانين والشرائع، وقسم الآخر دمهم لا يساوي حتى الماء في الحرمة. أنا أرى بأن القضية تحولت إلى إلى إعتبار كل المسلمين “متهمين حتى تثبت برائتهم”. أنا أرى بأن ما يدعى بـ “حرية التعبير” أصبحت تستخدم لإهانة كل رمز وكل مبدأ وكل فكرة تمت إلى الإسلام بصلة. أنا أرى بأن هناك تعمداً لإهانة كل فرد يحمل أي صلة بالإسلام في كل سفارة للولايات المتحدة الأمريكية في العالم، وفي كل منفذ حدودي أمريكي، وعند كل رجل جوازات أمريكي، وعند كل رجل جمارك أمريكي، وعند كل رجل أمن أمريكي.

هذا كله لا علاقة له بمحاربة الإرهاب. ومن يعذرهم بأي عذر لأنهم يفعلون ذلك بنا لأن مجموعة صغيرة جداً قتلت منهم ثلاثة آلاف شخص بين أمريكي وغيرهم، فهم قتلوا منا حتى الآن عشرات الآلاف. ألا يكفي هذا؟!!

هذه هي القضية، ولا شيء غير تلك القضية.

 

فرناس

أوهام اليوتوبيا الإسلامية

Filed under Uncategorized by فرناس on 17-08-2007

Tags : ,

 

تتمحور كتابات بعض الإسلاميين حول ما يمكن أن نسميه بصراع “طواحين الهواء”. فهم يقدمون فهماً ممسوخاً ومجتزءاً لكل فكر أو مذهب أو رؤية تناهض طرحهم هم، ويريدون أن يثبتوا للآخر المتعاطف معهم تفوّق رؤيتهم وجوهريتها. هذا الفهم الممسوخ والمجتزأ للآخر المختلف عنهم يكون منبعه في أغلب الأحيان تلك النزعة التي ترى في أي شيء سوى ما يتم صبغه، طوعاً أو جبراً، بصبغة الإسلام ووفق منظورهم الشخصي أو المذهبي أو الحزبي، ترى في مسخاً مشوهاً لا يصلح لحياة الناس ومخالف لفطرتهم. ولذلك نرى هذا الصراع الأزلي، والغير قابل للحل أصلاً لإنعدام الرغبة فيه، السني-السني و السني-الشيعي و الشيعي-الشيعي على طول فترات التاريخ الإسلامي منذ بداية الست سنوات الأخيرة من خلافة عثمان وحتى يومنا الحاضر. وهذا بين المسلمين أنفسهم فما بالك بين المسلمين ومن خالفهم كمجموع أصلاً.

وخلال هذا الصراع التاريخي المرير، والذي إمتد الآن إلى الأربعة عشر قرنـاً، لم يوجد كاتب إسلامي واحد، إلا من رحم ربي، كتب عن ذلك الآخر المختلف بحياد وتجرد. فعندما هاجموا المعتزلة رموهم بالحق وبالباطل، وإختلقوا قصصاً عنهم ما أنزل الله بها من سلطان، حتى تم إكتشاف بعض مصادر المعتزلة في اليمن في العصر الحديث وعرفنا الحقيقة. وعندما نشب العداء بينهم وبين القرامطة رموهم بأشنع الصفات من أول عمليات “الجنس الجماعي المختلط” ونهاية بالإلحاد، حتى أتت الدراسات الحديثة لتكشف لنا تهافت أكثر تلك الدعاوى. ولا يختلف الوضع كثيراً بالنسبة للجهمية والقدرية والأشعرية والماتريدية والفلاسفة وكل فكر آخر مختلف.

فالقارئ العادي والمحايد عندما يطلع على الأدبيات الشيعية المناهظة للسلفية مثلاً، أو يطلع على الأدبيات السلفية المناهظة للشيعة، يرى وبوضح ذلك العداء البائس والخارج عن حدود الإنصاف ومحاولات الفهم وليدخل معهم إلى دائرة تبادل الإتهامات والتي تتركز على صريح الكره والنفور والعداء العلني لذلك المختلف عنهم. السمة المشتركة في كل هؤلاء هو عدم الإنصاف وإنعدام الرغبة في الفهم ورفض التعايش. بل يتعدى ذلك إلى التحرق شوقـاً إلى إبادة الآخر وسحقه. وقبل أن يعترض معترض فليفكر جيداً فيما يحدث في العراق الآن.

ولا يختلف الوضع كثيراً عندما نرى الأدبيات الإسلامية في مهاجمتها للفكرة العلمانية أو التوجه الليبرالي. فالسياق العام متشابه تماماً، ولكن قد تختلف الألفاظ والمصطلحات. فذلك التشويه المتعمد للفكرة يتركز حول نفس المبدأ القديم في كتابات الإسلاميين، الغريزة. فعندما يكتب الإسلاميون عن العلمانية، يكتبون عن الجنس والخمر والتعري والمثلية. وعندما يكتبون عن الليبرالية، يكتبون عن الجنس والخمر والتعري والمثلية. وعندما يتكلمون عن المجتمعات الأروبية والأمريكية الشمالية، يكتبون عن الجنس والخمر والتعري والمثلية. ذلك الإختزال للآخر المختلف في مجال الغريزة هو بالضبط نفس مجال تهافت كتاباتهم وسقوطها، لأن ذلك الآخر المختلف عنهم متفوق عليهم وبكل مجال وبدون إستثناء. ذلك التفوق والذي لا يمكن إنكاره أو حتى مجاراته من جانبهم، هو الذي يدفعهم دفعاً نحو التركيز على جانب “الغريزة”، وإن صاغوها بلفظ “الأخلاق”، ومحاولة خداع المسلمين بما يمكن تسميته بالـ “يوتوبيا” الإسلامية. ويتناسون عمداً معايير التاريخ وحقائقه وواقع الحاضر وإشراقه. بل إنهم يتناسون حتى معايير الجمال والتي صاغتها تلك المجتمعات، والتي يهاجمونها هم، ثم لتنعكس على وجوه نسائهم وأخواتهم وبناتهم، بل وحتى أمهاتهم، على شكل مساحيق التجميل ومواده أو على شكل مظهر أو على شكل أدبيات.

والمتتبع لما يكتبه هؤلاء الإسلاميون يجد أن كتاباتهم تتمحور حول الفاظ بعينها أو تدور في معناها. فالسياق العام يدور حول مفردات من على شاكلة “قلة أدب، الإنفلات من كل ضابط أخلاقي، منفلت، دائرة الجنس والرذيلة، التحلل، التعري، الشذوذ، الزنا، الخمور، الإختلاط، أمراض الجنس …الخ”. هذه المفردات، في حقيقتها، تستدعي من الكاتب الإدعاء ضمناً أنه بالذات مباين لتلك الصفات في تصرفاته وقناعاته، ومن يخالف وجهة نظره تلك يكون على الحقيقة كما وصفه هو. هذا الخطاب الإستعلائي والذي يختزل خلاف الأنظمة الأيديولوجية والفلسفية في تصرفات أفراد، في حقيقته، هو بالضبط نقطة ضعفه وتهافته وبالتالي خروجه عن أساليب الطرح الإستدلالي والرغبة في الفهم والسعي وراء الحقيقة. ثم ذلك التباين الشاسع بين أن يقرر فردٌ ما في مقالته حقيقة معينة وبين الرغبة في الحوار والفهم، هو ما أعتبره ذلك التباين بين فقه “السلف” بمعناه الضيق الجامد والمدعي للحقيقة جبراً وتلك الرحابة المتواضعة والتي يصورها لنا الإمام أبي حنيفة النعمان بقوله: ” كلامنا هذا رأي، فمن كان عنده خيرٌ منه فليأت به”.

ولا يغركم بأن بعض من يكتب عن هذه المواضيع هو مباين لتوجهات السلفيين ومناهض لهم. فإن السلفية، كفكر وتصرفات وطرح، توجد على مستويات متعددة متبانة حتى وإن إدعى متبنيها خلاف ذلك. فالسلفية “منهج” بالأساس وليست عقيدة، وهذا ما يغيب عن بال من يكتبون في حول ذلك السياق.

