خطورة التسويق للنموذج السعودي للحداثة … الإستقواء بالسلطة ضد الخصوم
Filed under عـــام by فرناس on 12-10-2009
Tags : شؤون كويتية, مقالات في العلمانية
يعتبر التاريخ بأحداثه المتتالية والمتنوعة أحد أهم المصادر التي تسجل هزائم الإنسانية عبر التاريخ. فـ “الهزيمة” هو “الحَدَث” الذي يتكرر في كل سطر يكتبه المؤرخ في نصوصه، ولا معنى للتاريخ بدونه. حتى في قصص الإنتصارات والنجاح، فإن ما يمثله لنا التاريخ على الحقيقة هو سرد لهزيمة أو فشل لطرف مقابل من نوع ما. فصراع الأطماع والأفكار والفلسفات والأديان هو ليس صراع في سبيل غاية متجردة ومحايدة ومتعالية، أخلاقياً أو إنسانياً، في أغلب الأحيان، ولكنه صراع يحمل في داخله رغبة قاهرة لـ “هزيمة” الطرف المعارض والهيمنة ليس فقط على محيطه الفاعل، ولكن حتى على “إنسانيته” بكل ما تفترضها من بديهيات ذات مضمون أخلاقي. التاريخ هو قصص الهزائم الإنسانية بكل تنوعاتها ومحاورها وتشعباتها. والتاريخ أيضاً يكرر نفسه بدرجة أو بأخرى، ليس بالضرورة بتطابق الأحداث، ولكن بتشابه المضمون والفكرة. والحكيم هو من يعتبر من مضامين روايات التاريخ وعبره، إذ الغاية الحقيقية من “التاريخ” هو ليس معرفة حوادث الأمم التي سبقتنا بقدر ما هي الفرصة التي تتيحها هذه الحوادث لتجنب هزائمهم.
حكى لنا التاريخ عن المعتزلة. تلك الفرقة التي رفضت رفضاً قاطعاً تقديم “النص” على دلالة العقل وبديهياته، وأصرت على أن المعرفة يجب أن تبتدأ مع العقل بواسطة التأمل في ذات الإنسان وما هو حوله لترتقي إلى المعرفة القصوى (المعرفة بالله) وليس من خلال “النص” نزولاً للبشر، وأصروا على تبني “المجاز” في اللغة والنصوص المقدسة وليقدموا للمسلمين حلولاً منطقية لمشكلات العقيدة والنصوص. تلك الفرقة قدمت النموذج الإسلامي الحداثي العقلاني ضد التوجهات الثابتة الجامدة المتطلعة دائماً للوراء وللركود المطمئن على ما عمل به عقل “سلف” من نوع ما دون غيرهم. استطاع المعتزلة بخطابهم العقلاني أن يقنعوا الخليفة العباسي بآرائهم، وبدا أن مذهبهم هذا كان مهيئاً لأن يهيمن على الذهنية الإسلامية ليدفع “العقل” إلى المرتبة الأولى في الوعي الإسلامي، ولكنهم وقعوا في الخطيئة الأزلية لكل إنسان يرى نفسه قريباً من السلطة. لقد استقووا بالسلطة ضد خصومهم، واستخدموا السلطان لصالح فرض قناعاتهم فرضاً وبالقوة والتي كانت أصلاً في طريقها لأن تسيطر من دونه مع مر العقود والقرون. فالسلطة دائماً ترى “المصلحة الذاتية” قيمة عليا، تتغير بتغير الأيام والسنين. وما فعلته السلطة بخصوم المعتزلة وبتشجيعهم، فعلت السلطة أضعاف أضعافه بهم وبتشجيع خصومهم عندما تغيرت مصلحة السلطة وقناعاتها. وكانت النتيجة تراجع مذهبهم إلى حدود الإندثار في أغلب العالم الإسلامي وهيمنة الرؤية الأشعرية الوسيطة بين إشكاليتين والسلفية الراكدة الجامدة والشيعية الماورائية العجائبية والتي تُقدّم النقل على دلالة العقل، وأنتهى العالم الإسلامي إلى ما انتهى عليه اليوم.
