علينا دوماً أن نبحث في الإنسان قبل أن نبحث في الأحداث، فكما يكون الإنسان تكون الأحداث، وليس كما تكون الأحداث يكون الإنسان. إن الوطن أعز من أن يهدموا وحدته بدعاوى التعصب. وإن المستقبل يصنعه القلم لا السواك، والعمل لا الإعتزال، والعقل لا الدروشة، والمنطق لا الرصاص. والأهم من ذلك كله أن يدركوا حقيقة غائبة عنهم، وهي أنهم ليسوا وحدهم جماعة المسلمين. وليس هناك خطوط حمراء غير خطوط الدم الإنساني

حافظ الجمالي وفرج فودة

خطورة التسويق للنموذج السعودي للحداثة … الإستقواء بالسلطة ضد الخصوم

Filed under عـــام by فرناس on 12-10-2009

Tags : ,

 

 

 

 

يعتبر التاريخ بأحداثه المتتالية والمتنوعة أحد أهم المصادر التي تسجل هزائم الإنسانية عبر التاريخ. فـالهزيمةهو “الحَدَث” الذي يتكرر في كل سطر يكتبه المؤرخ في نصوصه، ولا معنى للتاريخ بدونه. حتى في قصص الإنتصارات والنجاح، فإن ما يمثله لنا التاريخ على الحقيقة هو سرد لهزيمة أو فشل لطرف مقابل من نوع ما. فصراع الأطماع والأفكار والفلسفات والأديان هو ليس صراع في سبيل غاية متجردة ومحايدة ومتعالية، أخلاقياً أو إنسانياً، في أغلب الأحيان، ولكنه صراع يحمل في داخله رغبة قاهرة لـ “هزيمة” الطرف المعارض والهيمنة ليس فقط على محيطه الفاعل، ولكن حتى على “إنسانيته” بكل ما تفترضها من بديهيات ذات مضمون أخلاقي. التاريخ هو قصص الهزائم الإنسانية بكل تنوعاتها ومحاورها وتشعباتها. والتاريخ أيضاً يكرر نفسه بدرجة أو بأخرى، ليس بالضرورة بتطابق الأحداث، ولكن بتشابه المضمون والفكرة. والحكيم هو من يعتبر من مضامين روايات التاريخ وعبره، إذ الغاية الحقيقية من “التاريخ” هو ليس معرفة حوادث الأمم التي سبقتنا بقدر ما هي الفرصة التي تتيحها هذه الحوادث لتجنب هزائمهم.

 

حكى لنا التاريخ عن المعتزلة. تلك الفرقة التي رفضت رفضاً قاطعاً تقديمالنصعلى دلالة العقل وبديهياته، وأصرت على أن المعرفة يجب أن تبتدأ مع العقل بواسطة التأمل في ذات الإنسان وما هو حوله لترتقي إلى المعرفة القصوى (المعرفة بالله) وليس من خلال “النص” نزولاً للبشر، وأصروا على تبني “المجاز” في اللغة والنصوص المقدسة وليقدموا للمسلمين حلولاً منطقية لمشكلات العقيدة والنصوص. تلك الفرقة قدمت النموذج الإسلامي الحداثي العقلاني ضد التوجهات الثابتة الجامدة المتطلعة دائماً للوراء وللركود المطمئن على ما عمل به عقلسلفمن نوع ما دون غيرهم. استطاع المعتزلة بخطابهم العقلاني أن يقنعوا الخليفة العباسي بآرائهم، وبدا أن مذهبهم هذا كان مهيئاً لأن يهيمن على الذهنية الإسلامية ليدفع “العقل” إلى المرتبة الأولى في الوعي الإسلامي، ولكنهم وقعوا في الخطيئة الأزلية لكل إنسان يرى نفسه قريباً من السلطة. لقد استقووا بالسلطة ضد خصومهم، واستخدموا السلطان لصالح فرض قناعاتهم فرضاً وبالقوة والتي كانت أصلاً في طريقها لأن تسيطر من دونه مع مر العقود والقرون. فالسلطة دائماً ترىالمصلحة الذاتيةقيمة عليا، تتغير بتغير الأيام والسنين. وما فعلته السلطة بخصوم المعتزلة وبتشجيعهم، فعلت السلطة أضعاف أضعافه بهم وبتشجيع خصومهم عندما تغيرت مصلحة السلطة وقناعاتها. وكانت النتيجة تراجع مذهبهم إلى حدود الإندثار في أغلب العالم الإسلامي وهيمنة الرؤية الأشعرية الوسيطة بين إشكاليتين والسلفية الراكدة الجامدة والشيعية الماورائية العجائبية والتي تُقدّم النقل على دلالة العقل، وأنتهى العالم الإسلامي إلى ما انتهى عليه اليوم.

 

برزت في الآونة الأخيرة في الكويت نزعة واضحة من بعض التوجهات الليبرالية لإقتباس المنهجية السعودية في فرض رؤية محددة سواء للتنمية أو الحداثة. بل وصل الأمر ببعضهم من خلال بعض الصحف إلى حث السلطة على التعامل مع التوجهات الدينية تماماً كما فعلت الحكومة السعودية مع من انتقدها من شيوخ الدين في مسألة الإختلاط في التعليم الجامعي وصولاً إلى درجة الإعفاء من المنصب خلال أقل من أربعة وعشرين ساعة. خطورة هذا التوجه يتجلى من عدة محاور. أهمها على الإطلاق هو حقيقة أنالحداثة، كمنهج، من المستحيل فرضه على الشعوب، لأن المسألة تتعلق بقناعة وفكر وتصرفات وليس مظهراً خارجياً للحداثة. فالكويت تملك المظهر الخارجي للحداثة قبل على الأقل عقدين من الزمان من أي دولة خليجية عربية على الإطلاق، ولكن الفكر والمنهج بقي كما هو بارزاً في القناعات العائلية القبلية الطائفية من أول إدارة الدولة ومروراً بالتوظيف حتى في أقل الوظائف شأناً ونهاية بتصرفات الشعب مع موارده ومنشآته وعلاقته بالآخر المختلف عنه داخلياً وخارجياً. فالمباني الحديثة لا تعني أي شيء على الإطلاق إذا لم يصاحبها تصرفاً حضارياً للمحافظة عليها. والتجهيزات الحديثة لا تعني أي شيء على الإطلاق إذا لم يصاحبها عقلية مستعدة للإستفادة منها لإكتشاف شيء جديد والمساهمة في الدفع الحضاري للمجتمع والعالم. والمناهج الحديثة لا تعني أي شيء على الإطلاق إذا لم يصاحبها ذهنية تعرف أن التميز والإبداع هو المعيار الوحيد للنجاح والترقي. فـالإنسانهو المعيار دائماً وأبداً، ومن دونه سوف تسقط كل محاولاتالحداثةوخصوصاً إذا تم فرضها فرضاً من سلطة قائمة. ثانياً، وهو خطورة الإستقواء بالسلطة على الخصوم فيما يخص المنهج بشكل عام. وإذا كان مثال المعتزلة يعتبر بعيداً في الزمان، فإن التشجيع الحكومي للتوجهات الدينية والقبلية في الكويت لصالح الإفتئات على المكتسبات الدستورية ليس منا ببعيد. فإذا بها اليوم نرى بوضوح الإنقلاب الحكومي على التوجهات الدينية والقبلية بشكل واضح لا لبس فيه. فإذا شاءت التوجهات الليبرالية أن تستقوي بالسلطة ضد خصومها، وتنسى الأساس البديهي للحداثة (قناعة المجتمع) والذي يتولى قمع الخصوم من دون حاجة للسلطة، فإن النهاية لن تكون سعيدة بكل تأكيد.

 

النموذج السعودي للحداثة سوف يمر بالتأكيد بعدة اشكالات خطيرة على مستوى المجتمع. فالمعارضة الصامتة إذا لم يتم التطرق لها بشكل موسع وصريح وحر داخل المجتمع، وإذا لم يكن المنهج في أساسه هو محاولة كسب قناعات الشعب ضد القوى الدينية السلفية الرجعية، فإن النتيجة سوف تكون ذات تداعيات تصادمية وخصوصاً أن هذا المجتمع بالذات كان يتلقى الدعم الحكومي اللا محدود لصالح نفس التوجهات السلفية الذي يريد أن يواجهها الآن. فالحداثة هو منهج يجب أن يبتدأ مع النشئ في المدارس، ويترقى كممارسة ضمن المجتمع، ولا يمكن فرضه فرضاً من أعلى، وخير دليل على فشل هذه المنهجية هو محاولة محمد علي باشا في مصر في النصف الأول من القرن التاسع عشر.

 

لكل ما سبق، يجب أن يبتعد التيار الليبرالي عن التسويق للمنهجية الحداثية السعودية كما تطرحها الحكومة السعودية اليوم، لخطورتها أولاً، ولخطأ منطقها ومفهومها ثانياً، ولحتمية التصادم غير البناء من نسيج اجتماعي يغيب عنه الحرية والتفاعل الحر مع السلطة.

 

 

فرناس

 

 

 

  

 

 

 

في العلمانية ومفهوم الليبرالية والهدف منهما

Filed under عـــام by فرناس on 15-09-2009

Tags :

 

 

 

 

ملاحظة: هذه المقالة هي في الأساس إجابة لي على تساؤلات متعددة للزميل الفاضل عبد الوهاب عبدالله تناولت مفهوم الليبرالية والهدف المرجو من تبني المنهجية العلمانية والليبرالية مع ما يجابههما من عداء شرس من جانب الأطياف السياسية الدينية.

 

 

 

 

تبرز الليبرالية والعلمانية في المحيط السياسي الإسلامي كتهديد مباشر للقوى المتمصلحة من توظيف الدين لصالح هيمنتها. فالقضية بالنسبة للتيار السياسي الذي يوظف الإسلام لمصالحه المباشرة، على الحقيقة، هي مسألةتسلطوليست بالضرورة الهيمنة السياسية فقط. فمفهوم “التسلط” هو أوسع وأشمل وأكثر تغلغلاً من الهيمنة السياسية بالتأكيد، إذ التسلط يشمل كل نواحي الحياة للفرد من أول العلاقة الزوجية الخاصة والحريات الفردية والخيارات المتاحة ضمن المحيط الفاعل ونهاية بديناميكيات التفاعل الاجتماعي والاقتصادي والسياسي وتعريفات المواطنة. فلا شيء عند الإسلام السياسي تقريباً يدخل تحت المفهوم النبوي الأصيل (أنتم أعلم بشؤون دنياكموإنما هو مجهود واعي ومقصود وفاعل لإدخال كل شيء ضمن المحيط الديني حتى يكون “التسلط”، تسلط حركات الإسلام السياسي أو حتى الديكتاتوريات على البلاد والعباد باسم “الله” وتحت ادعاء أن هذا التسلط هو بالضبط “شريعته” جل وعلا. والمثال البارز في هذا الخصوص هو التوجهات الشيعية ضمن مفهوم ولاية الفقيه كما تمثلها إيران ومن يرى رأيها، والتوجهات السنية السلفية، بفرعيها المعتدل والمتطرف، كما تمثلها المؤسسة الدينية الرسمية في المملكة السعودية من جهة وجماعة القاعدة من جهة أخرى، وأيضاً أحزاب الإسلام السياسي كما تمثلها جماعة الإخوان المسلمين على سبيل المثال. وبما أن الليبرالية بما تحويه من مبادئ متطورة تدور حول الحريات، والعلمانية بما تستدعيه من فصل الدين وسلطة الكهنوت عن السياسة، يشكلان تهديداً مباشراً لهذا “التسلط” الذي ينتحل اسم “الله” في هيمنته، فإن الإسلام السياسي يعادي هذين المفهومين عداءً شرساً من خلال التشويه المتعمد لهما. ولهذا السبب يتوجب النظر في تعريفات هذين المفهومين بصورة متكررة لمعاكسة محاولات التشويه هذه.