ولذلك فإن مقالاتهم، على الحقيقة، هي مقالات شتم وإتهام لا مقالات فهم وحوار. وهذا هو السبب في أهمية الإعراض عنها وتناسيها، لأنها موجهة أصلاً لجمهور لا يريد أن يقرأ أو يفهم أو حتى أن يفكر بأن مثل هذه المقالات هي في حقيقتها مقالات دعائية بحتة وتسوّق لسلعة، مثل أي سلعة تجارية أخرى، وتقدم لهم نظرة مجتزئة ومشوهة وتجانب الواقع وتصفع الحقيقة سواء عن الإسلام أو عن الأنظمة المباينة. إنها في أحسن الأحوال تقدم لهم أنصاف حقائق تم إختيارها بدقة. فهم عندما يقتبسون من التاريخ، يقتبسون حدثٌ ما في صفحة معينة، ثم يتجاوزون عمداً عن صفحات عديدة لأن ما فيها يفضح تزويرهم وليهبطوا فجأة على حدث آخر في صفحة أخرى توافق سياقهم الذي تبنوه.

هؤلاء الإسلاميون عندما يكتبون مثل هذه المقالات فإن غرضهم واضح ومكشوف لكل ذي لب. هم يريدون أن يتكلموا بإسم الرب جل شأنه في وجه معارضيهم. إنهم يريدون أن يتكلموا بإسم الإسلام. ولذلك، وعندما يعترض عليهم معترض، تكون الإنتفاضة بإسم الإسلام والدفاع عنه، وينقسم الجدال فجأة إلى معسكرين أو حزبين، حزب المسلمين وحزب “غير المسلمين”. ذلك الشحن العاطفي هو المقصود من مقالاتهم وليس تفنيد فكر على أساس منهجي فكري وثقافي بحت. المقصود هو شعور النصر والهزيمة أمام أعين العامة وممن لا حظ له في ثقافة أو علم.

ومحاولة الكلام بإسم الرب تعالى هو منهج ليس جديد بالتأكيد. فكما يطرح هؤلاء في مقلاتهم كلاماً مكرراً يحاولون فيه أن يوحوا لنا بأنه نقد متزن للمعايير الأخلاقية للمناهج المختلفة عن المنهج الإسلامي أو حتى غيابها، فإن الكلام بإسم الرب جل شأنه قديم قدم التاريخ وبعد وفاة كل نبي. تلك المحاولة هي في حقيقتها “إنتهازية” بمعناها الواسع الشامل. إنها إنتهازية لأنها تستغل مشاعر وعواطف العامة في مواجهة العقل والمنطق والفهم السليم. إنها إنتهازية لأنها تريد أن تُبرز نفسها كمنتصرة في وجه أنظمة متفوقة بكل مجالات العلوم والحياة. إنها إنتهازية لأنها تريد أن تحول إشكالية واقع المسلمين إلى إشكالية أخلاقية بحتة وبمعزل عن إتهام فكرهم هم ومسؤليتهم عن واقعنا هذا.

ما يحاول أن يوهمونا به هؤلاء هو أن ما يسمونه “الأخلاق” الإسلامية إنما مشكلتها الأساسية هي أن المجتمعات المعاصرة لا تحكم بالإسلام. وهذا هو أصل تهافت طرحهم وضعفه من الأساس. فإنهم ينسون، بل أكاد أجزم بأنهم يتناسون عمداً، أنه في المجتمع المدني (نسبة إلى المدينة المنورة) وفي حياة النبي (ص) كان من المسلمين، ولن أقول الصحابة، من زنى ومن شرب الخمر ومن إتهم زوجته بالزنى ومن حاول نفي نسب ولده ومن حاول خيانة المسلمين في زمن الحرب ومن فر عن النبي في المعركة ومن إتهم بريئة بالزنى ومن جُلد حد القذف ومن سماه الله جل وعلا في القرآن بـالـ “فاسق” ومن حاول تغيير كلمات القرآن، ومن المنافقين الرجل بعد الرجل، ومن أبطن الكفر ما لا يعلمهم إلا الله. بل إنهم يتناسون عامدين بأن هناك من خاطب النبي (ص) بقوله: “ما أرى ربك إلا يسارع في هواك”، ويتناسون أن هناك من الصحابة من وقف في وجه النبي (ص) متحدياً ومعترضاً، ويتناسون الذين ينادونه من وراء الحجرات والذين يلمزونه في الصدقات والذين يرفعون صوتهم فوق صوته، ويتناسون جبذة الثوب مرة عند أحد القبور ومرة عند طلب المال، ويتناسون “الحَكم” وسبب نفيه من المدينة، وحاطب بن أبي بلتعة وقصته، وحسان بن ثابت وجلده، ويتناسون مواساة السيدة أم سلمة للنبي في الحديبية ومشورتها والسبب في ذلك. أو فليقولوا لنا ماذا قال الصحابي بالضبط حتى نزلت الآية من سورة التوبة (يحلفون بالله ما قالوا ولقد قالوا كلمة الكفر)، فليقولوا لنا ما هي هذه االكلمة بالضبط وعلى إختلاف الروايات في هذه الكلمة؟ أم كل هذا، وهو بالمناسبة غيض من فيض ونقطة من بحر، مما لا يجوز معه أن نفسد خيال “اليوتوبيا” الإسلامية والتي يحاولون هؤلاء أن يرسموه لنا في كتاباتهم.

أما إذا تركنا التاريخ جانباً وتبريراتهم والتي أكاد أستبقها مقدماً ولنتسائل، عن أية “يوتوبيا” أو “أخلاق إسلامية” يتحدثون؟ “يوتوبية” طالبان في أفغانستان، أم “يوتوبية” الملالي في إيران، أو ربما “يوتوبية” السلفيين والوهابيين في السعودية، أو لعلهم يتكلمون عن “يوتوبية” حماس في غزة، أو “يوتوبية” حزب الله في لبنان، أو يتكلمون عن “يوتوبية” الجماعات الإسلامية في الجزائر، أو ربما “يوتوبية” جماعة الإخوان المسلمين أو حزب التحرير أو جماعة القاعدة، أو “يوتوبية” المليشيات الشيعية في العراق أو “يوتوبية” الإنتحاريين السُنة الذين يقتلون المدنيين الشيعة هناك ويفجرون مراقد أئمتهم، أو ربما كان قصدهم “يوتوبية” جماعات التكفير والهجرة في مصر، أو ربما “يوتوبية” الجماعات المتطرفة الباكستانية أو الهندية أو الأندنوسية أو الفلبينية أو المغربية أو الأروبية أو الأفريقية أو الآسيوية.

إن الحقائق يصعب على البعض تجرعها، ولكنها في النهاية سوف تبقى حقائق وإن أنكرها منكر أو حاول تبريرها متعاطف.

إن المجتمعات الإنسانية، بغض النظر عن مرجعيتها الأخلاقية الأساسية، إسلامية كانت أو غيرها، إنما هي نتيجة لتفاعلات ديناميكية بين أفرادها، وما ينتج عنها لا يمثل بالضرورة المُـثُـل العليا التي تؤمن بها. هذه الحقيقة تبدو أنها غائبة عن ذهن هؤلاء، ولذلك تأتي مقالاتهم وآرائهم وردودهم بهذه السطحية في الطرح. إنهم يتكلمون عن الآخرين من وجهة نظر أصحاب “مدينة فاضلة”، ولكن الطامة أن الحقيقة والواقع والتاريخ لا يقرون لهم بذلك.

