من اتوغرافات النصف الثاني للثمانينات
Filed under عـــام by فرناس on 19-01-2010
Tags : مـقـتـنـيـاتـي الـشـخـصـيـة
عندما أكملت الثانوية العامة ولم أكمل بعد السابعة عشر من عمري، رجعت إلى الكويت إلى حيث أعمل وأنا بالكاد أبلغ التاسعة عشر، أحمل إجازة في الطيران التجاري ولا أعرف كيف أقود سيارة من دون التسبب بحادثة. فكانت الفترة التي توسطت النصف الثاني من عقد الثمانينات هي الفترة الذهبية على مستويات عدة بالنسبة لي، وخصوصاً أن كل شيء في الكويت وخارجها، كان يموج بتيارات من كل لون وطعم ورائحة. فكل شيء داخل الكويت كان في حالة صراع علني وواضح ومكشوف وعنيف أحياناً، كما هو الحال تماماً خارجها. فالمجتمع، كما السياسيين، كانوا متطرفين إلى حد الجنون والهوس وفقدان العقلانية والمنطق في الحب والكره، في التأييد والمعارضة، في الكذب والتحايل والخديعة وتبرير الجريمة وحب التسلط وعقد العظمة. فكل فرد، تقريباً بلا استثناء، كان مستقطباً إلى شرق أو غرب، إلى شمال أو جنوب، ولا وجود لوسط أبداً في تلك الفترة. وبينما اليوم يكفي الإنسان أن يجلس في بيته أمام شاشة كمبيوتر ليتعرف على الشرق والغرب أو الشمال والجنوب، كان الوضع أيامها مختلف تماماً. إذ كان على الإنسان ليعرف، أن يذهب ويتعرف. وكنت محظوظاً أيضاً لأن مهنتي جلبت لي الكثير ممن كان من الشرق والغرب أو الشمال والجنوب. وكان سجل رحلاتي، هو أيضاً سجل لِمن قابلتهم من هؤلاء أو تحدثت إليهم وربما ناقشتهم أيضاً. وإن كنت لا أود أن أضع كل ما في هذا السجل، إلا أن أدناه هو جزء من تلك الفترة الذهبية من عمر الزمن.
فرناس
في السادس من مايو 1987 وقف الشاب العشريني أمام ياسر عرفات داخل الطائرة الخاصة التي أقلته من الكويت. كان كل من في الطائرة تقريباً، فيما عدا الطاقم، مسلحاً بطريقة بحيث لا تحتاج إلى حدة نظر لتلحظه من تحت السترات. ابتسم لي، فقابلت ابتسامته بطلب أن كان بامكانه أن يكتب لي شيئاً في سجل رحلاتي، فوافق مباشرة. كتب لي:
معاً وسوياً حتى النصر إلى القدس المحررة بعونه تعالى
في 2 – 8 – 1990 سقط الجزء الأول من أمنيته تلك (معاً وسوياً)، وفي مؤتمر مدريد في 1991 سقط الجزء الثاني (القدس المحررة).
في 16 ابريل 1988 اغتيل عضو المجلس المركزي لمنظمة التحرير الفلسطينية خليل الوزير، أبو جهاد، مسؤول عمليات المقاومة في القطاع الغربي في حركة فتح، داخل منزله في تونس، بالقرب من قرطاجة، بواسطة عملية قامت بها قوات خاصة إسرائيلية. قيل أن جسده قد امتلئ من الرصاص للتأكد من موته. كان أبو جهاد أحد المخططين للإنتفاظة الفلسطينية آنذاك. في 27 ديسمبر 1989 استقلت زوجته، أم جهاد، الطائرة الكويتية لزيارة الكويت. وعند خروجي من مقصورة القيادة، لفت انتباهي لها أحد الزملاء، فوقفت أنظر إليها من بعيد، فكان سكونها واطراقها هو الذي جعلني أقول لنفسي بأنها ولابد أن تكتب لي شيئاً، فكتبت:
رعاك الله وعهدنا أن تستمر الثورة حتى النصر

كل من عاش الثمانينات لابد وأن يكون عبد الكريم عبد القادر جزءاً أصيلاً من ذكرياته. فهو بأغانيه جزء من الشباب، وهو جزء من الحب، وهو جزء من المغامرة، وهو جزء من المراهقة، وهو جزء من الحكمة، وهو جزء من الجنون، وهو جزء من الوحدة، وهو جزء من الألم، وهو جزء من الفرح، وهو جزء من الحزن، وهو جزء من الحلم، وهو جزء من النهار، وهو جزء من الليل. عبد الكريم عبد القادر كان فنان الشباب وبلا منازع في تلك الفترة، فكل كلمة كان يغنيها كانت ولابد أن ترتبط مباشرة بشيء ما من تلك الفترة في شريط ذكريات الإنسان.
دريد لحام، أو غوار الطوشة، من أكثر الشخصيات التي قابلتها أدباً وتواضعاً. فقد استضفناه داخل مقصورة القيادة فإذا به يقطر أدباً ولطفاً في كل شيء من أول كلمة يتلفظها ونهاية بتصرفاته. لم أقابل أشخاصاً كثيرين مثله.


































) بصورتي في وسط الصورة بالضبط عند تكريم جامعة الكويت لخريجي طلبة الماجستير بحضور المغفور له الشيخ جابر الأحمد الصباح رحمه الله. 



























