 

العلمانية، بمفهومها فصل الدين عن السياسة، تستدعي بالضرورة ممارسة محددة يكون النص المقدس فيها غير مؤثر، حتى وإن وُجدَ هذا النص الصحيح، أو أن يكون “النص” غير موجود أصلاً ولكن يتم البحث في الموضوع بعيداً عن مفاهيم أخرى تحمل صفة القدسية. وأول اعتراض على هذا التعريف سوف يأتي من حركات الإسلام السياسي وسوف يدور حول نقطة وحيدة وهي (إن هذا مخالف للإسلام وخروج عليه وعنه). والحقيقة أن موقفهم هذا يحمل بذرة التناقض، لأن ما يتهمون به غيرهم من المعاصرين العلمانيين بأوصاف لا أول لها ولا آخر، لا يتجرأون أن يطلقوها على مجتمع الصحابة الذين مارسوا بالضبط نفس محتوى هذا التعريف أعلاه. فإذا كان لا يسعنا الخروج على النص لأي سبب (علمانية أو غيرها)، فمن باب أولى أن مجتمع الصحابة لا يسعهم الخروج على النص لأي سبب كان. ولكن (الممارسة المحددة التي يكون النص المقدس فيها غير مؤثر) كما في تعريف العلمانية أعلاه قد مارسها الصحابة وبكل رحابة صدر. قال الله تعالى في سورة التوبة (إنما الصدقات للفقراء والمساكين والعاملين عليها والمؤلفة قلوبهم …) الآية. هذا نص مقدس، ثابت صحيح، واضح جلي في استحقاق “المؤلفة قلوبهم” سهماً من الزكاة لم يستثني فيه الرب تعالى زمان أو مكان منه. ومع هذا، وكما هو ثابت، فقد منع عمر بن الخطاب سهم المؤلفة قلوبهم بسبب اختلاف الظروف وعدم حاجة الإسلام لهؤلاء بعد أن عَـزّ وظهر. وكذلك فعل في امضاء من طلق زوجته ثلاث طلقات بفم واحد على أنه طلقات ثلاث وذلك للمصلحة التي تغيرت في زمنه، بينما كان الأمر على أيام النبي (ص) وخليفته أبو بكر أن الطلقات الثلاث بفم واحد هي طلقة واحدة لا غير. وكذلك قسمته للبلاد المفتوحة عنوة التي رفض فيها قسمتها على المقاتلين، وتعطيله حد السرقة عام الرمادة، وسهم ذوي القربى وغيرها من الأمور التي كانت الممارسة فيها غير متأثرة بالنص المقدس (قرآن أو سُنة ثابتة) كما جاء في تعريف العلمانية أعلاه. وليس الأمر مقصوراً على عمر بن الخطاب، فهذا علي بن أبي طالب رفض ملاحقة قتلة عثمان مع أن النص يوصيه أن (النفس بالنفس) لأن الوضع السياسي كان غير مؤاتي، وأيضاً رفض التحكيم أولاً ثم عاد ورضي به لأن من معه أصروا عليه، وهذا سبب خروج الخوارج عليه بدعوى مخالفته للنص. بل أن الأطياف المذهبية الشيعية يصرون على أن علي بن أبي طالب هو الخليفة بعد النبي (ص) بسبب دعوى “النص” عليه، ولكن، وعلى هذا الإصرار، فإن علي بن أبي طالب قد خالف “النص” من وجهة النظر الشيعية بسبب قبوله ذهاب الخلافة منه وقعوده في بيته ستة أشهر حتى وفاة فاطمة. أليست هذه ممارسة علمانية، إذا أخذنا بالرأي الشيعي، بسبب “قعوده” عن “النص” عليه في مسألة سياسية؟

 

كل هذه الممارسات، وغيرها كثير في التاريخ الإسلامي بفرعيه السني والشيعي، كانالنصغير مؤثر في القرار كما جاء في تعريف العلمانية أعلاه، فأي فرق هنا؟

 

والجواب هو لا فرق، الممارسة واحدة، والتشابه واضح لكل منصف. إذ من الواضح أن “المصلحة“، بمعناها الشامل أو الفردي، هي المحرك الرئيس في كل هذه التصرفات، وهذا ما يقودنا إلى مفهوم الليبرالية.

 

 

جاء في مفهوم الليبرالية:

 

“لا توجد نظرية متكاملة صاغها مفكر أو فيلسوف واحد بشأن الليبرالية، وإنما يشير التعبير إلى مجموعة من الأفكار التي تطورت ما بين القرن السابع عشر والقرن العشرين، والتي عبر عنها مفكرون مثل: ديفيد هيوم، آدم سميث، لورد أكتون، جون لوك، وجون ستيوارت مل في انجلترا، وجان جاك روسو، دي توكفيل، وفولتير في فرنسا، وشيلر في ألمانيا، وجيمس ماديسون وجون مارشال في الولايات المتحدة الأمريكية. ويترتب على ذلك أن الليبرالية ليست ايديولوجية ممنهجة تترابط فيها المقدمات والأفكار والنتائج، وإنما هي تيار فكري له منابع وروافد مختلفة تم الربط بينها فيما يسمى بالمذهب أو الإتجاه الليبرالي …. وتنهض الفكرة الليبرالية على مفهوم الحرية التي عبر عنها جون لوك في أوضح صورة. لقد انطلق لوك من فكرة القانون الطبيعي الذي يعطي للأفراد، بحكم كونهم بشراً، حقوقـاً طبيعية غير قابلة للتصرف فيها. وأكد على الحقوق والحريات المدنية مثل حرية الفكر والتعبير والاجتماع والملكية، وتم الدفاع عن هذه الأفكار باسم الحقوق الطبيعية. وفي مجال الاقتصاد استخدم مفهوم “المذهب الطبيعي” لتبرير حرية الاقتصاد وعدم تدخل الدولة في النشاط الاقتصادي …. وعلى مستوى الممارسة قامت نظم الديموقراطية الليبرالية على عدة أسس. أولها، التعددية السياسية وتداول السلطة بينها. ثانيها، القرار السياسي هو ثمرة التفاعل بين كل القوى السياسية ذات العلاقة بالموضوع. ثالثها، إقامة هيئات تشريعية تمثيلية واحترام مبدأ الأغلبية كأسلوب لاتخاذ القرار. رابعها، المساواة السياسية التي تتمثل في اعطاء صوت واحد لكل مواطن. خامسها، مفهوم الدولة القانونية، وأهم عناصرها وجود دستور والفصل بين السلطات وخضوع الحكام للقانون وانفصال الدولة عن شخص حاكمها وتدرج القواعد القانونية واقرار الحقوق الفردية للمواطنين وتنظيم الرقابة الشعبية”.

[المصدر: ندوة بحثية: الفكر العربي المعاصر – تقييم واستشراف، الكويت، نوفمبر – ديسمبر 1997، عالم الفكر، المجلد 26، العددان 3 و 4، يناير – يونيو 1998، ورقة عمل بعنوان: أزمة الفكر الليبرالي العربي، د. علي الدين هلال، ص 111 – 113]

 

فعلى هذا فإن الهدف الأساسي، الأول والرئيس، من تبني الليبرالية وما تستدعيه من ديناميكيات سياسية علمانية هو نفي “الإستبداد” أياً كان شكله أو نوعه وخصوصاً الاستبداد السياسي أو ما يتم باسم الدين، ومن ثم التركيز والدفع في اتجاه “المصلحة” الفردية والجمعية لأفراد المجتمع. وهذا هو أساس الصراع الليبرالي – الديني في مجتمعاتنا.

 

 

 

فرناس

 

 

 

 

 

 

عندما تحسّر الإمام الخميني مُهدِداً

Filed under Uncategorized by فرناس on 22-06-2009

Tags : ,


 

 

بتاريخ 12 اغسطس 1979 قادت الجبهة الديموقراطية الوطنية الإيرانية إلى جانب العديد من المنظمات اليسارية مظاهرة في طهران ضمت بضع مئات من الآلاف من المشاركين وذلك ضد قرار منع صدور جريدة “آيندكان”. وكردة فعل على هذه المظاهرة القى الإمام الخميني خطاباً غاضباً جاء فيه:

 

“لو أننا تصرفنا بطريقة ثورية منذ البداية .. وحطمنا أقلام أجهزة الصحافة الأجيرة، ومنعنا كل المجلات والجرائد الشريرة، وقدمنا رؤساء تحريرها إلى المحاكم، ومنعنا الأحزاب غير اللائقة، وعاقبنا قادتها، ونصبنا المشانق في الساحات العامة فكنسنا المتواطئين الأشرار، ما كانت كل هذه المشكلات لتنشأ قط. لو أننا كنا ثوريين، ما كنا لنسمح قطعاً بأن يظهر هؤلاء المتواطئون الأشرار. كان يجب أن نمنع كل الأحزاب والحركات الجبهوية. كان يجب أن ننشيء حزباً واحداً فقط، هو حزب الله، حزب المحرومين من حقوقهم“.

المصدر: السياسة والدولة في الجمهورية الإسلامية، د. أصغر شيرازي، ترجمة: حميد الكعبي، دار المدى للثقافة والنشر، الطبعة الأولى، دمشق 2002، ص 192 – 193

 

 

ما تحسر الإمام الخميني على عدم فعله في هؤلاء المتظاهرين، ينفذه اليوم وبصورة أكثر وحشية أتباعه المخلصين في معارضيهم. إذ كل ثورة تمت بإسم الدين، كما هو الحال مع كل سلطة تتم بإسم الدين، لابد وأن تنتهي إلى ديكتاتورية تتوهم نفسها أنها تتكلم بإسم الله. ولأنها تتوهم بأنها تتكلم بإسم الله، فهي تتوهم نفسها بأنها (حزب الله) أو “حزب المحرومين من حقوقهم” على حسب تعبير الإمام الخميني، وهذا يستدعي بالضرورة أن الآخر المختلف عنهم هو (حزب الشيطان) أو حزب الآخذين أكثر من حقوقهم. وهذا الوهم، أو تلك الخديعة للعامة، سوف تنتهي بأن تأكل أبنائها وتلغ في دمائهم. ببساطة، هكذا يقول لنا التاريخ، تاريخ الإسلام وتاريخ أوروبا وبلا استثناء.