لتخرج كتاباتكم من دائرة الجنس والزنا، فلدينا من الجنس والزنا، من المحيط إلى المحيط، مما يجعل مدينة لاس فيجاس الأمريكية تحمرُّ خجلاً. ولو رجعوا هم إلى التاريخ لصفعوكم بأمثلة لا تستطيعون لها رداً. لتخرج كتاباتكم من دائرة المثلية والشذوذ، فلدينا من تراث “الغلمان” ما يجعل إقرار الزواج المثلي في إسبانيا يبدو معه وكأنه قرار “رجعي”. ولو رجعوا هم إلى التاريخ لصفعوكم بأمثلة لا تستطيعون لها رداً. ولتخرج كتاباتكم من دائرة الخمر، فلدينا من قصص سكر الخلفاء والأمراء والسلاطين ومعهم الرعية ما يساوي وقر بعير. ولو رجعوا هم إلى التاريخ لصفعوكم بأمثلة لا تستطيعون لها رداً. أما التعري، فهاكم ما هو أدهى وأمر ومن مصدر واحد، فلو إستقصينا ما في المصادر الأخرى لملأنا المجلدات منها:

 

“فتمردت المماليك وأخذوا حرم الناس وقطعوا الطريق وفسدت عدة من الجواري‏. وكثرت الفتن بسبب ذلك حتى بلغ السلطان فلم يعبأ بهذا وقال‏:‏ ‏”‏ خلوا كل أحد يعمل ما يريد‏”‏‏.‏ فلما فحش الأمر قام الأمير أرغون العلائي فيه مع السلطان حتى عاد إلى القلعه وقد تظاهر الناس بكل قبيح ونصبوا أخصاصاً في جزيرة بولاق والجزيرة الوسطانية التي سموها “حليمة”. بلغ مصروف كل خص فيها من ألفين إلى ثلاثة آلاف درهم‏.‏ وعمل كل خص بالرخام والدهان البديع، وزرع حوله المقائي والرياحين. وأقام بها معظم الناس من الباعة والتجار وغيرهم وكشفوا ستر الحياء وبالغوا في التهتك‏ بما تهوى أنفسهم في “حليمة” وفي “الطمية” [الطمية هي إسم لجزيرة مجاورة لحليمة] وتنافسوا في أرضها حتى كانت كل قصبة قياس تؤجر بعشرين درهماً، فيبلغ الفدان الواحد منها بثمانية آلاف درهم. ويعمل فيها ضامن يستأجر منها الأخصاص‏.‏ فأقاموا على ذلك ستة أشهر حتى زاد الماء وغرقت الجزيرة، فإجتمع فيها من البغايا والأحداث وأنواع المسكرات ما لا يمكن حكايته، وأنفق الناس بها أموالاً تخرج عن الحد في الكثرة‏”.‏

السلوك لمعرفة دول الملوك، المقريزي، المجلد 4، ص 26، دار الكتب العلمية، الطبعة الأولى، بيروت 1997

 

“وكان على كل مغنية قطيعة [أي ضريبة] تحملها إلى الضامنة، فإن باتت في غير بيتها قامت بمال للضامنة. وتدور في كل ليلة على بيوت المغاني جماعة من جهة الضامنة لمعرفة من باتت منهن خارج بيتها. وكان على البغايا ضرائب مقررة، وأما في بلاد الصعيد والوجه البحري فإنه يفرد حارات للمغاني والبغايا تقوم كل واحدة منهن بمال مقرر، فيكون هناك من التجاهر بالزنا وشرب الخمر ما يشنع ذكره. حتى لو مر غريب بتلك المواضع من غير أن يقصد الزنا لألزم بأن يأتي بغياً من تلك البغايا ويكره على ذلك أو يفتدي بمال يدفعه إليها حتى تقوم به مما عليها من الضريبة”‏.‏

المصدر السابق، المجلد 5، ص 4

 

“وفي هذه الليلة‏:‏ عمل الشيخ المعتقد إسماعيل بن يوسف الإنبابي المولد على عادته في زاويته بناحية منبوبة من الجيزة تجاه بولاق، فكان فيه من الفساد ما لا يوصف، إلا أنه وُجدَ من الغد في المزارع مائة وخمسون جرة فارغة من جرار الخمر التي شربت تلك الليلة في الخيم سوى ما حُكي عن الزنا واللياطة، فجاءت ريح كادت تقتلع الأرض‏ بمن عليها وامتنع الناس من ركوب النيل فتأخروا هناك‏”.‏

المصدر السابق، المجلد 5، ص 207

 

“واشتهر في أيامه [أي الملك الظاهر] ثلاثة أشياء قبيحة‏:‏ إتيان الذكران حتى تشبه البغايا لبوارهن بالغلمان لينفق سوق فسوقهن وذلك لإشتهاره بتقريب المماليك الحسان وتهمته وتهمة أمرائه بعمل الفاحشة فيهم”‏.‏

المصدر السابق، المجلد 5، ص 231

 

يكفي هذا؟!

 

أنا أقول بأنه عندما نريد أن ننقد أمراً ما، لننقده بطريقة محايدة. لننقده بذهنية طلب الحقيقة. لنجعل مقارناتنا مقارنة من يسعى إلى الفهم والحوار وطلب الحقيقة. لتكن ذهنية الباحث الذي يسعى إلى قبول الآخر كمبدأ ولكنه، وفي نفس الوقت، يضع رأيه المناهض له على طاولة البحث والنقاش والمناظرة، لتكن هذه الذهنية هي المبدأ. لا أن نتصرف كمراهقين ينظر لهم من يكبرونهم سناً من بعيد ثم يهزوا رؤسهم تعجباً وإشمئزازاً ثم يمشون عنهم مبتعدين.

 

فرناس

 

إستدراك على مقال: إشكالية العقل السلفي

Filed under Uncategorized by فرناس on 09-08-2007

Tags :

 

هذا إستدراك على مقالي “إشكالية العقل السلفي”، إضغط هنا.

 

يعتمد السلفيون عادة النهج الإنشائي الأدبي وحشو الكلام في رد الإعتراض ودلائل العقل والفكر (بالمناسبة، فإن البعض قديماً كان يطلق لفظ “الحشوية” على بعض أهل الحديث والسلفيين)، ولذلك أتت بعض الردود في الشبكة الوطنية الكويتية، إضغط هنا، محاولة تفنيد مقالة “إشكالية العقل السلفي”، معتمدة هذا النهج بالذات. فقد أتت بعض الردود واصفة السلفيين بأنهم “الذين امتشقوا حسام العلم وتسنموا غارب الحق لينفوا عن الدين وأهله تحريف الغالين وإنتحال المبطلين وتأويل الجاهلين وهم الذين يجاهدون كل الفرق التي حادت عن منهج الصحابة سواء كانت معتزلة أو جهمية أو شيعة أو مرجئة أو صوفية”، أو تصفهم بأنهم “الثابتون في أصول الدين وفروعه على ما أنزله الله وحياً على عبده ورسوله” وإلى آخر هذا الكلام الإنشائي والموجه إلى التأثير العاطفي لقطاع عريض من القراء.

وفي الحقيقة، فإن المنهج السلفي هو من أبعد المناهج الإسلامية إستعمالاً لآلة العقل ومكتشفات العلوم والإستدلال المنطقي ومقارنة أدلة الطبيعة وقوانينها لرد فهم “سلفي” لنص مقدس لأجل فهم أكثر واقعية ومنطقية ومتوافق مع إستنتاجات العقل.

ففي إقتباسي أعلاه لبعض الردود نجد أن المعترض قد أتى على ذكر فرق المعتزلة و الجهمية و المرجئة و الصوفية، وإذا أضفنا إلى هؤلاء كلهم الماتريدية والأشعرية، وهما المذاهب الكلامية للسواد الأعظم من المسلمين اليوم، أصبح لدينا نفس الإشكالية والتي لخصها الدكتور عبد الرزاق عيد في الإقتباس الوارد في مقالتي “إشكالية العقل السلفي” وسوف أعيده أنا هنا:

“وهناك مدرسة “الحديث” التي تتحرج بل وتتأبى أن تبدي رأياً حتى في ما ليس فيه نص. وعلى هذا فالمعقولية لا تكمن إلا فيما عمل به عقل “السلف”، أي السند والخبر. ولهذا كانوا [أقول أنا فرناس: ولا زالوا وسيبقون] يترخصون في شروط قبول الحديث حتى ولو كان آحاداً ضعيفاً، لأنه بذلك ينقذهم من إعمال العقل والرأي، فيفيئون إلى النقل مستريحين في ظله من وسوسات العقل”.