برزت في الآونة الأخيرة في الكويت نزعة واضحة من بعض التوجهات الليبرالية لإقتباس المنهجية السعودية في فرض رؤية محددة سواء للتنمية أو الحداثة. بل وصل الأمر ببعضهم من خلال بعض الصحف إلى حث السلطة على التعامل مع التوجهات الدينية تماماً كما فعلت الحكومة السعودية مع من انتقدها من شيوخ الدين في مسألة الإختلاط في التعليم الجامعي وصولاً إلى درجة الإعفاء من المنصب خلال أقل من أربعة وعشرين ساعة. خطورة هذا التوجه يتجلى من عدة محاور. أهمها على الإطلاق هو حقيقة أن “الحداثة“، كمنهج، من المستحيل فرضه على الشعوب، لأن المسألة تتعلق بقناعة وفكر وتصرفات وليس مظهراً خارجياً للحداثة. فالكويت تملك المظهر الخارجي للحداثة قبل على الأقل عقدين من الزمان من أي دولة خليجية عربية على الإطلاق، ولكن الفكر والمنهج بقي كما هو بارزاً في القناعات العائلية القبلية الطائفية من أول إدارة الدولة ومروراً بالتوظيف حتى في أقل الوظائف شأناً ونهاية بتصرفات الشعب مع موارده ومنشآته وعلاقته بالآخر المختلف عنه داخلياً وخارجياً. فالمباني الحديثة لا تعني أي شيء على الإطلاق إذا لم يصاحبها تصرفاً حضارياً للمحافظة عليها. والتجهيزات الحديثة لا تعني أي شيء على الإطلاق إذا لم يصاحبها عقلية مستعدة للإستفادة منها لإكتشاف شيء جديد والمساهمة في الدفع الحضاري للمجتمع والعالم. والمناهج الحديثة لا تعني أي شيء على الإطلاق إذا لم يصاحبها ذهنية تعرف أن التميز والإبداع هو المعيار الوحيد للنجاح والترقي. فـ “الإنسان” هو المعيار دائماً وأبداً، ومن دونه سوف تسقط كل محاولات “الحداثة” وخصوصاً إذا تم فرضها فرضاً من سلطة قائمة. ثانياً، وهو خطورة الإستقواء بالسلطة على الخصوم فيما يخص المنهج بشكل عام. وإذا كان مثال المعتزلة يعتبر بعيداً في الزمان، فإن التشجيع الحكومي للتوجهات الدينية والقبلية في الكويت لصالح الإفتئات على المكتسبات الدستورية ليس منا ببعيد. فإذا بها اليوم نرى بوضوح الإنقلاب الحكومي على التوجهات الدينية والقبلية بشكل واضح لا لبس فيه. فإذا شاءت التوجهات الليبرالية أن تستقوي بالسلطة ضد خصومها، وتنسى الأساس البديهي للحداثة (قناعة المجتمع) والذي يتولى قمع الخصوم من دون حاجة للسلطة، فإن النهاية لن تكون سعيدة بكل تأكيد.
النموذج السعودي للحداثة سوف يمر بالتأكيد بعدة اشكالات خطيرة على مستوى المجتمع. فالمعارضة الصامتة إذا لم يتم التطرق لها بشكل موسع وصريح وحر داخل المجتمع، وإذا لم يكن المنهج في أساسه هو محاولة كسب قناعات الشعب ضد القوى الدينية السلفية الرجعية، فإن النتيجة سوف تكون ذات تداعيات تصادمية وخصوصاً أن هذا المجتمع بالذات كان يتلقى الدعم الحكومي اللا محدود لصالح نفس التوجهات السلفية الذي يريد أن يواجهها الآن. فالحداثة هو منهج يجب أن يبتدأ مع النشئ في المدارس، ويترقى كممارسة ضمن المجتمع، ولا يمكن فرضه فرضاً من أعلى، وخير دليل على فشل هذه المنهجية هو محاولة محمد علي باشا في مصر في النصف الأول من القرن التاسع عشر.
لكل ما سبق، يجب أن يبتعد التيار الليبرالي عن التسويق للمنهجية الحداثية السعودية كما تطرحها الحكومة السعودية اليوم، لخطورتها أولاً، ولخطأ منطقها ومفهومها ثانياً، ولحتمية التصادم غير البناء من نسيج اجتماعي يغيب عنه الحرية والتفاعل الحر مع السلطة.
فرناس