 

لن يختلف السني عن الشيعي في ممارساتهم إذا حكموا بإسم الدين. أنظروا إلى التاريخ الحديث بداية من أئمة اليمن “السعيد”، ومروراً بالرئيس المؤمن أنور السادات وأمير المؤمنين الحسن الثاني وأمير المؤمنين الثاني جعفر نميري و  “الشريف” (!!) الملك حسين بن طلال ومن قبله جده “الشريف” (!!!) حسين، ونهاية بطالبان والدول المحيطة بنا شرقـاً وجنوباً، كلهم متشابهون في الممارسات ونوعية الحكم. كلهم متشابهون في استعدادهم الفطري للوحشية وانتهاكات حقوق الإنسان.

 

اعطوا الحكم لأي حركة دينية ترونها حولكم اليوم، أي واحد منها وبلا استثناء، وسوف يخرج واحدٌ منهم لا محالة ليتحسر كما تحسر الإمام الخميني أعلاه ضد مخالفيه.

 

إحـــذروهـــــم.

 

 


فرناس

  

  

 

 

الشريعة الإسلامية وإشكاليات الديموقراطية والتشريع المدني

Filed under Uncategorized by فرناس on 18-06-2009

Tags :


 

 

ملاحظة: هذه المقالة هي تطوير وإعادة بناء لجزء من إجابة لي على تساؤلات متعددة للزميل الفاضل Y M

 

 

 

يتميز الدين بطقوس وعقائد محددة ذات وجود واضح بارز ومتشعب، بينما تتميز الدولة بمظاهر وصفات محددة يحددها القانون وآليات التشريع فيها. وبسبب هذا التحديد الديني فإنالنصيجب أن يلعب دوراً بارزاً في هذا التوصيف إذا أردنا أن نجعل شيئاً ما يدخل تحت مصطلح الدين. فالإسلام، مثلاً، هو في اعتقاد المسلمين وحي من الله أداه لنا النبي (ص)، وعلى هذا فكل ما بلغنا عن النبي (ص)، إذا كان في شأن الدين وليس الدنيا، هو من الإسلام كـ “دين” هدفه النهائي هو الخلاص الأخروي للفرد. وهذا الفصل بين الدين والدنيا قد نص عليه النبي (ص) عندما قال (أنتم أعلم بشؤون دنياكم)، وقد انتبه له الفقهاء قديماً وحديثاً وفصلوا بين ما أسموه (أمر إرشاد) عندما يأتي كلامه عليه السلام في الأمور الدنيوية، وذلك في مقابل (أمر التكليف) الذي يأتي منه (ص) في شأن الدين والشريعة. فأمر التكليف هو واجب أو مندوب، ولكن أمر الإرشاد، أي أمر الدنيا، هو منه (ص) ليس على معنى الوجوب أو الندب، بل هي من الآراء المحضة كما كان في رأيه (ص) في حادثة تأبير (تلقيح) النخل وتردده في حادثة الإفك على السيدة عائشة وعلى السيدة مارية. وعلى هذا فأمر الإرشاد ليس ملزماً للمسلمين بأي حال لأنه رأي محض في قضية دنيوية بحتة كما أشار الدليل من حياة النبي (ص) وسيرته.

 

إذن، النص المقدس يجب أن يلعب دوراً بارزاً ومحدداً في ادخال ما يراه ضمن دائرة “الدين” وفي نفس الوقت يترك ما سواه من شؤون الدنيا إلى المجتمعات حيث البشر أعلم بها وبظروفها وبحيثياتها وتفاصيلها. ولهذا السبب جاء القرآن وجاءت السنة النبوية لتصف أمور العقائد والعبادات وصفـاً يختلف في اسهابه من موضوع إلى آخر، ولكنها على الطرف الآخر وقفت موقفاً مناقضاً من حيث التوصيف والإسهاب من أمور الدنيا ومنها المسألة السياسية وإشكالاتها وتوصيفاتها المتعددة. وبسبب هذا نشأ مفهوم “البدعة”، أي ما هُو على خلاف “النص” من عبادات وعقائد، ولكن، وعلى خلاف ذلك، جاءت أمور الدولة والسياسة خالية تماماً من هذا التوصيف. ومن الملاحظ في الإسلام أنه حتى أمور الحرب والتخطيط العسكري لم يتدخل الوحي (النص المقدس) بصورة استباقية أو متقدمة على وقت المعركة في تنظيمها وارشادها وتوجيهها، هذا مع العلم أن مجتمع النبي (ص) كان مهدداً من الخارج في أغلب فترة حياته في المدينة. فقد روت لنا السيرة الشريفة أن النبي (ص) انزل جيشه موقعاً محدداً قبل معركة بدر، ولم يكن هذا الموقع مناسباً ولا متميزاً كما لاحظ أحد الصحابة، الحباب بن المنذر، في سؤاله النبي عن سبب اختياره لهذا الموقع بالذات. وعندما أشار الصحابي للموقع الصحيح لنزول جيش المسلمين، رأينا النبي يقبل منه رأيه ويأمر الجيش بالتحرك إليه. ورأيناه (ص) يشاورهم في أسرى بدر، واستقر على رأي عاتبه عليه القرآن لاحقـاً، وأشار الوحي بأن الصواب كان على خلاف إطلاقهم وأخذ الفدية كما فعل النبي (ص). ورأيناه في معركة أحد يقبل مشورة الصحابة في الخروج إلى العدو على خلاف رأيه (ص) في البقاء فيها، وكانت مشورة الصحابة ورأيهم غير سليمة. ورأينا كذلك في الخندق وفي صلح الحديبية وغيرها من الحوادث، لم يتدخل الوحي أبداً ليشير على النبي بما ينبغي فعله مما اضطره (ص) ليأخذ مشورة زوجته السيدة أم سلمة في حادثة صلح الحديبية مثلاً بعد خلاف الصحابة عليه، وأشارت عليه بالرأي الصحيح. وهذا بالمناسبة على العكس تماماً مما نراه في سفر أشعياء في العهد القديم حيث الوحي هناك يتدخل مباشرة في الأمور العسكرية والتخطيط لها عند اليهود.

 

وأيضاً، وعلى هذا المنوال، فإن آليات الدولة (استخلاف، شروط خلافة، صلاحيات الخليفة، امكانية عزله، مدة ولايته، مدى الزام الشورى له، الهيكل الإقتصادي للدولة، التوصيفات الإدارية، المؤسسات المدنية، النظم التعليمية، مفهوم الشعب والمواطنة، الحقوق والواجبات المدنية…الخ) كل هذه قد أتىالنص المقدس، كقرآن وسنة نبوية، خالية تماماً من توصيفها. فإذا عرفنا أن القرآن ينص صراحة في سورة المائدة ﴿اليوم أكملت لكم دينكم وأتممت عليكم نعمتى ورضيت لكم الإسلام دينا، فإن كمال الدين وتمام النعمة تستدعي بالضرورة استيفاء التشريع، أكرر، التشريع، نصاً. فإن غاب أي موضوع عن هذا النص فإنه بالضرورة لا يدخل في أمور الدين ولكن الدنيا. وبالتالي فإن المجتمعات وأفرادها أعلم بها وبشؤونها.

 

وهنا تبرز قضية تفاعل التشريع الإسلامي، كما في مسألة الحدود، مع القوانين المدنية التي يفرزها التفاعل التشريعي للمجتمعات. ففي قطع يد السارق على سبيل المثال، هل المهم أن نأخذ الهدف، وهو عقاب السارق، اختلاف طريقة العقوبه، السجن مثلاً بدلاً من قطع اليد، أم يجب تطبيق ما جاء بالقران حرفياً؟

 

 

في البداية يجب أن نقرر أن محتوى هذا السؤال يتطرق إلى قضية الإجتهاد مع وجود النص الجلي الواضح غير القابل للتأويل أو التفسير خارج حدود معنى ألفاظه المباشر وذلك لمسايرة ظروف وقتية محددة. ويجب أن نعترف هنا أن هذا التوجه، أي الإجتهاد مع وجود النص، سوف يؤدي في نهاية المطاف إلى أن الدين سوف يفقد صفة الإلزام حتى في أبسط أموره. بل سوف يتعداه إلى فقدان الهوية المميزة له ليذوب في النهاية في المتغير والوضعي. ببساطة، هو لن يكون “ديناً” بالمعنى المتعارف عليه، بل قانوناً وضعياً تم تشكيله وإعادة تركيب وبناء محتواه من “النص” المقدس بحيث فقد المعنى الأصلي لـ “النص” أي صفة الزامية له. وهذا يستدعي، في حال مخالفة النص المنقح والمُعدل، عقاباً “دنيوياً” لا غير. وهذا بالتالي سوف يعرض مفاهيم أخروية هامة للتنظير والتهميش والتي هي جزء لا يتجزأ من المفهوم الإسلامي للدين. [انظر كتابي: السلفية والعلمانية]. فالإجتهاد مع وجود النص الواضح الجلي غير القابل للتأويل سوف يعرض الدين، بالضرورة، إلى حالة ذوبان وموت، وهذا توجه، كما هو واضح، غير واقعي فيما يخص الإسلام بالذات.

 

ولكن من جهة أخرى فإن التشريع، ومنها نظام العقوبات، في المجتمعات الليبرالية تخضع بالدرجة الأولى إلى تشريع ديموقراطي من خلال المجالس التشريعية. والديموقراطية ومجالسها التشريعية تستدعي بالضرورة الأخذ برأي الأغلبية فيما يشاؤون أن يتم تقييد حرياتهم به، كما أتى تماماً في توصيف العقد الإجتماعي. فالعقد الإجتماعي هو ميثاق بين المؤسسة السياسية وأفراد الشعب، كأغلبية، يتم بموجبه حكم الشعب من جهة ومن جهة أخرى تخضع المؤسسة السياسية للمشيئة الشعبية. وعلى هذا إذا أتى في البرلمان أغلبية تريد أن تطبق العقوبات الإسلامية على المجتمع، فيجب الإفتراض هنا بأن أغلبية هذا الشعب يريدون أن يتم تطبيقه عليهم والخضوع لمحتوى النص المقدس في شأنه. وبالتالي، وكنتيجة للعقد الإجتماعي، فإن الأقلية يجب أن تلتزم بنتائج الديموقراطية وأن تسعى في نفس الوقت لتغيير التشريع بالطرق القانونية وذلك عن طريق الإقناع والدعاية. ولكن، إن كان أغلبية أعضاء البرلمان المنتخب في المجتمعات الليبرالية لا تريد تطبيق هذه العقوبات، فهذا يعني أن الشعب بأغلبيته لا يقر ولا يعترف بسلطة هذا النص عليه. وهذا يعني بالضرورة أن الدين أصبح يواجه إشكالية حقيقية ضمن هذا الشعب بالذات. وبالتالي فإن أولوياته، منطقياً، يجب أن تكون مختلفة تماماً عن مسألة تطبيق الحدود لأنه، ببساطة، هو أمام شعب لا يؤمن في أغلبيته بسلطته عليه، واصبح اتباعه أقلية فيه. فيجب على اتباع هذا الدين أن يلجأوا إلى أساليب الدعوة والدعاية في هذا المجتمع الليبرالي لتأمين الأغلبية المطلوبة ضمن قطاعات الشعب لتأمين إمرار مثل تلك القوانين.