 

مشكلة هذه الفرق كلها أنهم أعملوا العقل في إشكاليات لم يعمل فيها عقل “السلف”. أليس هذا واضحاً؟

هذا العقل، الذي ظل جامداً لعدة قرون، حارب فيها الفلسفة (بكافة تقسيماتها) والمنطق ورجع بالعقل الإسلامي إلى مرحلة ما قبل البعثة. وقبل أن يعترض معترض هنا، فليهدأ قليلاً ولنقرأ معاً هذا النصوص:

 

الشيخ محمد بن صالح العثيمين:

“ومسألة دوران الأرض وعدم دورانها الخوض فيها في الواقع من فضول العلم لأنها ليست مسألة يتعين على العباد العلم بها ويتوقف صحة إيمانهم على ذلك ولو كانت هكذا لكان بيانها في القرآن والسنة بياناً ظاهراً لا خفاء فيه وحيث إن الأمر هكذا فإنه لا ينبغي أن يتعب الإنسان نفسه في الخوض بذلك ولكن الشأن كل الشأن فيما يذكر من أن الأرض تدور وأن الشمس ثابتة وأن اختلاف الليل والنهار يكون بسبب دوران الأرض حول الشمس فإن هذا القول باطل يبطله ظاهر القرآن فإن ظاهر القرآن والسنة يدل على أن الذي يدور حول الأرض أو يدور على الأرض هي الشمس فإن الله يقول في القرآن الكريم في القرآن الكريم (والشمس تجري لمستقر لها ذلك تقدير العزيز العليم) فقال تجري فأضاف الجريان إليها وقال (وترى الشمس إذا طلعت تزاوروا عن كهفهم ذات اليمين وإذا غربت تقرضهم ذات الشمال) فهنا أربعة أفعال كلها أضافها الله إلى الشمس إذا طلعت تزاوروا إذا غربت تقرضهم هذه الأفعال الأربعة المضافة إلى الشمس ما الذي يقتضي صرفها عن ظاهرها وأن نقول إذا طلعت في رأي العين وتتزاور في رأي العين وإذا غربت في رأي العين وتقرضهم في رأي العين ما الذي يوجب لنا أن نحرف الآية عن ظاهرها إلى هذا المعنى سوى نظريات أو تقديرات قد لا تبلغ أن تكون نظرية لمجرد أوهام والله تعالى يقول (ما أشهدتهم خلق السماوات والأرض ولا خلق أنفسهم) والإنسان ما أوتي من العلم إلا قليلاً وإذا كان يجهل حقيقة روحه التي بين جنبيه كما قال الله تعالى (ويسألونك عن الروح قل الروح من أمر ربي وما أوتيتم من العلم إلا قليلاً) فكيف يحاول أن يعرف هذا الكون الذي هو أعظم من خلقه كما قال الله تعالى (لخلق السماوات والأرض أكبر من خلق الناس ولكن أكثر الناس لا يعلمون) فنحن نقول إن نظرية كون اختلاف الليل والنهار من أجل دوران الأرض على الشمس هذه النظرية باطلة لمخالفتها لظاهر القرآن الذي تكلم به الخالق سبحانه وتعالى وهو أعلم بخلقه وأعلم بما خلق فكيف نحرف كلام ربنا عن ظاهره من أجل مجرد نظريات اختلف فيها أيضاً أهل النظر فإنه لم يزل القول بأن الأرض ساكنة وأن الشمس تدور عليها لم يزل سائداً إلى هذه العصور المتأخرة ثم إننا نقول إن الله تعالى ذكر أنه يكور الليل على النهار ويكور النهار على الليل والتكوير بمعنى التدوير وإذا كان كذلك فمن أين يأتي الليل والنهار إلا من الشمس وإذا كان لا يأتي الليل والنهار إلا من الشمس دل هذا على أن الذي يلتف حول الأرض هو الشمس لأنه يكون كذلك بالتكوير ثم إن النبي صلى الله عليه وسلم ثبت عنه أنه قال لأبي ذر رضي الله عنه وقد غربت الشمس (أتدري أين تذهب قال الله ورسوله أعلم قال فإنها تذهب فتسجد تحت العرش) إلى آخر الحديث وهذا دليل على أنها هي التي تتحرك نحو الأرض لقوله أتدري أين تذهب وفي الحديث المذكور قال فإن أذن لها وإلا قيل ارجعي من حيث شئت فتخرج من مغربها وهذا دليل على أنها هي التي تدور على الأرض وهذا أمر هو الواجب على المؤمن اعتقاده عملاً بظاهر كلام ربه العليم بكل شيء دون النظر إلى هذه النظريات التالفة والتي سيدور الزمان عليها ويقبرها كما قبر نظريات أخرى بالية هذا ما نعتقده في هذه المسألة أما مسألة دوران الأرض فإننا كما قلنا أولاً ينبغي أن يعرض عنها لأنها من فضول العلم ولو كانت من الأمور التي يجب على المؤمن أن يعتقدها إثباتاً أو نفياً لكان الله تعالى يبينها بياناً ظاهراً لكن الخطر كله أن نقول إن الأرض تدور وأن الشمس هي الساكنة وأن اختلاف الليل والنهار يكون باختلاف دوران الأرض هذا هو الخطأ العظيم لأنه مخالف لظاهر القرآن والسنة ونحن مؤمنون بالله ورسوله نعلم أن الله تعالى يتكلم عن علم وأنه لا يمكن أن يكون ظاهر كلامه اختلاف الحق ونعلم أن النبي صلى الله عليه وسلم يتكلم كذلك عن علم ونعلم أنه أنصح الخلق وأفصح الخلق ولا يمكن أن يكون يأتي في أمته بكلام ظاهره خلاف ما يريده صلى الله عليه وسلم فعلينا في هذه الأمور العظيمة علينا أن نؤمن بظاهر كلام الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم اللهم إلا أن يأتي من الأمور اليقينيات الحسيات المعلومة علماً يقينياً بما يخالف ظاهر القرآن فإننا في هذه الحالة يكون فهمنا بأن هذا ظاهر القرآن غير صحيح ويمكن أن نقول إن القرآن يريد كذا وكذا مما يوافق الواقع المعين المحسوس الذي لا ينفرد فيه أحد وذلك لأن الدلالة القطعية لا يمكن أن تتعارض أي أنه لا يمكن أن يتعارض دليلان قطعيان أبداً إذ أنه لو تعارضا لأمكن رفع أحدهما بالآخر وإذا أمكن رفع أحدهما بالآخر لم يكونا قطعيين والمهم أنه يجب علينا في هذه المسألة أن نؤمن بأن الشمس تدور على الأرض وأن اختلاف الليل والنهار ليس بسبب دوران الأرض ولكنه بسبب دوران الشمس حول الأرض“. إنتهى النقل. للمصدر، إضغط هنا.

 

ومثال ثاني هو ما أورده صادق جلال العظم في كتابه “ما بعد ذهنية التحريم”، دار المدى، الطبعة الأولى، 1997 دمشق-بيروت، ص 226 وما بعدها، من نص فتوى لإبن باز في قضية دوران الشمس. هذه الفتوى والتي لم يتحرج السلفيون من بترها فيما طبع من فتواى الشيخ، منعاً للحرج طبعاً، ولذلك هي توجد الآن ضمن فتاوى الشيخ غير كاملة. ولنص الفتوى قبل البتر إرجع للمصدر أعلاه.

 

مثال ثالث، منذ سنوات وقع بيدي كتاب، أعارني إياه أحدهم وندمت بعدها على عدم تصويره، بعنوان “هداية الحيران في مسألة الدوران”. في هذا الكتاب السلفي الطامة بعد الطامة من تحريم (أقول: تحريم) الجيولوجيا والتنقيب عن الآثار ودراسة الحضارات السابقة والقول بدوران الأرض على أساس أن ما نحتاجة من قصص الأولين والغرض من الجبال والسحاب وخلافه قد قص علينا الرب جل وعلى في القرآن ما نحتاجه منه وكل شيء زيادة عليه هو بدعة وفضول من الكلام وعلم لا ينفع.

بل الكاتب السلفي لم يكتفي بما أتحفنا به من علوم، ولكن قرر أيضاً أن “يزيدنا” علماً على علم، جزاه الله خيراً. فأخذ حديث الآحاد (أن ما بين السماء والأرض مسيرة خمسمائة عام) كما جاء في الترمذي، ثم قاس كم تسير الأبل في اليوم، ثم ضرب الناتج في عدد أيام السنة، ثم في خمسمائة. الناتج هي المسافة بيننا وبين السماء الأولى، وكذا بينها وبين الثانية، وهكذا إلى السابعة. ثم خرج لنا بمسافة ما بيننا وبين السماء السماء السابعة، وقال ما معناه أن السنوات الضوئية وما يقول به علماء الغرب من أبعاد النجوم هي كذب وهراء ولا أذكر في الحقيقة إن كان قد كفّر من يقول بها أو لا.

 

مثال رابع وكتاب آخر. “إيضاح المقال في أسباب الزلزال، والرد على الملاحدة الضلال”، تأليف: أبي عبدالرحمن مقبل بن هادي الوادعي، دار الحرمين للطباعة والنشر والتوزيع، بدون تاريخ. جاء في هذا الكتاب من “العلوم” ما يشيب له الرضيع وتضحك له الثكلى. أحد فصول الكتاب “الرد على الملاحدة الذين يسندون الحوادث إلى الطبيعة”. وعنوان هذا الفصل فقط يغنيني عن الإقتباس من الكتاب.

 

هذه الأمثلة والتي سقتها أعلاه هي غيض من فيض يمتلئ بها الفكر السلفي في محاولة منه بالذات لتقديم فهم “السلف” على العلوم ومكتشافتها وإستنتاجات العقل ومنطقه. بل الأمر تعدى ذلك بكثير. فهذا الشيخ عبد العزيز بن باز في مجموع فتاويه المطبوعة يفتي بالآتي:

1- إتخاذ “التواليت” يميت القلب ويؤدي إلى الإنسلاخ من الدين.

2- “التصفيق” من أعمال الجاهلية وهو حرام.

3- السبب في غلاء الأسعار وعدم نزول المطر هو المعاصي. (لاحظ هنا الفيضانات التي تحدث في أروبا الغربية، وهل بعد الكفر كفر؟!).

4- تحديد النسل حرام.

5- العناية بالآثار تؤدي إلى الشرك.

6- تفسير “العلماء” في الآية الكريمة (إنما يخشى الله من عباده العلماء) بأنهم علماء الدين وليس علماء الطب والهندسة.

7- تحريم التصوير.

8- الترك (الأتراك) من قوم يأجوج ومأجوج!!! (سبحان الله، وماذا يفعل هذا الشيخ بالخلفاء العثمانيين؟؟ وهل سأل هذا الشيخ نفسه لماذا سمى أبناء الجزيرة قديماً، ولا زالوا، أبنائهم بـ “تركي”؟!)

9- الشمس هي التي تدور حول الأرض ومن قال بغير ذلك يستتاب فإن أبى يُقتل.

وهذا غيض من فيض، فسلسلة العجائب في الفكر السلفي لا أول لها ولا آخر.

 

المصيبة هنا، وهي فعلاً مصيبة، إذا نظرنا إلى فتاوى إبن باز، وخصوصاً رقمي (1) و(2)، أن علماء “السلف” هؤلاء تعدوا العقائد إلى العادات، وهي طامة كبرى. قال الإمام الشاطبي في “الإعتصام”:

“وقد تبين من هذا القيد أن البدع لا تدخل في العادات….وكذلك إتخاذ المناخل وغسل اليد بالأشنان [أقول أنا فرناس: الأشنان هو ما يعادل الصابون الآن ويستعمل لغسل اليد وإزالة الروائح الكريهة منها] وما أشبه ذلك من الأمور التي لم تكن قبل، فإنها لا تسمى بدعاً على إحدى الطريقتين. وأما الحد على الطريقة الأخرى [يقصد الشاطبي من جعل العادات تدخل في البدع]….يجعل المناخل في قسم البدع فظاهر أن التمتع بلذة الدقيق المنخول أتم منه بغير المنخول. وكذلك البناءات المشيدة المحتفلة، التمتع بها أبلغ منه بالحشوش والخرب”.

إنتهى النقل مختصراً. ما بين [ ] من إضافتي أنا.

 

خير من وصف مشكلة هؤلاء السلف هو الشيخ محمد الغزالي، قال رحمه الله:

“إن القاصرين من أهل الحديث يقعون على الأثر لا يعرفون حقيقته ولا أبعاده، ثم يشغبون به على الدين كله دون وعي. خذ مثلاً ما يقطع الصلاة، فقد تشبثوا بحديث يقول إن الصلاة تقطعها المرأة والحمار والكلب الأسود، وجمهرة الفقهاء رفضت هذا الحديث وإستدلت بأحاديث أخرى تفيد أن الصلاة لا يقطعها شيء، وأن الرسول عليه الصلاة والسلام كان يصلي وزوجته عائشة مضطجعة أمامه، كما أن إبن عباس مر بحمار كان يركبه أمام جماعة تصلي فلم تفسد لهم صلاة، والكلاب أبيضها وأسودها سواء“. السنة النبوية، ص 128-129

 

الإشكالية في الفكر السلفي هي أعمق من مجرد نصوص، الإشكالية هي في منهج يعادي بالدرجة الأولى “العقل”، وكيف تفند طرحاً يرفض أن يستخدم العقل في تفنيد رأيه؟

 

فرناس

إشكالية العقل السلفي

Filed under Uncategorized by فرناس on 04-08-2007

Tags :

 

في ثقافات العالم أجمع تتكون هناك نزعة لدى البعض للتقوقع حول “ظروف” أو “مفاهيم” معينة كانت سائدة في زمان سابق عليهم ولينظروا لها على أنها “المثال المحتذى” وأنها “الحقيقة” كما هي عليه. هذا بدوره يقود هؤلاء إلى إختيار مجموعة من الأفراد على أنهم “السلف” ومجموعة من الظروف المحيطة على أنها “المجتمع الفاضل”. ويتحول الهدف في نظر هؤلاء من محاولة دفع الحاضر في إتجاه مستقبل يكون أفضل تقنياً وعلمياً وإقتصادياً وإجتماعياً، يتحول الهدف إلى محاولة دفع الحاضر في إتجاه الماضي “السلفي”، أو المحاولة المستحيلة لدفع الزمن إلى الخلف، مع ما في هذه المحاولات من إشكالايات عديدة على مستوى الواقع المعاش وعلى مستوى البداهة.

المشكلة هنا تتبدى بصورة عجيبة جداً. إذ أن محاولة دفع المجتمعات إلى زمان ماضي تكون فيه تلك “الظروف” السلفية سائدة لا يتأتى إلى بإلغاء جزء كبير من “عقلانية” أبناء هذا الزمن الحاضر. ولكن هذه العقلانية لدى “السلفيين” هي ليست “عقلانية” متجددة تخضع لمكتشفات العلوم الحديثة وأساليب الدرس الحاضر، ولكنها “عقلانية السلف” والتي إستقرت منذ قرون سحيقة في القدم. إحتضان تلك “العقلانية السلفية” يؤدي بالضرورة إلى حالة من الفصام في ذهن كل سلفي بين ما هو حاضر (بدعة، ضلالة، علم لا ينفع، مخالف لمنهج السلف، سكت عنه السلف، لم يتكلم فيه السلف، إذا وسعهم السكوت عنه فإنه يسعنا كذلك….الخ) وبين ما هو موجود في بطون الكتب السلفية من أخبار وآراء فُصلت في أغلبها عن الجو العام لذلك المجتمع بكل تناقضاته وإشكالاته وصراعه ومصالحه ولتقدم لهم صورة أقرب إلى اليوتوبيا أو المدينة الفاضلة الوهمية والتي لم توجد قط (وعلى هذا كان السلف الصالح، وبه قال السلف الصالح، كان السلف….الخ).

إن مشكلة العقل السلفي قد لخصها د. عبد الرزاق عيد بشكل ممتاز ودقيق ومختصر:

“وهناك مدرسة “الحديث” التي تتحرج بل وتتأبى أن تبدي رأياً حتى في ما ليس فيه نص. وعلى هذا فالمعقولية لا تكمن إلا فيما عمل به عقل “السلف”، أي السند والخبر. ولهذا كانوا [أقول أنا فرناس: ولا زالوا وسيبقون] يترخصون في شروط قبول الحديث حتى ولو كان آحاداً ضعيفاً، لأنه بذلك ينقذهم من إعمال العقل والرأي، فيفيئون إلى النقل مستريحين في ظله من وسوسات العقل”.