 

تبقى مسألة مواد حقوق الإنسان وما أتى فيها من معارضة للعقوبات الجسدية، وهي جزء أصيل من ثوابت المجتمعات الليبرالية. هنا بالذات، وهذا رأي شخصي، يجب أن نقبل حقيقة أن من حق أي مجتمع، كأغلبية فيه وضمن رقعة جغرافية محددة، أن يقنن ويشرع ما يراه مناسباً لحكم نفسه عن طريق التشريع الديموقراطي. فإذا نتج عن هذه الديموقراطية، الحرة النزيهة، قبول لمثل هذه العقوبات فإنه ليس من حق أي معيار أخلاقي خارجي أن يفرض نفسه فرضاً على هذا المجتمع. إذ أن الأساس هو القبول الطوعي وليس الجبر والغصب، وإلا بماذا يختلف الديكتاتور عن الديموقراطي. ولذلك فإنني أرى بأنه لا عبرة بإعتراض أي معيار خارجي إذا نشأ القبول الحر، أكرر: الحر، داخلياً بمعيار محدد ولكنه مخالف لهذا المعيار الخارجي. وقد يثور اعتراض هنا بحقوق الأقليات، ولكن الجواب على هذا الإعتراض هو أن الأقليات الوطنية هي ملتزمة أصلاً بهذا العقد الإجتماعي من الأساس وأعلنت قبولها به من خلال عدم ممانعتها لأساسيات المنهج الديموقراطي، وبالتالي فإن مسألة اعتراضهم تخضع لنفس الآلية الديموقراطية والتي أشرت إليها أعلاه. وبالتالي فإن هذه الأقليات يجب أن تسعى إما لتستثني نفسها من مثل هذه القوانين، أو أن تسعى لتغييرها بالوسائل الديموقراطية القانونية. ولا سبيل غير هذا. إذا السؤال المضاد لمثل هذا الإعتراض هو: وهل كل تشريع في الدول الديموقراطية الأصيلة في أوروبا الغربية وأمريكا الشمالية قد خضع لقبول وموافقة الجميع وبلا استثناء؟!

 

المجتمعات الليبرالية هي مجتمعات ديناميكية تعكس بالضرورة آراء الشعب ومواقفه وقناعاته. وبالتالي هي انعكاس صحيح لصحة ومرض هذه المجتمعات، مع تأكيد على نسبية المعنى للمرض. والدين، كمنهج، لا يجب أن يشذ في تفاعلاته ضمن المجتمع الليبرالي عن أساسيات المناهج الديموقراطية وافرازاتها ضمن المجتمع.

 

 

فرناس

 

 

 

 

 

 

مفاهيم يجب أن تـُصحح عن العلمانية – 2

Filed under Uncategorized by فرناس on 07-06-2009

Tags :


 

 

كنت قد تطرقت في مقالة سابقة (رجاءً إضغط هنا) إلى التشويه المتعمد الذي أصاب مفهوم العلمانية من طرفين أساسيين، التوجهات الدينية وأفراد يتبنون التوجهات الإلحادية ويفتقدون الشجاعة الأدبية للتصريح بمعتقدهم هذا فيتخفون تحت شعارات الليبرالية والعلمانية. ففي التوجه الأول، فإن السياق الديني يصر على مفهومالشموليةلـيُـدخِل تحت غطاء الدين ما ليس منه أساساً، وبالتالي فإن مفهومالشموليةالدينية يتم اتخاذه غطاءً للهيمنة الشمولية الكلية على حريات البشر وإختياراتهم وتفكيرهم وقناعاتهم بل وحتى شرعنة ديكتاتوريات قائمة تفتئت حتى على أبسط مبادئ حقوق الإنسان، كما هو مُشاهد في دول جنوبية وشرقية، وذلك بسبب مصلحة مباشرة لرجال الدين فيها.

 

أما السياق الثاني، السياق الإلحادي العربي على العموم، والكويتي على الخصوص، فهو تيارمراهقأصلاً ولا يحمل أية قيمة فكرية يستحق التوقف عنده. فمجرد نظرة سريعة على مواقعهم الإلكترونية ومساهماتهم الكتابية فيها وسوف يلاحظ القارئ الكريم أن السياق واحد لا يختلف. فكل الإطروحات هي عبارة عن “حادثة” [فتاة مسلمة أحرقت حجابها في دولة أوروبية، مثلاً]، مع كمية من السخرية لا بأس بها، والكثير الكثير من مصطلحات الشتائم والبذاءة وجلد الذات، لا أكثر من هذا ولا أقل. وقد يتم الغاء “الحادثة” في مقال معين، ولكن لن يتم التخلي أبداً عن السخرية والشتائم والبذاءة حتماً، وكأن المجهود “الفكري”(!!!) للإلحاد الكويتي وأغلب الإلحاد العربي لا تتم أركانه إلا بتبني هذا الإسلوب. وهذا السياق يجعل القارئ يتأكد من أن هؤلاء الملحدين ليسوا فقط مراهقين عمرياً، ربما، ولكن أيضاً مراهقين فكرياً، بالتأكيد. هذا مع بروز ملامح لأزمة أخلاقية يعاني منها هؤلاء بسبب حالة الضياع في اختيار المرجعية المناسبة، وربما هي أزمة نفسية على المستوى الشخصي الإجتماعي لا أكثر. ولكن، وللأسف، فإن كل هذا السياق الإلحادي يتم تحت شعاري الليبرالية والعلمانية. وهذا بالضبط ما يستخدمه التيارات الدينية كـ “دليل” على التشويه المتعمد الذي يمارسونه ضد الليبرالية والعلمانية. ولذلك فإن من مصلحة التيارات الليبرالية والعلمانية ممارسة التأكيد على أن أي طرح الحادي هو طرحمذهبيبالتأكيد. لأن الإلحادعقيدةفي النهاية، ويجب أن يتم طرحها من جانب من يتبناها من هذه الزواية بالذات، ولا يجب تحت أي ظرف أن يتم حشر الليبرالية والعلمانية حشراً في هذه العقائد، لأنها أصلاً لا شأن لها بأية عقيدة. ولكن، وكما هو مشاهد، فإن فقدان الشجاعة الأدبية من جانب هؤلاء يجعلهم يتخفون تحت شعارات الليبرالية والعلمانية لـ “ممارسة” الحادهم. وكان يكفيهم أن ينظروا إلى السياسيين في دول متعددة في أوروبا والولايات المتحدة، النماذج الحية للمفاهيم الليبرالية والعلمانية، ليتأكدوا بأن هؤلاء ليسوا ملحدين بالتأكيد، ولكن لاعقوللمن لتنادي.

 

هذه مساهمة للدكتور برهان غليون، استاذ علم الإجتماع السياسي ومدير مركز دراسات الشرق المعاصر في جامعة السوربون في باريس، يتطرق إلى مسائل متعددة تخص العلمانية. هذه المساهمات أتت من مواضع متعددة من كتاب (حوار الدولة والدين)، وهو أصلاً “حوار” تم بين الدكتور برهان غليون والأستاذ سمير أمين.

 

 

فرناس

 

 

 

جميع الإقتباسات أدناه أتت من كتاب:

 

حوار الدولة والدين، سمير أمين وبرهان غليون، المركز الثقافي العربي، الطبعة الأولى، بيروت – الدار البيضاء، 1996

النقل مختصراً حسب الحاجة، ولتفاصيل أكثر يرجى الرجوع إلى المصدر.

 

 

 

 

مـــن كــتــاب

حــــوار الـدولـــة والــديــــن

د. برهان غليون - سمير أمين

 

 

 

[العلمانية] بالفعل ظاهرة ايديولوجية – سياسية ارتبطت بفصل الدولة عن الكنيسة كما ارتبطت بالإعتراف بحرية الفرد الضميرية، وبالتالي بالحرية العقلية والفكرية وبقدرة وقيمة الفكر المتحرر عن أي قيود ومسلمات تقليدية. بيد أن إعتبار العلمانية معركة عقائدية – سياسية لا يستدعي الإعتقاد بالضرورة أن أسباب وجود هذه الظاهرة (الأيديولوجية السياسية) أو غيابها أسباب عقائدية سياسية محضة، ولا أن ميلادها وتطورها مستقلان عن التطور الإجتماعي والحضاري، المادي والإقتصادي المحلي والعالمي. ذلك أن من العبث فصل التطور الروحي والفكري والسياسي للمجتمعات عن تطورها الإقتصادي والتقني.

 

(…)

 

من المستحيل التقدم نحو الديموقراطية في المجتمعات العربية من دون إيجاد حل سلمي وعقلاني للقضية الإسلامية والدينية. ولكن من الواضح أن المقصود من ذلك ليس الإسلام من حيث هو دين، ولكن الإسلام من حيث هو قوى إجتماعية وايديولوجية حية، ومن حيث هو قوة سياسية. وكان من الممكن القول أن من المستحيل التقدم نحو الديموقراطية من دون إيجاد مخرج من التناقضات الإجتماعية العميقة التي تخلق بؤر الإحتجاج الشامل ومن التمييز السياسي التي تمارسه الدولة، ومن التوترات العقائدية العميقة التي تشق المجتمع السياسي والمدني معاً. إن تأسيس الوعي المدني والوطني على حد أدنى من الإجماع أو التوافق في القضايا السياسية الرئيسية، وبالتالي تجاوز الإقتتال الأيديولوجي لصالح تسوية سياسية، هو اليوم المدخل الإجباري لإنقاذ النظام المدني نفسه.

 

(…)

 

إن الذي يمنع المجتمعات من تطوير صيغة مقبولة ومُتفاهَم عليها لحل النزاعات بالطرق السلمية، ثم الإعتراف بالحريات المدنية والسياسية وتكريسها كما تقضي الأخلاقية الحديثة السائدة، وهذا هو جوهر الديموقراطية، هو تفاقم هذه التوترات ونموها بصورة تجعل من الصعب أن يحصل أي تفاهم أو توازن أو تسوية داخل المجتمع. وبالتالي يدفع المجتمعات إلى النزاع ويجعل الصراع المكشوف والمفتوح (والديكتاتورية هي تعبير عن استمرار الصراع والقهر) الوسيلة الشائعة لحل هذه النزاعات. وهذا يعني أن الديموقراطية ليست صيغة جاهزة ولكنها ثمرة تراكم خاص في الميدان الإجتماعي والسياسي والثقافي والروحي.

 

(…)

 

 

لا أعتقد أن الصراع الراهن هو صراع بين الحداثة العلمانية وبين المحافظة الدينية والظلامية وإن كان الصدام الأيديولوجي هو وجه من وجوه هذا الصراع. ولكن جوهر الصراع ليس بين مذاهب واعتقادات، ولكنه بين قوى حاكمة وملتفة حول الحكم، فقدت مشروعيتها لإخفاقها وسوء تصرفها بالموارد الوطنية، وقوى اجتماعية شعبية وغير شعبية ناقمة ونافذة الصبر. وموضوع هذا الصراع هو التغيير السياسي والإجتماعي، أو التغيير عامة. وفي هذا الصراع وفي سياقه تتبلور العقائديات كوسائل للتعبئة والتوحيد وإضفاء المشروعية على معركة كل معسكر.