سدنة هياكل الوهم - نقد العقل الفقهي، د. عبدالرزاق عيد، ص 26-27، دار الطليعة، الطبعة الأولى، بيروت 2003، ما بين [ ] من إضافتي أنا.

 

مشكلة ذلك “العقل” أنه يرى أي خروج على المألوف هو تهديد مباشر للذات، وذلك يستدعي بالضرورة دفاعاً يساوي في حدته القتال من أجل البقاء. فـ “النص” عند هؤلاء جامد مستقر ثابت لا يحاكي المتغير، بل المتغير يجب أن يدخل في قالب الثابت ويتحرك ضمن حدوده.

منذ سنوات كتب الشيخ محمد الغزالي رحمه الله متذمراً من هؤلاء في كتابه “السنة النبوية بين أهل الفقه وأهل الحديث”:

“الذي يثير الدهشة أن المدافعين عن الإسلام أو المتحدثين بإسمه وقفوا محامين عن هذه الفوضى الموروثة، لأنهم، وبغباوة رائعة، ظنوا أن الإسلام هو هذه الفوضى، والجنون فنون والجهالة فنون”.

 

وقال رحمه الله:

“إن الإسلام ليس ديناً إقليمياً لكم وحدكم، إن لكم فقهاً بدوياً ضيق النطاق، وعندما تضعونه مع الإسلام في كفة واحدة وتقولون: هذه الصفقة لا ينفصل أحدهما عن الآخر، فستطيش كفة الإسلام وينصرف الناس عنه”.

 

وقال أيضاً رحمه الله:

” مشكلة أهل الحديث هؤلاء أنهم يفهمون الحديث على نحو ما، ثم يجعلون فهمهم هو مراد رسول الله صلى الله عليه وسلم”.

 

لذلك كان الخروج عن ما ألِفوه من مرويات وشروح وحواشي، كُتبت منذ قرون طويلة، هو نوع من البدع، هذا إن داهنوا في الخطاب، وإلا فهو نوع من الكفر.

هؤلاء، وفي النهاية، سوف يموتون ولن يبقى من ذكراهم إلا صفحات سوداء في التاريخ وعلى وزن “فتنة الحنابلة في بغداد” و “ذكر محنة الإمام البخاري” ومحنة الإمام الطبري:

“وفي هذه السنة توفي محمد بن جرير الطبري، صاحب التاريخ، ببغداد، ومولده سنة أربع وعشرين ومائتين، ودفن ليلاً بداره، لأن العامة اجتمعت، ومنعت من دفنه نهاراً، وادعو عليه الرفض، ثم ادعوا عليه الإلحاد. وكان علي بن عيسى يقول: والله لو سُئِل هؤلاء عن معنى الرفض والإلحاد ما عرفوه ولا فهموه. وأما ما ذكره عن تعصب العامة، فليس الأمر كذلك، وإنما بعض الحنابلة تعصبوا عليه، ووقعوا فيه، فتبعهم غيرهم. ولذلك سبب، وهو أن الطبري جمع كتاباً ذكر فيه إختلاف الفقهاء، لم يصنف مثله، ولم يذكر فيه أحمد بن حنبل، فقيل له في ذلك، فقال: لم يكن فقيها وإنما كان مُحدثاً. فإشتد ذلك على الحنابلة، وكانوا لا يحصون كثرة ببغداد، فشغبوا عليه، وقالوا ما أرادوا”.

 

فرناس

 

لإستدراك لي على هذه المقالة، رجاءاً، إضغط هنا.

 

جدلية الخلق والعبادات والعبثية

Filed under Uncategorized by فرناس on 31-07-2007

Tags :

 

على مائدة للعشاء بين الماء والخضرة وإمتدت حتى الثالثة فجراً وضمت إخوة كرام إختلفت مشاربهم الفكرية والعقائدية، طرح أحدهم رأيه الشخصي بأن مجرد خلق الإنسان ومن ثم الطلب منه القيام بطقوس محددة هو نوع من العبثية. إذ ما حاجة الإله إلى أن يخلق خلقـاً متنوعاً ومعقداً، نفسياً وفسيولوجياً، ومتعدد الأذواق والأفكار والشخصيات، لا لشيء إلا ليطلب منهم أن يقوموا بطقس محدد وفي أوقات معينة وبتكرار يومي أو شهري أو سنوي. وفي محاولة منه لتعضيد رأيه بأن “الطقس”، أياً كان منبع هذا الطقس العقائدي، هو نوع من العبثية والتي لا تؤدي على الحقيقة إلا إلى “إضاعة للوقت” و “إنخفاض في إنتاجية المجتمع ككل”، ضرب هو مثالاً في صيام رمضان. فلا يمكن أن ننكر أن إنتاجية الفرد، وبالتالي المجتمع ككل، تنخفض بشكل ملحوظ خلال فترة الصيام، ولذلك سبب بديهي جداً وهو إنخفاض نسبة السكر في الدم، وبالتالي الإستنتاج بأن مجرد الطلب (الفرض) بأن نكون “أقل إنتاجية ونشاطاً” هو بالتأكيد نوع من العبثية.

في البداية لا بد لنا أن ننظر في مفهوم “العبثية” حتى نحدد ماذا نقصد من هذا المصطلح بالتحديد. العبثية، كمصطلح، هو إلغاء الروابط المنطقية في تسلسل الأحداث أو المفاهيم المتعددة وعلاقتها ببعضها البعض، وهذا الإلغاء يقود هذا التسلسل في الأحداث أو المفاهيم إلى أن تتحرر من أية رؤية واضحة لوجود هدف أو نمط منطقي مألوف وواضح. والعبث هو في الحقيقة نوع من أنواع التيه الفكري والذي يقود بالضرورة إلى حالة من حالات العذاب وعلى مستويات عدة. وخير دليل على العذاب بواسطة العبثية هو إسطورة سيزيف. فقد جاء في الأساطير اليونانية أن سيزيف هذا قد حكمت عليه الآلهة كعقاب بأن يرفع صخرة إلى قمة مرتفع حتى إذا وصل إلى أعلى هذا المرتفع سقطت الصخرة إلى القاع فيعود سيزيف إلى رفعها مرة أخرى، وهكذا أبداً. كان عقاب سيزيف هو عبثية فعله.

إذن العبثية هو فقدان الهدف أو الروابط المنطقية في الحالة موضوع النظر. فهل “الخلق” و “العبادات” هي نوع من العبثية؟

لنبتدئ من السؤال الأزلي المُلح والمتكرر أبداً: لماذا خلقنا الله جل شأنه؟ ما هو الهدف والغاية من خلقنا؟

بعيداً عن النصوص المقدسة، والتي لن تقنع كافرٌ بها على أية حال، فإن الإجابة لابد وأن تكون “المعرفة”. “المعرفة” على أنها مشيئة الرب أن يُعرف بواسطة خلقه. تلك “المعرفة” تبدو وكأنها ضرورة مُلحة، ولولاها لإنتفت فكرة الإله لإنتفاء المجال العقلي (الإنسان، الخلق) لهذه الفكرة. وهذا المفهوم بالمناسبة ليس جديداً. جاء في الحديث القدسي: “كنت كنزاً مخفياً فأردت أن أعرف فخلقت الخلق، فبي عرفوني”. وإن كنت قد شرطت في البداية بعدم الإستشهاد بالنص المقدس، فإن الحالة هنا أبعد من أن تكون “تقريراً” لا يمكننا تصوره أو إستيعابه عقلاً. بل، في الحقيقة، فإن المعرفة هي أساس وجود الإله بين عباده. وبـ “المعرفة” هنا أقصد تحديداً الإقرار (الإيمان، الإستدلال، البرهان، الشك، الإحساس، الإشتباه) بوجود إله. فإرادة “المعرفة” من جانب الرب جل شأنه هو السبب الرئيسي في حياة الخلق، وهو السبب الرئيسي في حياة الخالق كفكرة.