 

 

 

 

 

 

خواطر ليبرالية على الإنتخابات الماضية … إشكالية المجاميع الليبرالية الكويتية

Filed under Uncategorized by فرناس on 20-05-2009

Tags : ,


 

 

 

تتميز التوجهات الليبرالية الكويتية، كمجاميع نشطة وبصفة عامة، بخاصية مفقودة في كل التوجهات الليبرالية في العالم حسب علمي المتواضع. فهذه الخاصية، ويال العجب، لا نراها إلا ضمن الأنظمة الديكتاتورية أو اليمينية واليسارية المتطرفة أو بعض التوجهات المذهبية والعقائدية. فالنزعة نحو “عبادة الإشخاص” وتحت مسميات أو مصطلحات “الرموز” أو التزكيات أو شعارات الإنتماء الحركي من دون مضمون فكري واضح وصريح أو حتى النزعة الخجولة نحو القداسة، هذه كلها تبدو واضحة جداً لكل مراقب من بعيد لممارسات هذه المجاميع الكويتية. فـ “الكلمات” أو الطرح أو المشاريع سوف تكتسب “قدسية” من نوع ما عند هؤلاء بغض النظر تماماً عن المحتوى والمضمون لا لشيء إلا لأن هذا “الشخص” بالذات قد نطق بها أو تبناها حتى وإن كان المحتوى الفكري لهذه الكلمات أو ذلك الطرح يبدو هلامياً وغير متماسك حتى في أذهانهم وأفهامهم. فـالموضوعهو موضوع أشخاص وأسماء وليس محتوى أو مضمون أو توجه ايديولوجي وفكري ناضج وواضح.

 

فليس من الغريب مثلاً، تحت دعاوى الليبرالية، أن نرى هذه المجاميع تستقتل في الدفاع عن “شخص” بالحق وبالباطل حتى وإن كان هذا الشخص واضح التواضع في الفكر وفي الطرح وفي المشاريع، لا لشيء إلا لأن المظلة التي تحتويه (تحتويها) تتبنى شعار “الليبرالية”. وعندها تتحول كل محاولات النقد إلى معارك طواحين الهواء، وتتبدل المعايير العقلانية للنصر والهزيمة حتى يغدو وصول شخص متواضع في كل شيء إلى قبة البرلماننصرومحاولة نقده (نقدها) هي ضمن (حرب) منالمعسكر الآخر“. وهذا يقود بالضرورة إلى ذوبان وتهميش اطروحات النقد الذي كان يوجهها التيار الليبرالي بالذات إلى التوجهات الدينية والقبلية والمذهبية متهمة إياهم بتواضع الأشخاص الممثلين لهم مع انعدام الرؤية وغياب مشاريع التنمية والطرح المنطقي العقلاني، ثم لتنتهي هذه المجاميع الليبرالية لتشارك هي فيها بفعالية من خلال “دعم” واضح وجلي لكل من يمثل هذه الصفات بعينها وبتمامها ولكن بملابس ليبرالية فضفاضة. وهذه الممارسة بالذات هي صفة لازمة ومميزة لكل التيارات العقائدية والمذهبية والقبلية في الكويت على وجه الخصوص. فالمجاميع القبلية التي تفرز أشخاصاً من خلال الإنتخابات الفرعية العنصرية هي في النهاية ممارسة ولاء لـ “أشخاص” بغض النظر تماماً عن المضمون الفكري. والمجاميع المذهبية التي تساق للتصويت بسبب دعوى عقائدية أو عمامة سوداء هي في النهاية ممارسة ولاء لـ “أشخاص” حتى وإن كانوا بادين التواضع الفكري والعملي. فالتيار الليبرالي الكويتي، والذي للأسف أصنف نفسي من ضمنه، أصبح منخرطاً في نفس الممارسات القبلية والمذهبية الإنتخابية على الساحة السياسية، ولا فرق جوهري.

 

بالطبع، قد يكون العذر بأن غياب المرجعية الفكرية السياسية التي تتعالى على الأفراد قد أدى إلى هذا الحال. ولكن، ومع الإقرار بجوهرية هذا السبب، فإن المجتمع الكويتي هو مجتمع مفتوح ثقافياً ومعرفياً ويتمتع بقدر من الحريات غير متاح في المحيط الجغرافي المجاور له. وكان هذا يجب أن يقود المجاميع الليبرالية إلى مرحلة “نضوج” سياسي على محاور متعددة، إلا أن هذا لم يحصل. فالمجتمع الكويتي، وإن تعددت فرصه المعرفية والثقافية، لا يبدو وكأنه يرغب أو يقبل في أن يخرج من عبائته (الشرق-أوسطية) أو القبلية في المفاهيم والمعايير. وهذه خاصية عربية بجدارة قد لاحظها الباحثون منذ سنين طويلة. فقد كتب حافظ الجمالي منذ أكثر من ثلاثين سنة عن الحالة السورية الآتي:

 

“من الغريب أن تسبقنا مصر إلى الإتصال بالحضارة الغربية أكثر من قرن، ثم ننظر فإذا بنا معاً نتحرك على مستوى واحد من العلم أو اللاعلم، من المعرفة أو اللامعرفة؟ أوليس خطيراً أن تكاثف الأيام والجهود والإيفادات والإطلاع لا يتقدم بنا خطوة واحدة إلى الأمام، ونظل دوماً كما لو تماسنا بالحضارة العالمية الطويل المدى نسبياً يظل كالتماس القصير المدى أو كعدم التماس معاً“.

 

وهذا الإقتباس، كما هو واضح، هو وصف للحالة الكويتية بدقة متناهية. إذ لا يبدو أن تماسنا مع الحضارة الغربية التي تعالت عن الأشخاص لصالح الأفكار والمضامين قد أثر فينا بشكل كبير. ولا يبدو أن حوالي ستين سنة من الإيفادات إلى الدول الغربية قد نجحت في ترسيخ المفاهيم الليبرالية التي تنظر إلى المضمون بدلاً من الشعارات في أذهان المجاميع الليبرالية الكويتية. فكل شيء يتحرك ضمن الإطار المعياري لـالقبيلةحتى وإن كان هؤلاء الرجال حليقي الذقون طويلي الثياب أو النساء سافري الشعور والوجوه. وحتى لو استنكرت هذه المجاميع تلك الأطر المعيارية ظاهرياً، فإن الممارسة تنقض هذا الإدعاء وتؤكد الإنتماء المعياري القبلي لأنها، ببساطة ووضوح، منخرطة فيها قلباً وقالباً. فلا شيء في المضمون يوحي بتبدل القناعة حتى وإن بدت على السطح القشور الليبرالية.

 

الإشكالية الحقيقية لـ الليبرالية الكويتية في جزئية منها هي غياب الأطر الفكرية المؤسسة للمنهج والإستعاضة عنها بـ “أشخاص”، ولكن الإشكالية الأعظم تتبدى في الإستعداد الفكري والنفسي للعودة إلى الوراء في الممارسات حتى وإن كان التعرض لـالحضارةكان طويل الأمد.

 

 

فرناس

 

 

 

 

 

 

مفاهيم يجب أن تـُصحح عن العلمانية

Filed under Uncategorized by فرناس on 01-04-2009

Tags :


 

 

لم يتعرض مفهوم إلى سوء الفهم المتعمد مثلما تعرض له مفهوم العلمانية. ففي خلال الخمسة والثلاثين سنة الماضية على الخصوص تركزت جهود الجماعات الدينية المتمصلحة سياسياً واجتماعياً واقتصادياً من رفع شعار الإسلام على ترسيخ مفاهيم خاطئة عن الفكر العلماني وآلياته. بل الحقيقة هي أن الأغلبية الساحقة من الكتابات الإسلامية عن مفهوم العلمانية هي كتابات يغلب عليها طابع “الخطابة” من جهة، وتغرق في الخيال الجامح من جهة أخرى. فبينما نجد أن العلمانية هي عماد الحياة السياسية في أغلب أصقاع الأرض شرقـاً وغرباً، وتشمل جميع الملل والأديان، وتنخرط فيها كل دولة ناجحة ومتميزة (ماليزيا على سبيل المثال)، نجد في دولنا الشرق أوسطية لا نزال نصغي ونتبنى طرحاً غارق في الخطابة والذي يدغدغ العواطف لصالح “تسلق” الجماعات الدينية الإسلامية سياسياً والتي كانت، ولا زالت، تمثل “كارثة” على كل شيء تحل فيه أو تسيطر عليه. كما ساهم الكثير ممن يتخفى تحت شعار “العلمانية” في هذا التشويه المتعمد بسبب فقدانه الشجاعة الأدبية للتصريح عن قناعاته الإلحادية بصراحة، وكما مشاهد عندنا في الكويت من خلال مواقعهم ومدوناتهم الإلكترونية ومع العلم أنهم يكتبون بأسماء وهمية، لينخرط في مهاجمة “العقيدة” تحت الدعوى المتهافتة المكشوفة بأنه “علماني”.

 

أدناه هو اقتباسات متفرقة من كتاب صغير الحجم (50 صفحة) ولكن تشارك في تأليفه ثلاثة من المؤلفين. ففي هذا الكتاب (العلمانية – وجهات نظر) تطرق المؤلفون إلى قضايا محورية عن هذه الفكرة بشكل مركز وبسيط ومباشر ومن دون إسهاب لا حاجة له. وإن كانت الإقتباسات أدناه، في أغلبها، كانت من مساهمة الأستاذ عطية مسوح، إلا أن القليل مما اقتبسته من المؤلفيَن الآخرَين كان أيضاً ذو فائدة.

 

 

فرناس

 

 

 

الإقتباسات أدناه هي من كتاب:

 

العلمانية – وجهات نظر، د. يوسف سلامة، د. ماهر الشريف، أ. عطية مسوح، نون 4 للنشر والطباعة والتوزيع، الطبعة الأولى، حلب 2008

 

 

 

 

 

 

مــن كــتــاب

العلمانية … وجهات نظر

د. يوسف سلامة - د. ماهر الشريف – أ. عطية مسوح

 

 

 

في فكرنا العربي الحديث ثمة مفاهيم مظلومة، أصابها سوء الفهم فظلمت، أو حُسن الفهم فظلمت، أو أصابها عنت معتنقيها أو سذاجتهم فلم تسلم من الظلم. إن العلمانية ظلمت عندنا. فقد ظلمها سوء الفهم من جهة، لأن الكثيرين من متوسطي الثقافة والمعرفة، وجمهور الناس الأوسع، ألصقوا بها الكثير مما لا يدخل في صلبها ولا يشكل روحها الحي، فاعتقدوا أنها الحاد ينكر الله ويتنكّر للأديان. ويبدو أننا لا بد أن نعود إلى الفكرة العلمانية بين فترة وأخرى لنقول إنها لا تعني الإلحاد أو محاربة الدين، وأن أهم ما تتسم به هو تحكيم العقل وجعله دليلاً في فهم الواقع والبحث عن حلول لمشكلاته، وفصل الدين عن السياسة إجلالاً للدين وحفظاً لقداسته ورفعاً له عن ميكافيلية السياسة وذرائعيتها.

 

وظلمها حسن الفهم، فقد أدرك من يتضررون منها، أي أصحاب النفوذ في مجتمع العلاقات الإقطاعية والتقسيمات العشائرية والعائلية والطائفية، الذين جعلتهم هذه العلاقات زعماء راسخين يتوارثون الزعامة توارث الأملاك الشخصية، أدركوا العلمانية على حقيقتها، بوصفها خلاصاً للمجتمع من ذلك الإرث المتخلّف، وكسراً للتقاليد، وتجاوزاً للعشيرة والطائفة، وصولاً إلى التساوي أمام القانون، وإلغاء كل أشكال التمييز غير الناجم عن الكفاءات. فالتقى حسن الفهم وسوء الفهم على محاربة هذا الضيف الوافد.