بل، في الحقيقة، إنكار الإله وجحود وجوده هو في حد ذاته دليلٌ على حياته المعنوية في أذهان هؤلاء. فكأنما بإنكارهم وجوده، هم على الحقيقة يقرون ضمناً بإعمال “الفكر” في حياته، بغض النظر عن نتيجة هذا الفكر أو الجهد الذهني الذي بذلوه. وهل يكون الهدف من الخلق إلا أن يحيا الخالق في ذهن مخلوقه؟! وهل يكون نجاح ساحق بعد هكذا نجاح على المخلوق؟

لنتخيل فضاء واسع الأرجاء ولا يوجد به “خلق” يمكنه تصور فكرة الإله، وليس بمقدوره “معرفة” أياً كان نوعها، هل يمكن للـ “إله” أن يكون حياً في مثل هكذا ظرف؟

لاحظ أنا هنا أتكلم عن “حياة” معنوية وفكرية بحتة.

إذن “المعرفة”، وعلى المفهوم الذي شرحته أعلاه، هي الغرض من “الخلق” وعلى الشكل الذي نراه تحديداً.

ولكن من الممكن الإعتراض هنا بأن القرآن الكريم، كمثال على النص المقدس، قد حدد الغرض من “الخلق” صراحة على أنه “العبادة”. فالآية 56 من سورة الذاريات صريحة في تحديد الغرض من الخلق (وما خلقتُ الجن والإنس إلا ليعبدون). ولكن الجواب على هذا الإعتراض ينبع من أن النص المقدس، أياً كان هذا النص، لابد وأن يحتوي على مستويات معرفية متعددة ومتجددة كلما إختلف الزمان والمكان لمن يؤمن فيه، وإلا كيف يكون مقدساً وقد فقد القدرة على “إلهام” المؤمنين بمستويات فكرية أو أخلاقية أو عقائدية لا يجب أن تقف عند حد أو نهاية؟

فالعبادة، وكما وردت في هذه الأية الكريمة، لابد وأن تحمل معناً أكثر عمقـاً من مجرد إتيان صلاة أو إعطاء زكاة. أقول “لابد” لأن الآية توحي لي شخصياً بأن المقصود هو إستمرارية لا متناهية من أول الخلق وحتى يرث الله الأرض ومن عليها. إذ كيف يعقل أن يخلق الله جل شأنه خلقـاً لغرض معين محدد ثم تخلو بقعة ما، في زمان ما، من تلك العبادة؟

“العبادة” في هذه الآية الكريمة لابد وأن تكون ذات صلة بـ “المعرفة”، الغرض الأساسي من الخلق. وإذا كانت “المعرفة”، على المعنى الذي شرحته أعلاه، هو المقصود بـ “العبادة” فقد تحققت مشيئة الرب تعالى حتى وإن أنكره منكر. أقول “حتى وإن أنكره منكر” لأن هذا المُنكِر للرب تعالى يعترف ضمناً بإنكاره أياه بأنه قد أعمل الفكر فيه، وتلك هي حياة الإله المعنوية في ذهن مخلوقه وإستمراريتها ونجاحها الباهر. فكأنما التفكر فيه جل شأنه (إثباتاً أو نفياً أو حتى في محاولة مبدئية للفهم) هو عبادته، وبإعمال الفكر فيه (عبادته) يكون قد تحققت مشيئته تعالى في خلقه كلهم وبلا إستثناء. وهذه قمة “العبقرية” والتي لا يضاهيها ذكاء أو عبقرية لذاته العلية جل شأنه لأنه يحيا في فكر المؤمن والجاحد على السواء.

 

وعلى هذا المعنى يسقط قول من يقول بعبثية الخلق لتماسك الروابط المنطقية ووضوح الهدف.

 

أما مسألة عبثية العبادات، فيجب أن أقول في البداية بأن هدف “الطقس” بشكل عام هو وجود حالة من التطابق بين ما تدعو له عقيدة ما نظرياً أو فكرياً (وهو جامد وغير متجسد) وبين الفعل العملي للفرد الذي يمارس الطقس (وهو حي متغير ومتجسد). فـ “الطقس” يهدف إلى حالة من الإندماج بين ما هو موضوع إيمان وبين ما هو موضوع عمل. ولذلك فإن قياس الطقس (العبادات) بمردودها الفيزيائي أو الفسيولوجي هو محاولة لغض النظر تماماً عن الهدف الأساسي لها. الطقس (العبادات) لا ينبغي لها أصلاً أن تراعي أي أطر خارج إطار هذا التطابق للـ “القيمة” والـ “عمل”. ولذلك تعددت الطقوس (العبادات) وتباينت في الأديان المختلفة سواء كانت توحيدية أو وثنية. فمثلاً، شرب قدر من النبيذ هو شيء أساسي في الطقوس اليهودية والمسيحية، ولكنه ليس كذلك عند المسلمين، بل على العكس هم مأمورون بترك شرب المسكر. ولو إستقصينا سبب شرب النبيذ عند اليهود والمسيحيين لوجدنا سبباً عقائدياً (ذو قيمة فكرية أو إيمانية)، كما هو كذلك عند المسلمين تماماً في إمتناعهم عنه. وهكذا هي في جميع طقوس الأديان والعقائد. وكمثال ثاني، فإن الحج، كفرض، قد غاب عن الديانة المسيحية مثلاً، ولكنه في الإسلام أحد أركانه. ولا يمكننا الإنكار بأن الكثير ممن يحج يصابون بأمراض مختلفة (إنفلونزا، سحايا، أمراض الجهاز الهضمي والتنفسي، ضربات الشمس، الجفاف، الإعياء…الخ) وذلك إما بسبب تعرضهم لتجمعات بشرية كبيرة ومختلفة أو بسبب الإجهاد العضلي المطلوب أو بسبب محددوية السكن وقضاء الحاجة والإقامة في العراء.

إذن هدف الطقس هو ذلك التناغم بين الإيمان والعمل وبغض النظر عن التأثير الفسيولوجي. وهذا بحد ذاته ينفي عبثية العبادات. إذ أن محاولة تجسيد القيم الإيمانية بواسطة الطقس هو هدف مجرد نبيل من وجهة نظر من يؤمن فيه. ولا عبرة هنا بالقول بـ “عبثية” عبادة ما قياساً على “إنخفاض إنتاجية” أو “هدر وقت” لأن المسألة هنا هو تربية روحية ترى في ممارسة قيم شأناً أعلى من تأثيرها الجسدي أو المادي. والأمثلة هنا لا تعد ولا تحصى من كل دين أو مذهب على وجه هذه البسيطة.

وبسبب هذا المفهوم للطقس (العبادات) فإن الحذر في ربط الطقس بفوائده الصحية مثلاً هو أمر يجب أن نأخذه على محمل الجد. لأن هدف الطقس (العبادة) ليس هذا بالتأكيد. بل على العكس، فإن محاولة الربط بين الطقس والمردود الفسيولوجي له تأثير سلبي على الدين.

وللأسف، فقد ساهم بعض المسلمون هنا، وبحسن نية ولاشك، في تغييب الهدف الأساسي من عباداتهم. فمثلاً، عندما تتوالى البرامج الإذاعية والتلفزيونية وفتاوى ومواعظ شيوخ الدين، وقبل كل شهر رمضان، بالتأكيد على فوائد الصيام الصحية وقدرته على شفاء بعض الأمراض، فإنهم يغضون الطرف تماماً عن الأخطار الصحية والتي تنشأ عن الإمتناع عن الماء في الجو الحار أو الرطب مثلاً وأثره على الكليتين وتخليص الدم من السموم، وهذا للفرد السليم والذي لا يعاني من الأمراض. وأيضاً يغضون الطرف تماماً عن أن مسألة العلاج بالصيام هي في أغلبها الأعم لا يشمل الإمتناع عن السوائل. ولذلك عندما يكتشف فجأة أحدهم هذه السلبيات فإنه على الأغلب لا يتهم هؤلاء الشيوخ الذين لم يقرأوا في حياتهم أي شيء عن الطب خارج إطار تفسير شيوخهم، ولكنه سوف يتهم الدين. وهذه، من المحتمل، بداية الشك للفرد والتي أسهمت فيها المؤسسة الرسمية الإسلامية وشيوخهم المعممين.