 

وظلمها معتنقوها أيضاً، لأنهم شوهوها تشويهاً فظاً. فتحت راياتها قامت أنظمة قمعية، وفي ظل شعاراتها جرى إضعاف الحراك السياسي في المجتمعات العربية، وانتشرت الأحادية في الفكر والسياسة والحياة الحزبية، وانصرف الناس عن السياسة إلى ضفاف أخرى، بعضها عدمي، وأكثرها تقليدي، أي إنهم عادوا إلى التذرع بالعشيرة أو الطائفة أو العائلة. أما الشكل الثاني فهو أنهم ظلموها حين تداخلت مع بناهم الفكرية الهشة، فصارت علمانية سطحية مسكونة بالتخلف والتعصب للرأي ورفض الآخر وقمع المخالفين لإرادة قادة الأحزاب والمؤسسات والحكومات، وتسخير المنابر الإعلامية لرأي دون آخر.

 

إن أساس العلمانية النظري هو الانطلاق من أن الإنسان الفرد، بوصفه ذاتاً حرة، أساس التكون الاجتماعي، وغرض الثقافة والسياسة. ويعني هذا أن الانتماء الأكثر أهمية، من وجهة نظر العلمانية، هو الانتماء الإنساني. وهذا الانتماء متحقق لدى كل إنسان قبل أي انتماء آخر. يوصل هذا المنطلق في النظر للإنسان إلى أن كل تمييز يأتي على أساس الانتماءات اللاحقة للانتماء الإنساني هو تمييز مخالف لطبيعة الإنسان.

 

إن العلمانية هي السبيل الوحيد لتحقيق مبدأ الموطنة، ولا صحة لأي ادعاء بوجود مواطنة حقيقية بغيرها. فإذا كان مبدأ المواطنة يعني تساوي الناس، أي المواطنين، أمام القانون، فإن العلمانية هي التي تجعل القانون ذاته قانون مواطنة لا قانون تمييز.

 

إن فصل الدين عن الدولة لا يعني فصله عن المجتمع أو التقليل من دوره في حياة الناس الاجتماعية، ولا يعني إضعاف مكانته في منظومة القيم الأخلاقية والسلوكية، وفي صوغ هذه القيم وفق مقتضيات الزمن، فالقيم الإنسانية التي تجعلها الأديان محوراً للنشاط الإنساني، تظل ماثلة في الوجدان الاجتماعي ومرشدًا للسلوك، وهي تتجلى وفق خصائص البيئة المحددة زمانياً ومكانياً. إن فصل الدين عن المجتمع غير ممكن، والإنسان الفرد، بوصفه الوحدة الاجتماعية الأولى، هو الذي يحدد علاقته بالشعائر الدينية وأفكار الدين وقيمه بحرية تامة.

 

وبديهي أن فصل الدين عن السياسة لا يعني فصله عن رجل السياسة. فيمكن للسياسي أن يكون متديناً، لكن المطلوب هو أن ينطلق في نشاطه السياسي من واقع محدد ملموس، ومن قوننة مدنية ديموقراطية للحياة السياسية.

 

إن رعاية حرية الإنسان وحمايتها، وعلى رأسها حق الفرد في التفكير والتعبير عن الرأي وإعلان المعتقد، وحقه في أن يمارس شعائر الدين أو لا يمارسها، وحقه في أن يحدد بنفسه درجة علاقته بالدين وطبيعة هذه العلاقة، وحقه في أن يعارض الحكومة ويناقض توجهاتها بأسلوب قانوني سلمي، وغير ذلك من الحقوق المندرجة في المواطنة. إن رعاية الدولة لهذه الحقوق وحمايتها إياها تسهمان في تعزيز النزوع العلماني لدى الناس، وتكملان دور الدولة بوصفها أداة للضبط وأداة لحماية حقوق الإنسان في وقت واحد.

 

العلمانية والعقلانية صنوان، لأنهما تقومان على احترام العقل والبعد عن التسليم في أمور الحياة الفكرية السياسية الاجتماعية. أما علاقة العلمانية بالديمقراطية فهي علاقة وجود، أي أن العلمانية لا تكون حقيقية ومستمرة بلا ديمقراطية في الحياة السياسية والفكرية. والديمقراطية لا تكون حقيقية إلا في مناخ علماني. العلمانية بلا ديمقراطية تعني تحكم نخبة على هواها، وصولاً إلى التمييز بين الناس على أساس معارضة وموالاة، وعلى أساس الانتماء الحزبي. إن التحكم بالمجتمع بأساليب غير ديمقراطية ينسف أسس المواطنة وأهمها المساواة، ويؤول على التدريج إلى تفريغ العلمانية من محتواها الأساسي، وهو حق الإنسان في تناول كل المسائل بحرية. إن نتيجة منع الشك بالقيادة وقراراتها وحظر مقاربتها بالنقد، هي تكريس نزعة التسليم اللاعلمانية. والديمقراطية بلا علمانية تكون شائهة، لأنها تتيح لنزعات ما قبل المدنية والوطنية النهوض والانتعاش.

 

[إن أحد أهم أركان العلمانية] هو العقلانية. فلا سبيل أن نمتلك رؤية علمانية دقيقة ما لم يكن من يتبنى هذا الموقف ذا موقف علماني. والعقلانية هنا تعني استخدام جملة المناهج والأدوات والأساليب والملكات التي يؤلبها العقل من أجل أن يتعامل مع المشكلات بإعتبارها مشكلات قابلة للحل. هذا من ناحية، ومن الناحية الأخرى النظر إلى العقل على أنه قادر على أن يتناول حل هذه المشكلات وأن يقول فيها قولاً نافعاً، فالعقلانية جزء لا يتجزأ من كل أيدلوجية عَلمانية ومن كل موقف عَلماني يمكن أن يتخذه أي شخص منا.

 

فالعلمانية ( إذا أردنا أن نقدم لها تعريفاً) هي الاعتراف بأن هنالك حقلين مختلفين كل الاختلاف، حقلاً دنيوياً مجاله السياسة، وحقلاً روحياً مرتبطاً ومتعلقاً بالمقدس. ولهذا الحقل كل الاحترام والتبجيل مادام لا يتدخل في السياسة. وله الحق في أن يشارك في التربية، سواء في المسجد أو الكنيسة وحتى في المدرسة. فالعلمانية الفرنسية ذاتها قد أتاحت للطوائف المختلفة أن تؤسس مدارس مستقلة لها.

 

 

 

 

 

 

 

هل كلام النبي عليه السلام مُلزم لنا في الأمور الدنيوية؟

Filed under Uncategorized by فرناس on 24-03-2009

Tags :


 

 

 

مرة أخرى أطلب من بعض القراء الكرام قبل أن يتشنجوا أو يغضبوا من مجرد قراءة السؤال، أن يهدأوا قليلاً، ثم لنحاول معاً أن نقرأ المقالة بهدوء إلى النهاية، وبعد ذلك من شاء أن يغضب أو يتشنج فليفعل ذلك بكل رحابة صدر.

 

 

 

تعتبر الإجابة، أو بتعبير أدق المحاولة للإجابة، على هذا السؤال نقطة محورية في الكثير من مسائل الإختلاف بين المنهج العلماني والفكر الديني في إدارة الدولة وشؤون السياسة. إذ أن النقطة المحورية للإجابة على هذا السؤال تتعلق بمسألة عصمة النبي (ص)، وهل هو معصوم إطلاقـاً في كل أموره، أو هو معصوم في مسائل التبليغ المتعلقة بالديانة والعبادات والعقيدة. فإذا تم إثبات أن النبي (ص) لم يكن معصوماً من النسيان والخطأ في أمور الدنيا، بينما هو معصوم في أمور الدين، فإن ذلك سوف يقودنا بالضرورة إلى النظر للقضية العلمانية كقضية منطقية بديهية ولازمة حتى من المنظور الإسلامي نفسه. فالفرق بين إدارة الدنيا وشؤون الدين والعبادة يصبح من الوضوح بحيث يصعب على رجال الدين الإصرار على التدخل في شؤون السياسة وتعقيدات إدارة الدنيا، وذلك لأن “العصمة” قد انتفت من الأساس في الكل البناء الفقهي اللاحق أحياناً بقرون كثيرة من وفاة النبي (ص) والذي يؤطر لخلط السياسة بالدين.

 

السؤال أعلاه هو موضوع هذا الإقتباس من كتاب (أضواء على السنة المحمدية). وكل ما أطلبه من القارئ الكريم أن يقرأ الإقتباس بتأني وروية، ثم يتفكر قليلاً. ولا أطلب منه أي شيء آخر اطلاقـاً.

 

فرناس 

الإقتباس أدناه هو من كتاب:

 

 

أضواء على السنة المحمدية، محمود أبو رية، دار المعارف، الطبعة السادسة، القاهرة، ص 15-18

 

ما بين [ ] من إضافتي أنا إما للتعليق أو للتوضيح.

 النقل أدناه هو مختصر حسب الحاجة، ومن شاء من القراء الكرام تفاصيل أكثر فليرجع إلى الكتاب.

 

 

 

 

 

 

من كتاب

أضواء على السنة المحمدية

محمود أبو رية

 

 

حكم كلام الرسول في الأمور الدنيوية

 


 

كلامه صلوات الله عليه في الأمور الدنيوية فإنه كما قالوا من الآراء المحضة ويسميه العلماء “أمر إرشاد”، أي أمر (ص) في أي شيء من أمور الدنيا يُسمى إرشاداً، وهو يقابل “أمر التكليف”. ومن القواعد الأصولية أن العمل بأمر الإرشاد لا يُسمى واجباً ولا مندوباً، لأنه لا يُقصد به القربة ولا فيه معنى التعبد. ومن المعلوم أنه لا دليل على وجوب أو ندب إلا بدليل خاص.

 

وما ذكره العلماء في ذلك إنما هو لأن الرسل غير معصومين في غير التبليغ. قال السفاريني في شرح عقيدته:

 

قال ابن حمدان في نهاية المبتدئين: وإنهم معصومون فيما يؤدونه عن الله تعالى وليسوا بمعصومين في غير ذلك من الخطأ والنسيان والصغائر. وقال ابن عقيل في الإرشاد: إنهم عليهم السلام لم يعتصموا في الأفعال، بل في نفس الأداء ولا يجوز عليهم الكذب في الأقوال فيما يؤدونه عن الله تعالى. وهذا ينكره علماء الشيعة فإنهم أجمعوا على أن الأنبياء لا يخطئون ولا يعتريهم السهو والنسيان، وهم مجمعون على أنهم معصومون في الكبر والصغر حتى في أمور الدنيا. [أقول أنا فرناس: ورأي السادة الشيعة هذا لا يصمد أمام الفحص لسيرة النبي (ص) وحوادث التاريخ، بل إنه لا يصمد حتى أمام آيات القرآن الكريم التي قصت علينا قصص الأنبياء مثل يونس وآدم، ولا يصمد أمام فحص آيات العتاب التي وجهها الرب تعالى إلى النبي (ص). بل إن كتبهم نفسها تناقض هذا الرأي كما سوف نرى أدناه عند قصة الإفك على السيدة مارية القبطية وكلام الشريف المرتضى عن الأحكام المستفادة منها. إنتهى].