الطقس هو ذو هدف محدد لا يشمل بالضرورة أي مردود فسيولوجي وإنما هدفه مغاير تماماً لهذا. وهذا بالتالي يهدم فرضية عبثية العبادات قياساً على إنها “إضاعة للوقت” أو تساهم في “خفض إنتاجية المجتمع”.

 

إذن، ومن كل ما سبق، فإن الخلق والعبادات لا يمثلان عبثية بالتأكيد، بل هما مباينان تماماً لهذا الوصف.

 

فرناس

 

 

ملاحظة:

هذه المقالة هي جزء من كتاب لي سوف يصدر قريباً في أحد الدول العربية. ما تنتظره دار النشر هناك هو موافقة الجهة الرقابية والإجازة للطبع.

في الفروقات بين الشورى والديموقراطية

Filed under Uncategorized by فرناس on 25-06-2007

Tags : ,

 

دأب بعض الإسلاميين أو ممن يتبنى الفكر الإسلامي السياسي في تكرار أن الفرق الوحيد بين الشورى، كما شرحها الفقهاء وتم تطبيقها في النصف الأول من القرن الأول الهجري، والديموقراطية بتطبيقاتها الحديثة هو أنه في الشورى لا يمكن مخالفة النص المقدس حتى وإن إتفق “أهل الحل والعقد” المنتخبين على ذلك. وأن ” أن الشورى تضع المرجعية النهائية في يد الشارع الحكيم سبحانه، وتجعل نصوص الشرع هي السقف الأعلى الذي لا يمكن تجاوزه بذريعة رأي الأغلبية”. وكمثال على هذا المفهوم فإن الخمر لا يمكن في نظام الشورى إباحتها حتى وإن إتفق أهل الشورى على ذلك لأي سبب كان. وكرر بعضهم أن ما سوى ذلك هي فروق غير جوهرية لا تؤثر على السياق العام للمفهوم.

في هذه المسألة بالذات، وهي إختزال الفروقات بين الديموقراطية والشورى في فرق وحيد يتيم، قد خان الصواب حتماً من يدعي ذلك. فبالتأكيد أن نظام الشورى مختلف جملة وتفصيلاً عن النظام الديموقراطي ولا وجه للشبه أصلاً بينهما حتى يتم إختزاله في فرق وحيد يتيم.

فالقول أن الفرق الوحيد اليتيم بينهما هو أنه لا يمكن في نظام الشورى أن يتم مخالفة النص المقدس حتى لو إتفق “أهل الشورى” على ذلك هو قول أيضاً يجانبه الصواب. ولن أعيد هنا الأمثلة التي سقتها في موضوعي “تعقيب على موضوعي: العلمانية…مفهوم إسلامي أصيل”، إضغط هنا، فليراجع هناك. ففي هذه الردود سقت أمثلة على ممارسات علمانية، أو سمها ما شئت، للصحابة في مواجهة النص المقدس. فحتى هذا الفرق غير دقيق ممن يدعيه. ولا عبرة بإختزال الأمثلة بمثال وحيد وهو الخمر.

وسوف أضيف أنا هنا ما أورده أبن أبي الحديد في شرحه للنهج:

وقد أطبقت الصحابة إطباقــاً واحداً على ترك كثير من النصوص لما رأوا المصلحة في ذلك، كإسقاطهم سهم ذوي القربى وإسقاط سهم المؤلفة قلوبهم، وهذان الأمران أدخلُ في باب الدين منهما في باب الدنيا. وقد عملوا بآرائهم أموراً لم يكن لها ذكر في الكتاب والسنة كحد الخمر فإنهم عملوه إجتهاداً (……) ولقد كان أوصاهم (ص) في مرضه أن أخرجوا نصارى نجران من جزيرة العرب، فلم يخرجوهم حتى مضى صدر من خلافة عمر …. الخ”

شرح نهج البلاغة، إبن أبي حديد، طبعة دار مكتبة الحياة، المجلد 3، ص 807 وما بعدها.

 

الفروقات هائلة بين النظامين. فبداية من “أهل الحل والعقد” وكيفية إختيارهم وعددهم، ومدى إلزام “ولي الأمر” بمشورتهم وفي أي الأمور ومتى، ونهاية بالقيمة “الأدبية” لمشورتهم في وجه إصرار “ولي الأمر” على رأيه، كل هذه تفاصيل مهمة تخالف تماماً النظام الديموقراطي وآلياته وأدبياته. بل في الحقيقة أن النظام الديموقراطي بمفهومه الحديث وآلياته وحراكه، لم يرد في أدبيات المسلمين لا من قريب ولا من بعيد. وأعتقد أنه ليس من العدل ولا الأمانة أن ندعي ما ليس لنا.

والثابت في التاريخ أن مجتمع الصحابة أنفسهم في المجتمع المدني الأول (نسبة إلى المدينة المنورة) لم يمارسوه إلا في نطاق فهمهم لآليات الشورى المختلفة نصاً وروحاً عن آليات الديموقراطية كما نعرفه الآن.

بل في الحقيقة أن جميع الخلفاء الراشدون قد أتوا إلى الحكم من دون أي مشورة من عامة المسلمين. هذه هي الحقيقة. وقبل أن يتشنج علينا البعض هنا، فليهدأ قليلاً ولنقرأ معاً هذا الخبر الوارد في تاريخ الطبري:

“فقام طلحة والزبير خطيبين فقالا: يا أهل البصرة، توبة بحوبة. إنما أردنا أن يستعتب أمير المؤمنين عثمان ولم نرد قتله. فغلب سفهاء الناس الحلماء حتى قتلوه.

فقال الناس لطلحة: يا أبا محمد، قد كانت كتبك تأتينا بغير هذا.

فقال الزبير: فهل جاءكم مني كتاب في شأنه؟ ثمّ ذكر قتل عثمان رضي الله عنه وما أتي إليه، وأظهر عيب عليّ.

فقام إليه رجل من عبد القيس فقال: أيّها الرّجل، أنصت حتى نتكلّم.

فقال عبد الله بن الزبير: ومالك وللكلام!

فقال العبديّ: يا معشر المهاجرين، أنتم أوّل من أجاب رسول الله صلى الله عليه وسلّم، فكان لكم بذلك فضل، ثم دخل الناس في الإسلام كما دخلتم، فلما توفى رسول الله صلى الله عليه وسلّم بايعتم رجلاً منكم، والله ما استأمرتمونا في شيء من ذلك فرضينا واتبعناكم، فجعل الله عزّ وجلّ للمسلمين في إمارته بركة. ثمّ مات رضي الله عنه واستخلف عليكم رجلاً منكم، فلم تشاورونا في ذلك، فرضينا وسلّمنا، فلما توفي الأمير جعل الأمر إلى ستة نفر، فاخترتم عثمان وبايعتموه عن غيرمشورة منا. ثم أنكرتم من ذلك الرجل شيئاً، فقتلتموه عن غير مشورة منا. ثم بايعتم علياً عن غير مشورة منا، فما الذي نقمتم عليه فنقاتله؟ هل استاثر بفيء، أو عمل بغير الحقّ؟ أو عمل شيئاً تنكرونه فنكون معكم عليه! وإلاّ فما هذا؟!

فهمّوا بقتل ذلك الرّجل، فقام من دونه عشيرته.

فلما كان الغد وثبوا عليه وعلى من كان معه، فقتلوا سبعين رجلاً”.

تاريخ الطبري (تاريخ الأمم والملوك)، إبن جرير الطبري، المجلد 3، ص 18، دار الكتب العلمية، الطبعة الثانية، بيروت 1998

 

ثم هل نسينا قول علي بن أبي طالب لمن أتى ليبايعه على إمرة المؤمنين بعد مقتل عثمان:

ليس ذلك إليكم…إنما ذلك إلى أهل بدر، فمن رضي به أهل بدر فهو خليفة”.

 

الخلاصة من كل هذا، إن القول بأن الشورى هي عينها الديموقراطية هو إدعاء واسع عريض لا يسانده نص ولا فقه ولا دليل، اللهم إلا الأماني….ولكن هيهات.

 

فرناس

 

مواضيع ذات صلة:

1- في الشورى الإسلامية، إضغط هنا.

2- تصور مبدئي لمسألة حكم الأحزاب غير العلمانية، إضغط هنا.

Subscribe to RSS Feed Rss