 

وقد ثبت أن النبي كان يُصدّق بعض ما يفتريه المنافقون كما وقع في غزوة تبوك وغيرها، وصدّق بعض أزواجه، وتردد في حديث الإفك وضاق صدره به زمناً حتى نزل عليه آيات البراءة فكشفت له الغطاء عن الحقيقة. [أقول أنا فرناس: وقد استشار النبي (ص) في السيدة عائشة إثنان من الصحابة، فأشار أحدهما عليه بطلاقها وأشار الآخر بسؤال الجارية التي معها. إنتهى].

 

قال القاضي عياض: أما أحواله (ص) في أمور الدنيا فقد يعتقد الشيء على وجه ويَظهر خلافه، أو يكون منه على شك أو ظن بخلاف من أمور الشرع [يقصد فيما عدا أمور الشرع].

 

عن رافع بن خديج قال: قدم رسول الله (ص) المدينة وهم يأبرون النخل [أي يلقحون النخل]، فقال: ما تصنعون؟ قالوا: كنا نصنعه [أي نلقحه]. قال النبي (ص): لعلكم لو لم تفعلوا كان خيراً. فتركوه فنفضت [أي تركوا تلقيح النخل ففسد محصولهم]. فذكروا ذلك له [أي استفسروا منه وسألوه عن السبب]. فقال النبي (ص): إنما أنا بشر، إذا أمرتكم بشيء من دينكم فخذوا به، وإذا أمرتكم بشيء من رأيي فإنما أنا بشر. وفي رواية أنس “أنتم أعلم بأمر دنياكم“. وفي حديث آخر “إنما ظننت ظناً فلا تؤاخذوني بالظن”. وفي حديث ابن عباس في قصة الخرص فقال رسول الله “إنما أنا بشر، فما حدثتكم عن الله فهو حق، وما قلت فيه من قبل نفسي فإنما أنا بشر أخطئ وأصيب“.

 

وهذا على ما قررنا فيما قاله (ص) من قِبل نفسه في أمور الدنيا وظنه من أحوالها.

 

ولما نزل بأدنى مياه بدر، قال له الحباب بن المنذر: أهذا منزل أنزلكه الله ليس لنا أن نتقدمه أم هو الرأي والحرب والمكيدة؟ قال (ص): لا بل هو الرأي والحرب والمكيدة. قال الحباب: فإنه ليس بمنزل، انهض حتى نأتي أدنى ماء من القوم فننزله، ثم نغوّر ما وراءه من القُلب [أي آبار] فنشرب ولا يشربون. فقال (ص): أشرت بالرأي. وفعل ما قاله [الحباب]. وأراد (ص) مصالحة بعض عدوه على ثلث تمر المدينة [أي يعطي أعداءه ثلث محصول تمر المدينة على أن يرجعوا ولا يحاربوه]، فاستشار الأنصار، فلما أخبروه برأيهم رجع عنه. فمثل هذا وأشباهه من أمور الدنيا التي لا مدخل فيها لعلم ديانة ولا اعتقادها ولا تعليمها يجوز عليه فيها ما ذكرناه [أي الخطأ والنسيان].

 

وقال [القاضي عياض]: فأما ما تعلق منها (أي معارف الأنبياء) بأمر الدنيا، فلا يشترط في حق الأنبياء العصمة، من عدم معرفة الأنبياء ببعضها أو اعتقادها على خلاف ما هي عليه، ولا وصم [أي لا شائبة] عليهم فيه.

 

قال الوزير اليماني في الروض الباسم:

 

غير خاف عمن له أنس بقواعد العلماء أن أفعال النبي (ص) عند المحققين لا تدل بنفسها على الوجوب ولا على الندب، وإنما تدل على الإباحة، والقدر المقطوع به أنه [أي النبي] لم يكن يفعل المعاصي المحرمة، فإن فعل شيئاً من الصغائر سهواً لم يُقر عليه وبيّنَ الله تعالى ذلك. وقال المحققون: إذا فعل فعلاً نظرنا، هل دلت القرائن على أنه فعل ذلك متقرباً به إلى الله تعالى أو لا، فإن لم تدل القرائن على ذلك لم يستحب التأسي به وكان من فعله على الإباحة، من شاء فعله ومن شاء تركه. ومن ذلك إقراره لعمر بن الخطاب على مخالفة رأيه في قصة أسرى بدر [كان رأي النبي (ص) هو اطلاق الأسرى مقابل أخذ الفدية، بينما رأي عمر هو قتلهم، ونزلت بعد إطلاقهم آيات من القرآن تعاتب النبي على اطلاقهم].

 

روى محمد بن الحنفية رحمه الله عن أبيه أمير المؤمنين عليه السلام [يقصد علي بن أبي طالب] قال: كان قد كثر على مارية القبطية أم إبراهيم في ابن عم لها قبطي كان يزورها ويختلف إليها، فقال لي النبي (ص): خذ هذا السيف وانطلق، فإن وجدته عندها فاقتله. قلت: يا رسول الله، أكون في أمرك إذا أرسلتني كالسكة المحماة أمضي لما أمرتني [يقصد أأقتله إذا وجدته من دون إعمال أية روية أو فكر]، أم الشاهد يرى ما لا يرى الغائب؟ [يقصد أن استخدم تقديري فيما أراه]. فقال لي النبي (ص): بل الشاهد يرى ما لا يرى الغائب. فأقبلتُ متوشحاً بالسيف، فوجدته عندها، فاخترطت السيف. فلما أقبلتُ نحوه، عرف أني أريده، فأتى نخلة فرقي عليها [أي صعد على النخلة]، ثم رمى بنفسه على قفاه وشغر برجليه، فإذا به أجب أمسح، ما له مما للرجال قليل ولا كثير. فغمدت السيف ورجعت إلى النبي (ص) فأخبرته فقال: الحمد لله يصرف عنا أهل البيت.

 

قال الشريف المرتضى في تعليقه على هذا الخبر:

 

ومما فيه من الأحكام اقتضاؤه أن مجرد أمر الرسول (ص) لا يقتضي الوجوب، لأنه لو اقتضى ذلك لما حسنت مراجعته ولا استفهامه. وفي حسنها ووقوعها موقعها دلالة على أنها لا تقتضي ذلك.

 

 

 

 

 

 

المنهج الليبرالي ومسألة الدين والإلحاد

Filed under Uncategorized by فرناس on 14-03-2009

Tags :


 

 

يتميز المنهج الليبرالي عن غيره من المناهج بهوامش الحرية المتاحة للفرد فيما يتعلق بإختياراته الفكرية والثقافية والعقائدية. فـالليبراليةلا تتبنى موقفاً مبدئياً من أية عقيدة أو دين أو منهج، بل لا يجب أن يكون لها أي موقف مبدئي منها وإلا لتناقض المنهج الليبرالي في فكرته الأساسية فيحرية الإختيارمع الممارسة الفعلية للمنهج الليبرالي. ولهذا السبب فإن المجتمعات الليبرالية هي مجتمعات مختلطة الثقافات والعقائد والأفكار، ولا يتم التمييز بينها إلا من خلال قرار المجتمع نفسه في رفض أو تبني جزئيات محددة منها من خلال مؤسساتها التشريعية المنتخبة، ولكن الأفراد يبقون متساوين أمام القانون، ولا يتم التمييز بينهم من خلال الفرص التي تتيحها الدولة أو المجتمع للأفراد والجماعات.

 

وبسبب أن المجتمعات العربية والإسلامية هي مجتمعات تعرضت حديثاً للمفاهيم والمناهج الغربية، فإن هذه المجتمعات تنحو في أغلب الأحيان إلى تشويه هذه المفاهيم إما بحُسن أو بسوء نية. وفي أحيان أخرى كثيرة نجد أن الأفكار الإنسانية السامية يتخذها البعض وسيلة أو غطاء ليخفي موقفاً محدداً هو لا يملك الشجاعة الكافية لأن يصرح به بوضوح. ومن هذا المنطلق نجد أن الكثير ممن يدّعون “الليبرالية” أو “العلمانية” في الوطن العربي، وفي الكويت، هم في الأصل (ملحدون) ومناهضون تحديداً للدين الإسلامي كعقيدة. وبدلاً من أن يطرحوا آراءهم، بصراحة ووضوح، من وجهة النظر التي يتبنونها حقيقة ً، نجدهم يتخفون خلف ستار إدعاء “الليبرالية” أو “العلمانية” ليطرحوا “عقيدتهم” تلك، وكأن الليبرالية أو العلمانية تستدعي بالضرورة الإلحاد. وبالطبع، لا تصمد ادعاءاتهم هذه أمام النقد والتمحيص لأن نقد المنهج الفقهي الديني في إدارة الدولة وشؤون الحكم لا يعني بالضرورة الكفر بالعقيدة، هذا بالإضافة إلى أن ما يحاول هؤلاء أن يوهمون انفسهم وغيرهم به هو غير مشاهد أصلاً في أعرق الدول الليبرالية شرقـاً وغرباً، ولا يوجد إلا في أوهامهم. كما أن “النقد”، كوسيلة عقلانية، هو غائب أصلاً في الأغلبية الساحقة في ما يمارسه هؤلاء وإنما هو استهزاء وسخرية وتصرفات أقرب إلى المراهقة الفكرية الساذجة منها إلى منهج ناضج يسعى وراء “حقيقة”.

 

إن المواقف المبدئية للعلمانية والليبرالية لا ترفض الأديان ولا العقائد الغيبية، بل على العكس، هي تستخدمها كمصادر محتملة للتشريع والقيم والأخلاق. فلا يمكن أبداً انكار التفاعلات الإجتماعية الدينية حتى في أعرق المجتمعات الليبرالية في غرب أوربا وأمريكا الشمالية، ولا يمكن إنكار انخراط السياسيين العلمانيين في هذه الدول نفسها في النشاط العقائدي على المستوى الخاص، ولا يمكن انكار أن “الإلحاد” هو شبه غائب أصلاً من ضمن المؤسسات السياسية الفاعلة في هذه الدول. ولكن الفرق هو أن هذه الدول تصر على ابقاءالدينخارج إطار السياسة وتفاعلاتها. فالقرارات السياسية لا يتم اتخاذها بسبب رأي فقيه ولا بسبب موقف مؤسسة دينية ولا بسبب إصرار حزب يسوّق لنفسه سياسياً بإستخدام ورقة الدين.

 

إن الموقف الساذج الذي يصر على استخدام الليبرالية والعلمانية كغطاء للتوجهات الإلحادية يجب أن يتم معاكسته وفضحه وكشفه، لأن سذاجة هؤلاء وتهافتهم تعدت بمراحل كثيرة الضرر الذاتي إلى الهدم المنظم لأصل المنهج وحقيقته. فبينما يبتسم افراد المجتمعات الغربية بسخرية من مجرد الإيحاء بأن الليبرالية تستدعي الإلحاد، نجد أن المجتمعات الشرقية باتت مقتنعة بالفكرة تماماً وكأنها أمر مفروغ منه. واصبحت التيارات الدينية التي هي من أحد أسباب الكوارث التنموية في هذا الوطن تستغل هذه المفاهيم الخاطئة التي يتبناها هؤلاء لحشد التأييد الشعبي لها والتبرير لمناهجها الكارثية. هذا مع الأخذ بعين الإعتبار حقيقة أن كل من يدعو إلى هذا التلازم بين الإلحاد والمبادئ الليبرالية العلمانية في مجتمعاتنا هم أصلاً ممن لا حظ لهم اطلاقـاً من أية ركيزة معرفية ناضجة من الممكن أن تصمد طويلاً أمام النقاش والتفنيد.

 

إن الليبرالية هي محاولة للتعايش في مجتمع تتعدد فيه الأديان والمذاهب، بحيث يغدو التفاعل والحوار بينهم أكثر سلماً وعقلانية وهدوءاً، منطلقين من تقبل الآخر المختلف عنهم كمبدأ ولكنهم يخالفونه في الرأي والموقف. ومن شاء ان يتخذ الإلحاد كمنهج، فليفعل ذلك بعيداً عن أوهام ضرورات الليبرالية وشعارات العلمانية، لأنهما لا شأن لهما ابداً بتلك المحاولات الساذجة.

 

 

فرناس

 

 

 

 

هل تم تطبيق الشريعة الإسلامية كاملة أيام النبي عليه السلام؟

Filed under Uncategorized by فرناس on 01-03-2009

Tags :


 

 

قبل أن يتشنج أو يغضب البعض من مجرد قراءة السؤال، فليهدأ قليلاً، ثم لنحاول معاً أن نقرأ المقالة بهدوء إلى النهاية، وبعد ذلك من شاء أن يغضب أو يتشنج فليفعل ذلك بكل رحابة صدر.

 

 

في البداية يجب أن أعترف بأن هذا السؤال لم يخطر ببالي إطلاقـاً قبل أن أقرأ كتاب الدكتور محمد عابد الجابري الذي سوف أشير إليه أدناه. ومع أنني أعترف بأن ليس كل ما يقوله أو يدعو إليه الدكتور الجابري أوافق عليه تماماً، بدليل أنني قد كتبت مقالة لتفنيد مشروع الدكتور الجابري فيما يخص شعاري (العقلانية) و (الديموقراطية) في هذه المدونة (رجاءً إضغط هنا) كما أجريت تنقيح جوهري عليها في كتاب ثالث لي سوف يصدر خلال الأربع أو الخمسة أشهر القادمة، إلا أن هذا السؤال وما أجاب عليه الدكتور جعلني أفكر من زاوية مختلفة قليلاً. فأساس الإشكالية الحالية في الصراع الليبرالي-الإسلامي هو الشعار المرفوع من جانب التوجهات السياسية التي تتخفى بعبائة الدين (تطبيق الشريعة الإسلامية)، هذا مع الوضوح الشديد بأن هذا الشعار لا يعني عند هذه الأطياف أي برامج سياسية أو اقتصادية واضحة المضمون والآليات، وإنما هو أقرب إلى شعار عاطفي يتم استغلاله بفاعلية لدى الجماهير. فالمحور هو (الشريعة الإسلامية) فيما إذا كانت تمتلك محتوى سياسي وإقتصادي واضح المعالم والآليات أم أنها هي أساساً متغيرة طبقـاً لتغير الظروف والأحوال أو حتى الرجال.

 

 

أعتقد أن الدكتور الجابري قد سلط الضوء، بإقتدار واضح، على مسألة جدلية غاية في الأهمية. ولا يستدعي منا إلا أن نقرأ وجهة نظره هذه بهدوء، ثم نتفكر قليلاً.

 

الإقتباس أدناه هو من كتاب:

 

وجـهـة نـظـر - نحو إعادة بناء قضايا الفكر العربي المعاصر، الدكتور محمد عابد الجابري، مركز دراسات الوحدة العربية، الطبعة الثالثة، بيروت 2004، ص 73 – 76

 

النقل أدناه هو مختصر حسب الحاجة، ومن شاء من القراء الكرام تفاصيل أكثر فليرجع إلى كتاب الدكتور الجابري.

 

 

فرناس

 

 

 

 

 

مـــن كـتـاب

وجـهـة نـظـر

نحو إعادة بناء قضايا الفكر العربي المعاصر

الدكتور محمد عابد الجابري

 

 

 

أنا لا أجد حرجاً في ديني ولا في وجداني ولا في عقلي إذا قلت أن الشريعة الإسلامية لم تُطبق قطكاملةفي يوم من الأيام. أقول هذا وأنا أعطي لكل كلمة معناها وحقها من الدلالة، وبالخصوص كلمة “كاملة” التي أضعها بين مزدوجتين إبرازاً لها وتأكيداً عليها، لأنها جوهر المسألة، ولا أقول “المشكلة”، لأن الموضوع كله واضح، في نظري، لا مشكلة فيه ولا إشكال. وفيما يلي البيان:

 

 

1- الشريعة الإسلامية لم تُطبّقكاملةفي زمن الرسول (ص) لسبب بسيط يعرفه جميع من له معرفة بالسيرة النبوية، وهو أن هذه الشريعة لم تنزل دفعة واحدة ومرة واحدة، وإنما استغرق نزول ما نزل منها وتقرير ما تقرر حياة الرسول (ص) كلها من يوم بعثته إلى اللحظة التي لفظ فيها أنفاسه. ذلك لأن القرآن، وهو الأصل الأول للشريعة، لم يكتمل إلا يوم نزلت الآية الشهيرة ﴿اليوم أكملت لكم دينكم وأتممت عليكم نعمتي ورضيت لكم اللإسلام دينا. ويقال أن الرسول (ص) لم يعش بعدها إلا واحداً وثمانين يوماً. أما المصدر الثاني للشريعة المبيِّن للمصدر الأول والمفصِّل لما أجمل فيه فهو السنة النبوية، أي ما صدر عن النبي (ص) من قول أو فعل أو ما أقرّ الناس عليه، ومعلوم أن هذا الأصل الثاني لم يكتمل إلا في اللحظة التي كفّ النبي (ص) فيها عن الكلام والفعل، لحظة وفاته عليه السلام. وإذن، فقبل إنتهاء نزول القرآن وقبل انتقال النبي (ص) إلى الرفيق الأعلى لم تكن الشريعة الإسلامية قد طُبّقت تطبيقـاً “كاملاً” لسبب بسيط هو أنها لم تكن قبل ذلك قد اكتملت بعد. ومعنى ذلك أن ما طُبق من الشريعة في كل مراحل نزولها هو ما كان قد نزل منها، وهو جزء منها وليس كلها.

 

 

2- ولم تطبق الشريعة الإسلامية كاملة زمن الخلفاء الراشدين لسبب بسيط أيضاً هو أن الصحابة واجهوا نوازل ومستجدات لم تكن قد ظهرت زمن النبي (ص) فكان عليهم أن يجتهدوا، وكان لابد أن يستشير بعضهم بعضاً، وكان لابد أن يتناقشوا فيختلفوا ويتفقوا، وكان لابد، في جميع الأحوال، أن يتصرفوا إما عن إجتهاد وإما بإجماع. وكما نعرف جميعاً، فالإجماع والإجتهاد هما الأصلان الثالث والرابع من أصول التشريع في الإسلام. وواضح أن الشريعة إنما تكمل بإكتمال صورها (ولا عبرة هنا بالنقاش حول حجية الإجماع والإجتهاد، فالجميع، بإستثناء الشيعة، متفقون حول إجماع الصحابة واجتهادهم، والخلاف هو حول إجتهاد وإجماع من جاء بعدهم). وإذن، فالحديث عن “تطبيق الشريعة كاملة” لا يصح، من الناحية المبدأية، إلا عندما تكون أصولها الأربعة قد تقررت كلها، وهذا لم يحدث إلا بعد أن انتهت الحقبة التي كان فيها الصحابة هم أهل الحل والعقد، حقبة الخلفاء الراشدين.

 

 

نعم، قد يقال: ليس المقصود “الكمال” بهذا المعنى، وإنما المقصود هو أن ما وُجد من الشريعة في زمن الرسول وزمن الخلفاء الراشدين قد طُبق تطبيقـاً كاملاً.

 

وهذه وجه نظر يمكن أن تُعارض على مستوى الجدل بالأمور التالية:

 

1- إن الشريعة زمن الرسول (ص) قد عرفت، سواء على مستوى النص القرآني أو على مستوى السنة النبوية، تطوراً جعل منها شريعة حية وليس شريعة جامدة، تطور يعكسه بوضوح وجود “الناسخ والمنسوخ“. والسؤال الذي يُطرح هنا هو التالي: هل الأحكام التي كان يجري العمل بها ثم نُسخت ﴿بخير منها أو مثلها تدخل في دائرة “كمال” تطبيق الشريعة أو لا تدخل؟

 

أوليس “الكمال” هنا للناسخ وليس للمنسوخ؟

 

ثم هل كان جميع الذين أسلموا زمن النبي (ص) يقومون بما تقرر من الأحكام فيصلّون ويزكون ويرجمون الزاني أو يجلدونه ويقطعون يد السارق بمجرد الإعلان عن إسلامهم؟

 

ألم يكن كثير من الأعراب الذين أسلموا ﴿ولما يدخل الإيمان في قلوبهم مقصرين في تطبيق ما كان موجوداً من الشريعة، ولم يكن ذلك يخفى على رسول الله (ص)؟

 

فهل يمكن القول، بإدخال هؤلاء وأولئك في الحساب، أن الشريعة أو ما كان موجوداً منها قد طبّق تطبيقـاً كاملاً على الناس جميعاً زمن النبي (ص)، أعني الناس الذين أعلنوا إسلامهم؟

 

 

2- وما القول في اجتهادات الخلفاء الراشدين التي يوجد فيها ما يشبه الناسخ والمنسوخ؟ فقد وزع أبو بكر، كما هو معروف، الغنائم والعطايا على إسلوب وطريقة ومقاييس. ولما تولى عمر بن الخطاب عدل عنها إلى إسلوب ومقاييس أخرى. وأما الخليفة الثالث عثمان بن عفان فمعروف أنه سلك في كثير من الأمور غير مسلك أبي بكر وعمر، دع عنك ما كان يؤاخذ عليه خلال السنين الأخيرة من خلافته. فأيها ينتمي إلى الشريعة المطبقةالكاملة“، مسلك أبي بكر الذي نسخه مسلك عمر، أم الكيفية التي تصرف بها عثمان؟

 

 

ما نريد أن نخلص إليه من هذه التساؤلات الجدلية هو الوصول إلى الحقيقة البديهية التالية:

 

إن “الكمال” في مجال تطبيق الشرائع، كما في أي مجال آخر، هو كمال نسبي سواء تعلّق الأمر بزمن الأنبياء أو زمن حواريهم وصحابتهم أو ما جاء ويجيء بعدهم من أزمان. إلا أنه لا كمال في هذه الدنيا، لا في مجال تطبيق الشريعة ولا في غيره من المجالات.

 

  

 

 

 

Subscribe to RSS Feed Rss